فريق شرطة (حقوقي) د. الطيب عبدالجليل حسين يكتب العدالة الدستورية ونمو التطور الدستوري المجتمعي وأثره على تطبيق الدستور والقانون(6)

رؤية إنتقادية لتطبيق معايير المحاكمة العادلة المنصفة في السودان– محاولة لمقارنات دولية (3)
———————
القصور والفراغ الدستوري عن المحاكمة العادلة المنصوص عليها في الوثيقة الدستورية 2019م تعديل 2025م وإشكالياته، يجعل من الضرورة بمكان، تناول أسس المحاكمة العادلة المنصفة ومعاييرها، بحسبان أن المحاكمة العادلة المنصفة، إحدى الركائز الجوهرية للعدالة الدستورية، إذ تمثل الصلة المباشرة بين المبادئ الدستورية المجردة والواقع العملي لتطبيق القانون. فهي ليست مجرد ضمانة إجرائية في القضايا الجنائية أو المدنية أو الادارية أو قضايا الاحوال الشخصية فحسب، بل منظومة تشريعات متكاملة تستند إلى قيم سيادة القانون المتمثلة في المساواة والكرامة الإنسانية. ومن هذا المنطلق، يصبح التحليل لمفهوم المحاكمة العادلة المنصفة ومعايير المحاكمة العادلة المنصفة، ودلالاتهما وأبعادهما. أنها ضرورة، لفهم مدى فاعلية الدستور ذاته، وتحديد العلاقة بين النصوص القانونية والممارسة القضائية.
وقاموس معرفي لكلمات لها صلة وارتباط بالمحاكمة العادلة المنصفة، نشير لها في الآتي:
1. المعايير:
———————
المقصود بالمعايير القواعد والضوابط العملية الدستورية والحقوقية والاجرائية، التي يتم بواسطتها، تحديد ما إذا كانت المحاكمة عادلة أم لا. وطبيعتها، أنها موضوعية وقابلة للقياس، مثلاً: علانية المحاكمة، حق الدفاع، استقلال القاضي، المساواة بين الخصوم. ووظيفتها، أنها أدوات لتقويم التجربة القضائية، وضمان اتساقها مع الدستور والاتفاقيات الدولية. والمعايير هي القواعد المرجعية، التي تحدد إذا كانت المحاكمة عادلة أم لا. وأمثلة لذلك، نوجزه في الآتي:
(1) معايير المحاكمة العادلة المنصفة في القضايا الجنائية: هي الضوابط الدستورية والحقوقية والإجرائية التي تكفل ألا يُدان المتهم إلا عبر محاكمة عادلة، تحترم حقوقه وكرامته، وتوازن بين حق المجتمع في العقاب وحق الفرد في الحرية. وبعبارة أخرى: المعايير هي خطوط حمراء على سلطة الدولة، تمنعها من الانحراف أو التعسف أثناء ملاحقة المتهم ومحاكمته.
والمعايير الأساسية في القضايا الجنائية، احدى عشر محور رئيسي؛ وهي، المساواة بين الخصوم أمام القضاء، بأن للمتهم نفس الحق في استجواب الشهود، وتقديم الأدلة مثل جهة الاتهام، ومنع جهة الاتهام من احتكار وسائل الإثبات أو التأثير على المحكمة. واستقلال القضاء، بعدم التدخل في أعماله القضائية الفنية. وعلانية المحاكمة، بحضور الجمهور جلسات المحاكمة، فالأصل في اجراءات المحاكمة: أن تكون الجلسة علنية، لتحقيق الرقابة الشعبية والقضائية، والاستثناء في العلنية: جعلها سرية، إذا تعلق الأمر بالأحداث، أو الأمن القومي ودواعي حفظ الأمن والنظام العام، أو حماية الأخلاق. وحق الإعلام والاخطار بالتهمة فوراً، وبوضوح، وبلغة يفهمها المتهم أو المقبوض عليه. والمحاكمة الناجزة، بالفصل في مدة معقولة. وتعيين محامٍ من اختيار المتهم، أو انتداب محامي من الدولة عند العجز. وحق لقاء المحامي بالمتهم بحرية وسرية. وحق منح المتهم ومحامية وقتًا كافياً لإعداد دفاعه. والحق في محكمة مستقلة ومحايدة، لا تخضع لتأثيرات سياسية أو أمنية. وحياد القاضي، بعدم وجود مصلحة له في القضية. ومنع التعذيب أو الإكراه، وبطلان أي اعتراف أو دليل، انتُزع تحت التعذيب. وحظر الاحتجاز، في أماكن سرية، أو الحجز في أماكن غير خاضعة للرقابة. وعدم اجبار الشهود لآداء الشهادة، إلا لمقتضايات العدالة تقررها المحكمة. ولا يجوز إبقاء المتهم محتجزاً بحجة التحري والتحقيق لفترات طويلة دون محاكمة. والحق في الاستئناف والطعن، بتمكين المتهم من استئناف الحكم أمام محكمة أعلى. وضمانة تعويض المتهم ضد الأخطاء أو الانحراف القضائي. وعدم المحاكمة مرتين عن الجريمة نفسها، بعدم إعادة محاكمة المتهم بعد صدور حكم بات بالبراءة أو الإدانة.
وعلى العموم، المعايير الأساسية في القضايا الجنائية، تتمحور حول ثلاثة محاور كبرى: ضمانات قبل المحاكمة: إعلام بالتهمة، منع التعذيب، افتراض البراءة. وضمانات أثناء المحاكمة: علانية، مساواة، حق الدفاع، قضاء مستقل. وضمانات بعد المحاكمة: حق الاستئناف، عدم المحاكمة مرتين.
(2) معايير المحاكمة العادلة المنصفة في القضايا المدنية (الحقوق والالتزامات بين الأفراد): المقصود بالمعايير: ضمان أن النزاع بين الأفراد (مثل العقود، التعويضات، الملكية)، أن يُنظر أمام قضاء محايد وفق إجراءات تكفل التوازن بين الخصوم المتداعين. والمعايير الأساسية: المساواة الكاملة بين الخصوم في عرض الدفوع والبينات. وتمكين الأطراف من الاطلاع على مستندات الخصم. والفصل في النزاع خلال مدة معقولة. وحياد القاضي وعدم تأثيره لمصلحة طرف. وعلانية الجلسات، إلا إذا اقتضت الخصوصية خلاف ذلك، مثل أسرار التجارة أو الأسرة.
(2) معايير المحاكمة العادله المنصفه في القضايا الادارية (النزاع بين الفرد والسلطة العامة): المقصود بالمعايير: ضمان ألا تتحول سلطة الإدارة إلى أداة تعسفية تسلطية، وإعطاء الفرد فرصة حقيقية للطعن في قراراتها. والمعايير الأساسية: افتراض صحة القرار الإداري مع إتاحة الطعن فيه. وتحميل الإدارة عبء الإثبات وإلزامها بتقديم المستندات المؤيدة للقرار الاداري المطعون فيه. وتمكين الطاعن المتداعي من الدفاع، حتى لو كان مجرد “مدعٍ” في مواجهة سلطة عامة قوية. واستقلال القضاء الإداري عن الجهاز التنفيذي. وضمان حق التعويض، إذا ثبت عدم مشروعية القرار الإداري.
(3) معايير المحاكمه العادله المنصفه في قضايا الأحوال الشخصية (الأسرة، الزواج، الطلاق، الميراث، التبنّي): المقصود بالمعايير: تحقيق التوازن بين الخصوصية العائلية وحماية الحقوق الفردية، مع مراعاة خصوصية القيم الدينية والاجتماعية. والمعايير الأساسية: احترام حق الدفاع، وتمكين كل طرف من عرض أقواله (الزوجين، الورثة، إلخ). وعلانية شكلية لحضور الجمهور لجلسات المحكمة، ولكن مع مراعاة السرية حفاظاً على سمعة الأسرة والخصوصية. وحياد القاضي وعدم انحيازه لأي طرف، سواء على أساس النوع أو الوضع الاجتماعي. ومراعاة مصلحة الطفل في قضايا الحضانة أو التبنّي. وضمان تنفيذ الأحكام بسرعة، لأنها تمس أوضاعاً حياتية أساسية.
وعلى العموم يمكن القول، في القضايا المدنية، المعيار الأساسي، هو المساواة والحياد بين الأفراد. وفي القضايا الإدارية، المعيار الأساسي، هو حماية الفرد من تعسف الإدارة، وتحميلها عبء الإثبات. وفي قضايا الأحوال الشخصية، المعيار الأساسي، هو مراعاة الخصوصية، ومراعاة المصلحة الفضلى للأسرة والطفل.
2. المفهوم:
———————-
يعني الإطار الفكري أو الفلسفي الذي يحدد طبيعة المحاكمة العادلة المنصفة، كفكرة حقوقية قانونية ودستورية. وخصائصه، كُلّي ومجرّد، يعبّر عن الفكرة قبل تنزيلها في الواقع. ويستوعب تعدد المجالات الجنائي والمدني إداري والأحوال شخصية. ومثال له توضيحي، عندما نقول إن المحاكمة العادلة مبدأ دستوري، فهذا هو المفهوم الأشمل الذي يحيط بالمعايير والضمانات.
(3) الدلالة:
———————
هو المعنى المتضمن أو المعنى الرمزي، الذي يحمله مصطلح المحاكمة العادلة المنصفة في السياق الدستوري والحقوقي. وأبعادها، أنها دلالة حقوقية، لحماية الحقوق والحريات الاساسية. ودلالة دستورية بجعل النصوص الدستورية قابلة للتطبيق الواقعي. ودلالة اجتماعية بتعزيز الثقة في القضاء والنظام القانوني. ودلالة سياسية، بمنع استغلال القضاء، كأداة للسلطة التنفيذية. ومثال: عندما نصف المحاكمة بأنها عادلة ومنصفة، فهذا لا يعني فقط الإجراءات السليمة، بل يحمل دلالة أعمق، ألا وهي حماية كرامة الإنسان وضمان العدالة الفعلية.
(4) المعنى:
———————-
هو المقصود المباشر أو التعريف العملي، الذي يُفهم من المصطلح. وخصائصه، أنه محدد ودقيق، وقابل للتجسيد في القانون والقضاء. ومثال لذلك، المعنى المباشر للمحاكمة العادلة المنصفة، هو تمكين الخصوم من عرض أقوالهم أمام قاضٍ مستقل ومحايد وفق ضمانات تكفل عدالة النتيجة.
وبذلك، المعايير هي الضوابط العملية (كيف تتحقق المحاكمة العادلة المنصفة؟). والمفهوم، هو الإطار النظري الكلي (أي ما هي المحاكمة العادلة المنصفة كفكرة؟). والدلالة، هي الرمزية والبعد القيمي والفلسفي للمحاكمة العادلة المنصفة. ومثال له، المحاكمة العادلة المنصفة، ماذا تمثل في المجتمع والدستور؟. والمعنى، هو التعريف المباشر والعملي للمحاكمة العادلة المنصفة (ما المقصود نصاً وتطبيقاً؟).
وموجز تفصيلي، نحاول تفكيك مفهوم ومعنى ودلالات المحاكمة العادلة المنصفة وتفكيك معاييرها، نظراً فيهما من زاوية العدالة الدستورية، وأثر المحاكمة العادلة المنصفة على تطبيق الدستور والقانون.
(أولاً) المحاكمة العادلة المنصفة:
———————-
هي مجموعة من الضمانات الدستورية والقانونية والإجرائية التي تكفل لكل فرد، حقه في المثول أمام قضاء مستقل ومحايد، في إطار من المساواة والشفافية، مع تمكينه من الدفاع عن نفسه بصورة فعلية، وأن تُدار الدعوى وفق إجراءات سليمة، تؤدي إلى نتيجة منصفة تحمي الحقوق وتحقق العدالة. وتعريف مختصر، هي الحق في تقاضٍ عادل قائم على المساواة والإنصاف، ويجمع بين سلامة الإجراءات وعدالة النتائج.
1. مفهوم المحاكمة العادلة المنصفة:
———————-
مفهوم العام للمحاكمة العادلة المنصفة، هو أن المحاكمة العادلة هي تلك الإجراءات والضمانات التي تكفل للفرد المثول أمام قضاء مستقل ومحايد، في إطار من المساواة بين الخصوم، مع تمكينه من الدفاع عن نفسه في مواجهة التُهم أو الدعاوى الموجهة إليه. وبينما الإنصاف في المحاكمة العادلة، يضيف بُعداً نوعياً يتجاوز الشكلية الإجرائية إلى تحقيق العدالة الموضوعية؛ أي أن تكون النتيجة النهائية منصفة وعادلة، وليست مجرد عدالة مطابقة للقواعد الشكلية.
أي بمعنى وقول آخر، يقصد بالمحاكمة العادلة المنصفة، أن تتوفر للمتقاضي المتداعي كافة الحقوق والضمانات التي تمكّنه من الدفاع عن نفسه في مواجهة الدولة أو الأفراد، أمام قضاء مستقل ومحايد، بحيث لا تقتصر العدالة على استكمال الإجراءات الشكلية، بل تمتد إلى تحقيق نتيجة منصفة وعادلة.
المحاكمة العادلة في إطار العدالة الدستورية، لها دلالات، ونوجزها في الآتي:
1. الدلالة الحقوقية:
———————-
تمثل المحاكمة العادلة، إحدى ركائز الحقوق الأساسية التي نصت عليها الدساتير والمواثيق الدولية والاقليمية، كالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، المنصوص عليها في المادة 14. فهي ضمانة عملية لحماية بقية الحقوق والحريات، وحماية لجميع الحقوق الدستورية الأخرى، إذ بدون قضاء منصف، تصبح النصوص الدستورية مجرد شعارات.
2. الدلالة المؤسسية:
———————-
تبرز المحاكمة العادلة كاختبار عملي، لمدى استقلال السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية. فالمحكمة الدستورية أو المحكمة العليا، تمثل الحارس الأمين على احترام ضمانات الاستقلالية وتفسيرها، بما يتناسب مع روح الدستور. وبذلك، الدلالة المؤسسية هي المقياس لاستقلال القضاء، والمقياس لحماية المتقاضي المتداعين من تدخل السلطتين التشريعية والتنفيذية.
3. الدلالة القيمية:
———————-
تعكس المحاكمة العادلة، قيم سيادة القانون والكرامة الإنسانية والمساواة. وبذلك، تتحول العدالة من مفهوم تجريدي إلى ممارسة ملموسة داخل المجتمع. وبذلك، المحاكمة العادلة هي التجسيد لمبادئ المساواة والكرامة الإنسانية، وسيادة القانون.
والمحاكمة العادلة، في العدالة الدستورية، لها أبعاد، ونوجزها في الآتي:
(1) البُعد الإجرائي:
———————-
على سبيل المثال، البعد الاجرائي في القضايا الجنائية؛ يشمل ضمانة لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص. وعلانية الجلسات أو تقييدها لدواعية الموضوعية. وحق الدفاع. والمساواة أمام القضاء. وافتراض البراءة. وعدم محاكمة الشخص مرتين على ذات الجريمة. وحظر العقوبات بأثر رجعي. وحق الاستئناف أمام محكمة أعلى.
ويشمل في القضايا المدنية؛ يشمل ضمانات المساواة بين الخصوم المتداعين. والحق في سماع الدعوى خلال مدة معقولة. وحق الدفاع المتبادل. وحياد القاضي. وتنفيذ الأحكام. وحق الاستئناف أمام محكمة أعلى.
ويشمل في القضايا الادارية؛ ضمانات مبدأ المشروعية. والمراجعة القضائية. والحق في بيان الأسباب. وعلانية الإجراءات. والتناسب، والطاعن يكفيه فقط أن يُثير الشكوك والطعون القانونية الجدية، وتتحمل جهة الادارة عبء إثبات صحة وسلامة القرار الاداري، وعليها عبء إبراز الأوراق والمستندات. والقاضي الإداري محقق قضائي يبحث عن الحقيقة، ويمتلك سلطة إلزام جهة الإدارة بالكشف عن مستنداتها. أي تتحقق المحاكمة العادلة المنصفة في مجال القضايا الإدارية؛ عبر تحقيق التوازن الإجرائي. وردع تعسف الإدارة. وتمكين الطاعن المتداعي من حقه الدستوري في التقاضي. والحق في الاستئناف أمام محكمة أعلى.
وفي قضايا الاحوال الشخصية؛ البعد الاجرائي يشمل ضمانات، حق المرأة والرجل في المساواة أمام القضاء. وحماية مصلحة الطفل الفضلى. والعلانية المقيدة لحضور الجلسات. وسرعة البت في القضايا. والحق في الاستئناف أمام محكمة أعلى.
(2) البعد الموضوعي:
———————-
يتصل بضرورة أن تكون النصوص القانونية عادلة وغير تمييزية، وألا يطبقها القاضي بطريقة تعسفية. أي التأكد من أن التشريعات نفسها، لا تنطوي على تمييز أو تعسف، وأن نتائج المحاكمات منصفة وعادلة.
(3) البعد الرقابي:
———————-
يكون من خلال الدور الرقابي للمحكمة الدستورية، بالتتدخل لإبطال أي نص قانوني أو إجراء قضائي، يتعارض مع الحق في المحاكمة العادلة. فسلطة المحكمة الدستورية في إبطال أي نص أو إجراء يتعارض مع الحق في المحاكمة العادلة، يعزز الرقابة القضائية على السلطات الثلاثة في الحكومة (السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية).
والمحاكمة العادلة المنصفة، لها تأثير على تطبيق الدستور والقانون، ونوجزها في الآتي:
(1) على مستوى الدستور:
———————-
تُمكّن المحاكمة العادلة المحكمة الدستورية من فرض رقابة حقيقية على السلطات الثلاثة للحكومة، وضمان أن كل التشريعات والإجراءات تسير وفق المبادئ الدستورية. وتعزز مبدأ الشرعية الدستورية، أي أن الدستور ليس نصاً رمزياً، بل هو مرجع عملي مُلزم على الكافة – أجهزة مؤسسات الدولة والاشخاص – بما يضمن فاعلية النصوص الدستورية، وتحولها من شعارات إلى ضمانات عملية. فهي – أي المحاكمة العادلة المنصفة – تعزز مبدأ الشرعية الدستورية، وتفرض التزام السلطات الثلاث بروح الدستور.
(2) على مستوى القانون:
———————-
تلزم القضاة والنيابات وجهات الاتهام وهيئات إنفاذ القانون، باحترام حقوق المتقاضين المتداعين. وتفرض على المشرع سن قوانين إجرائية وموضوعية، تراعي الضمانات الدستورية. وتسهم في منع التعسف وسوء استعمال السلطة، إذ تُبطل أي إجراءات مخالفة.
وبتفصيل موجز، المحاكمة العادلة المنصفة، تُلزم المشرع بسن قوانين متوافقة مع الضمانات الدستورية. وتمنع الأجهزة التنفيذية، من تجاوز القانون، أو التعسف في تطبيقه. وتوجّه القاضي العادي، نحو التفسير العادل لتشريعات نصوص القانون، بما يحقق الإنصاف لا مجرد الشكليات.
وبوجه عام، يمكن القول، المحاكمة العادلة المنصفة هي العمود الفقري للعدالة الدستورية. وهي ليست مجرد آلية إجرائية، بل هي تجسيد حي لاحترام الدستور، وتجسيد فاعل لروح العدالة الدستورية، وتكريس سيادة القانون. وبدون المحاكمة العادلة المنصفة، يفقد الدستور فاعليته وأثره، وتتحول القوانين إلى أدوات تسلطية – أي يصبح الدستور نصاً معطلاً، والقانون في يد السلطة أداة تسلطية تعسفية. أما بوجود المحاكمة العادلة المنصفة، يصبح الدستور ضمانة حقيقية لحقوق الإنسان، وضمانة فاعلة لحريات الاشخاص الخاضعين لأحكام الدستور وقواعده التبعية المكملة في القوانين العادية واللوائح، ويتحقق التوازن بين السلطة والحرية، وتترسخ شرعية الدولة وسيادة القانون.
ومن حيث التفكيك لمفهوم ومعنى ودلالات معايير المحاكمة العادلة والمنصفة، نوجزها في الآتي:
(أولاً) معنى المحاكمة العادلة المنصفة:
———————-
المحاكمة العادلة المنصفة؛ هي مجموعة من الضمانات القانونية والدستورية التي تكفل للمتقاضي — سواء كان متهماً أو مدعياً أو مدعى عليه في أي من الحقوق — الحق في المثول أمام قضاء مستقل ومحايد، في إطار من المساواة، مع تمكينه من الدفاع عن نفسه بصورة فعلية، وبحيث تفضي الإجراءات والنتائج إلى عدالة حقيقية، لا عدالة شكلية فقط. وكلمة عادلة، تشير إلى مطابقة المحاكمة لمقتضيات العدالة في صورتيها الإجرائية والموضوعية. وكلمة منصفة، تعني أن العدالة لا تتوقف عند الشكل، بل تشمل النتيجة أيضاً، بحيث يكون الحكم منصفاً، ويراعي التوازن بين الأطراف والظروف الخاصة بكل حالة.
(ثانياً) معايير المحاكمة العادلة والمنصفة:
———————-
المعايير، يمكن تقسيمها، إلى أربعة مستويات رئيسية:
(1) المعايير الدستورية، بالنص الصريح في الدستور، على حق كل فرد في محاكمة عادلة.
(2) مبدأ المساواة أمام القضاء دون تمييز، بخضوع جميع السلطات للدستور والرقابة القضائية.
(3) المعايير الإجرائية، بعلانية المحاكمة (مع إمكانية الاستثناء في القضايا الأسرية والأمنية الخاصة).
(4) استقلال القاضي وحياده. وحق الدفاع. وتوكيل محامٍ. وتمكين الأطراف من تقديم الأدلة والرد على أدلة الخصوم. والفصل في القضايا، خلال مدة معقولة (حظر المماطلة). وافتراض البراءة في القضايا الجنائية.
1. المعايير الموضوعية:
———————-
عدالة القوانين نفسها؛ فلا معنى لمحاكمة عادلة، بقوانين غير عادلة أو تمييزية. وتناسب العقوبات أو الآثار القانونية، مع الفعل أو النزاع. وحماية جوهر الحقوق، كحق الحياة والحرية والكرامة حق الملكية والأسرة.
2. المعايير الدولية:
———————-
هي المعايير المنصوص عليها في التشريعات ذات الطابع الدولي والاقليمي، كالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية المنصوص عليها في المادة 14. والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان المنصوص عليها في المادة 6. والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب المنصوص عليها في المادة 7. فهذه المعايير، تشكّل مرجعية دولية، تؤكد على أن المحاكمة العادلة، حق إنساني عالمي، لا يقتصر على الدساتير الوطنية.
3. دلالات معايير المحاكمة العادلة المنصفة:
———————-
(1) الدلالة الحقوقية: أي المحاكمة العادلة، ليست امتيازاً تمنحه الدولة، بل حق دستوري أصيل، ومفتاح لحماية بقية الحقوق.
(2) الدلالة المؤسسية: تمثل اختباراً حقيقياً لمدى؛ استقلال القضاء، وسيادة القانون على السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية.
(3) الدلالة الاجتماعية: تترجم ثقة المواطنين في النظام القضائي، وتُعد مؤشراً على شرعية الدولة.
(4) الدلالة القيمية: تجسد مبادئ الكرامة الإنسانية والإنصاف والمساواة، فتجعل العدالة قيمة مجتمعية متجذرة وليست مجرد إجراءات.
وعلى العموم، يمكن القول. معنى المحاكمة العادلة المنصفة، أنها الضمانة الشاملة لإجراءات عادلة ونتائج منصفة. وأن لها معايير دستورية وإجرائية وموضوعية، ودولية. ولها دلالة حقوقية ومؤسسية، واجتماعية، وقيمية. وبذلك المحاكمة العادلة المنصفة، هي البنية التحتية للعدالة الدستورية، ومن دونها، يصبح الدستور نصاً معطلاً، والقانون أداةً بطش واستبداد في أيدي السلطة، بدل أن يكون حامياً للحقوق. وللحديث بقية.
فريق شرطة (حقوقي)
د. الطيب عبدالجليل حسين محمود
المحامي استشاري القانون والموثق
27 سبتمبر 2025م


