أعمدة الرأي

أُسَيْدِياتُ الثُلاثاء عثمان الشيخ الأُسَيْد يكتب رجالٌ ونساءٌ لم تسمعْ بهم على الأرجح (3)

 

(العز بن عبد السلام)

سألتُ يوسف: هل سمعتَ بهذا الاسم؟ قال صراحة، صليتُ مرةً من المرات في حي من الأحياء في جامع يحمل إسم (العز بن عبد السلام) ولكني ظننتُ أنه اسمٌ لأحد أعيان الحي، تبرع لهم ببناء هذا الجامع، قلتُ له: العزُّ بنُ عبد السلام، صاحب فتوى لم يصدر مثلُها في تأريخ البشرية ولا أعتقد أن يصدرَ مثلُها حتى قيام الساعة، قال يوسف: شوقتني!! من هذا الرجل وما صفته وما سلطته حتى يُصدرَ فتوًى بهذا التحدي الفريد من نوعه؟ قلت: اما من هو؟ فهو عالم وقاض مسلم ملقب بسلطان العلماء، وأما الفتوى التي اصدرها هي (بيع الامراء وقادة الجيوش والمناصب الكبرى في مصر!!) قال يوسف: تقصد بيعة ملوك وامراء مصر؟ قلتُ له: لا، ولكنني أقصد بيعَ مِن باع يبيعُ بيعًا، فهو بائع، باع أمراءَ وقادةَ الجيوش وكِبارَ رجالِ الدولة في مصر، باعهم في مزادٍ علني وهم على رأس الحكم!! قال يوسف: وهل هذه قصة حقيقية، أم أنها من الخيال الأدبي؟ قلتُ: هي حقيقيةٌ لا خيال أدبي ولا ذكاءٌ اصطناعي، حدثت في عهد السلطان أيوب الذي حكم من عام 1240 إلى 1249، وأُعطيك معلومةً إضافيةً عن الدولة الأيوبية: هي دولة إسلامية نشأت في مصر، وامتدت لتشملَ الشامَ والحجازَ واليمن والنوبة وبعضَ أجزاء بلاد المغرب. صلاح الدين يوسف بن أيوب هو مؤسس الدولة الأيوبية، أما صاحبُ قصتنا، العز بن عبدالسلام، فهو من الشام، تم نقله قاضيًا لقضاء مصر ثم فعل في مصر ما فعل. قال يوسف: وماذا فعل؟ قلت: في يومِ عيدٍ من أعيادِ مصر خرج موكبُ السلطان (أيوب) في شوارع القاهرة والشرطة مصطفّون على جوانب الطريق والسيوف مُسلطةٌ والأمراء يقبّلون الأرض بين يدي السلطان هيبةً وأبهةً، بينما الناسُ غارقون في هذا المشهد المهيب والصمت المريبُ، يصرخُ رجلٌ بأعلى صوته مناديا السلطان: (يا أيووووب!!) هكذا باسمـه مجردًا بلا ألقاب، إلتفت الناسُ الي حيث مصدر الصوت، من هذا المجنون الذي ينادي السلطان بجلالة قدرة وجبروته وهيبته بهذه الطريقة!؟ والتفت السلطانُ ليرى من الذي يخاطبه باسمه الصريح!؟ فإذا هو القاضي (العز بن عبدالسلام) وقبل أن يفيقَ السلطانُ من دهشته يفاجئه العزُ بسؤال: ما حُجَّتُك يا سلطان عند الله– عز وجل– غدًا إن قال لك، بوأتك ملكَ مصرَ فأبحتَ فيها الخمور) هنا أبتعد الناس حتى لا تتسخ ملابسُهم بدم المقتول لا محالةَ، ولكن ذلك لم يحدث، إنما سأله السلطان بصوت خافت فيه شيءٌ من الارتباك: هل يحدث هذا في مصر؟ قال العزُّ للسلطان، وبصوت حاد وعالي: نعم، في مكان كذا وكذا حانةٌ يُباعُ فيها الخمرُ وغيرُها من المنكرات، وأنت تتقلّبُ في نعمةِ هذه المملكة؟ قاطعني يوسف، أليس هذا ترويج لأماكن الخمور؟ قلت له اسكت، قال سكت، وسدَّ فمَه بكف يده اليمنى. واصلت وقلت: رد السلطان على العز بصوت مرتجف: يا سيدي أنا ما فعلتُ هذا، إنما هو من عهد أبي. فَهَزَّ العزُّ رأسَه وقال: إذن أنت من الذين يقولون: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ) فقال: لا أعوذ بالله، وأصدر أمرًا بإبطالها فورًا ومنع بيعَ الخمور في مصر. أندهش الناس!! هل هذا هو السلطان أيوب، صاحب العظمة والأُبهة الذي يُدخلُ الخوفَ والذعرَ في نفوسِ الناس- كل الناس- الخاصة منهم والعامة؟ كيف أصبح كالقط أمام العز بن عبدالسلام؟ كان هذا المشهد محيِّرًا ومثيرًا لكل الناس، حتى أن أحدَ تلاميذ العز بن عبد السلام سأله، فيما بعد: من أين استدميتَ هذه الشجاعةَ وهذه الثقةَ يا سيدي، أما خِفْتَه؟ قال: “لا والله يا بنيٍَ، إستحضرتُ عظمةَ الله– عز وجل– وهيبته فرأيتُ السلطانَ أمامي كالقط.

*قصة بيعه للأمراء وقادة الجيوش وكبار رجال الدولة!*

كان العزُّ قاضيًا في الشام، وطلبه السلطانُ لتولي القضاء في مصر، و لما جاءَ مصرَ، إكتشف أنَّ الولايات العامة والإمارة وقادةَ الجيوش والمناصب الكبرى- كلها- للمماليك الذين اشتراهم السلطان نجمُ الدين أيوب من مال بيت المسلمين، ولذلك فإنهم عبيدٌ رقيق، و الرقيق والعبيد لا يجوز لهم تولي هذه المناصب في الدولة، ولايجوز ان تكونَ لهم الولايةُ على الأحرار، فأصدر مباشرة فتواه (بعدم جواز وِلايتهم) لأنهم من العبيد. وكان كلما جاءته في مجلس القضاء معاملةٌ فيها بيع أو شراء أو نكاح أو شيء من مملوك، قام بإبطالها وعدم تنفيذها ويقول هذا عبدٌ مملوكٌ، حتى لو كان أميرًا وكبيرًا أو قائدًا في الجيش، فلابد أن يُبَاع ويحرَّرَ ثم بعد ذلك يحق له البيع والشراء وغيرها من معاملات، أما الآن، فهو عبدٌ مهما كان منصبُه، اميرًا كان أو قائدًا في الجيش فهو مملوك، واشتعلت مصرُ بغضبِ الأمراءِ الذين يتحكمون في كلِّ المناصب الرفيعة، حتى كان نائبُ السلطان- مباشرةً- من المماليك وجاءوا إلى الشيخ العز بن عبد السلام وحاولوا إقناعه بالتخلي عن هذه الفتوى ثم حاولوا تهديده ولكنه رفض كل محاولات الترهيب والترغيب، وأصرَّ على كلمة الحق. فرُفع الأمرُ إلى السلطان أيوب، فاستغرب من كلام الشيخ ورفض هذه الفتوى، فهؤلاء بطانته وحاشيته. ولكن كل ذلك لم يثنِ العزَّ عن فتواه، كما أن الحاكمَ لم يتنازل عن رفضه لهذه الفتوى، وعندما وجد الشيخُ العز بن عبد السلام أن كلامَه لا يُسمع خلع نفسه من منصبه في القضاء، فهو لا يرضى أن يكونَ صورةَ مفتي، وهو يعلم أن اللهَ- عز وجل- سائله. وركب الشيخ العز بن عبد السلام حمارَه ليرحلَ من مصرَ، وخرجت خلفه الأمةُ كلُّها، حتى أن بعض المؤرِّخين ذكر أنه خرج وراءه العلماء والصالحون والعباد والرجال والنساء والأطفال، وخرج كلُ أصحابِ الحرف والمهن الشريفة والوضيعة، الجميع خرجوا وراء العز بن عبد السلام في موكبٍ مهيب رهيب. إنها مليونية وعصيان مدني دون حشد مفتعل ودون تنسيق مسبق، علم الملكُ بهذه المليونية والعصيان المدني، فأسرع بنفسه خلفَ الشيخ العز بن عبد السلام واسترضاه فقال له العزُّ: إن أردت أن يتولى هؤلاء الأمراء مناصبَهم، فلا بد أن يباعوا أولاً، ثم يعتقهم من يشتريهم، ويُدخلُ ثمنُ شرائهِم بيتَ مالِ المسلمين، لأنك- أيها السلطان كنتَ قد اشتريتَهم من بيت مال المسلمين. ووافق الملك الصالح أيوب. وفعلاً فَعَلَها العز بن عبد السلام– رحمه الله– قام وجمع هؤلاء المماليك الامراء وقادة الجيوش، وكبار رجالات الدولة، وأعلن بدايةَ المزاد وبدأ يبيعهم، وكان لا يبيع الواحدَ منهم إلا بعدما يوصله إلى أعلى الأسعار، فكان ينادي على الواحد بالمزاد العلني..

قلتُ ليوسف: هل عرفت من هو العز بن عبد السلام؟ قال: نعم عرفتُه ويُعرفُ الرجالُ بالحقِّ و لا يُعرفُ الحقُّ بالرجال، ثم قال: من المهم جدًا ان نعرفَ مثلَ هذا النوع من الرجال، لأن معرفةَ سيرتهم تُدخلُ من يتعرف عليهم في طاقتهم، ومن ثمَّ يتأثرُ بهم ويكونُ مثلَهم، أو- على الأقل- كما قال الشاعر:

وتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم…. إنَّ التشبهَ بالكرامِ فلاحُ..

قلت ليوسف: التشبه بهم لا بأس به، ولكن: لماذا لا نكون مثلُهم؟ قال كيف؟ قلتُ: تستمد قوتَك من الخالق مباشرةً، فيكون اللهُ هو سمعَك الذي تسمع به، وبصرَك الذي تُبصرُ به، و يدَك التي تبطش بها، ورجلَك التي تمشي بها، قال يوسف: ولكن كيف يحدث ذلك؟ قلت: أن تُكثرَدمن النوافل، في جملة من الحديث القدسي أن اللهَ تعالى يقول: ما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بشَيءٍ أحَبَّ إلَيَّ ممَّا افْتَرَضْتُ عليه، وما يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ، فإذا أحْبَبْتُهُ، كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذي يَسْمَعُ به، وبَصَرَهُ الَّذي يُبْصِرُ به، ويَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بها، ورِجْلَهُ الَّتي يَمْشِي بها، وإنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لأعيذهن انتهى الحديث. قال يوسف: إذًا، التقربُ الى الله تعالى بالنوافل هو مِفتاحُ سرِّ القوة والهيبةِ، وهذا- لاشك- كان هو سر قوة وهيبة العز بن عبدالسلام، وكل من يمتلك هذا المفتاح، يكون العزَّ بنَ عبدالسلام. فماذا ننتظر والمفتاح مباحٌ ومتاح؟

كنَّا مع العزِّ بنِ عبد السلام، وهو أبو محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن حسن السُّلَمي الشافعي (577هـ/1181م – 660هـ/1262م) الملقب بسلطان العلماء وبائعِ الملوك وشيخِ الإسلام، هو عالمٌ وقاضٍ مسلم، برع في الفقه والأصول والتفسير واللغة، وبلغ رتبة الإجتهاد.

وحتى لقاءٍ قادمٍ مع رجال ونساء لم تسمع بهم، فابقوا معنا يوسف وانا،،

والله أعلى وأعلم..

30 سبتمبر 2025م

زر الذهاب إلى الأعلى