أعمدة الرأي

كابتن محمد حسن الطاهر يكتب فى بريد كل الوان الطيف السياسي السودانى بعيدا عن الاستغفال والاستغلال

 

 

*🗣️ الخطاب السياسي جوهر الحكمه بين الثبات والتغير

( القصدية والموضوعية والاستصحاب )

 

فى عالم اليوم الذى تتشابك فيه اللغة بالسلطة، وتتشابك فيه النوايا بالسياقات، يبرز الخطاب السياسي كأحد أكثر أنواع الخطاب تعقيدًا وتحوّلاً. ولعلّ فهم هذا الخطاب لا يكتمل إلا من خلال تحليل ثلاثية فلسفية لغوية أصولية:

– القصدية،

– والموضوعية،

– والاستصحاب.

تؤدى بنا إلى طرح الأسئلة التالية :

– كيف تتفاعل هذه المفاهيم في تشكيل الخطاب السياسي؟

– وهل من الحكمة تغيير الخطاب بتغير السياق؟

 

*🎯 القصدية والاعتباطية بين إرادة المتكلم وحرية اللغة* :

 

في كتاب _اللغة الموحدة_ ، تُعرّف القصدية بأنها

– توجه المتكلم نحو معنى معين، أي أن اللغة ليست مجرد أصوات بل أدوات تحمل نوايا

في المقابل،

– تُعرّف الاعتباطية بأنها انفصال الدال عن المدلول، أي أن العلاقة بين الكلمة ومعناها ليست حتمية بل اصطلاحية.

 

– *القصدية* تفترض أن المتكلم يختار ألفاظه بعناية ليعبر عن موقف أو فكرة.

– *الاعتباطية* تفتح المجال لتعدد التأويلات، لأن اللغة لا تفرض معنى واحدًا.

 

وهنا تظهر العلاقة الجدلية:

 

– فالقصدية تسعى لتثبيت المعنى، بينما

– الاعتباطية تتيح للمتلقي حرية التأويل. في الخطاب السياسي

هذه الثنائية تخلق توترًا بين ما يقصده السياسي وما يُفهم منه، خاصة في سياقات متعددة ومتغيرة.

 

 

*📚 الموضوعية من الذات إلى النص*:

 

في كتاب _التفسير الموضوعي_ للشيخ محمد الغزالي، تُعرّف الموضوعية بأنها تجاوز الذاتية في فهم النص، والاعتماد على السياق العام والمعاني الكلية. الموضوعية لا تعني الحياد المطلق، بل تعني الانطلاق من النص نحو الواقع، دون أن يُختزل النص في رغبات المفسر أو المتكلم.

 

– في الخطاب السياسي، الموضوعية تقتضي أن يُبنى الخطاب على معطيات الواقع، لا على الأهواء أو الانفعالات.

– لكنها لا تلغي القصدية، بل توازنها، بحيث يكون الخطاب موجهًا لكنه غير متحيز.

 

*⚖️ قاعدة الاستصحاب ( استدامة الأصل في غياب التغيير) :

 

في علم أصول الفقه، تُعرّف قاعدة الاستصحاب بأنها “الحكم ببقاء ما كان على ما كان”، أي أن الأصل يُستصحب ما لم يظهر دليل يغيّره. وهي قاعدة عقلية تُستخدم عند غياب النص أو الدليل الجديد.

 

– في سياق الخطاب السياسي، يمكن تطبيق هذه القاعدة على حال السائل أو المتلقي:

 

– فإذا كان السياق العام لم يتغير، فإن الخطاب يجب أن يستصحب حاله السابق.

– أما إذا تغير السياق، فإن من الحكمة تغيير الخطاب، لأن الاستصحاب لا يعني الجمود، بل يعني الثبات حتى يظهر ما يوجب التغيير.

 

*🧠 العلاقة بين القصدية والموضوعية والاعتباطية من خلال الاستصحاب*:

 

إذا اعتبرنا أن السائل في الخطاب السياسي هو الجمهور، فإن قاعدة استصحاب حال السائل تفرض على السياسي أن يراعي حال الجمهور السابق ما لم يتغير. وهنا تتفاعل القصدية والموضوعية والاعتباطية

 

 

*🌀 تغيير الخطاب السياسي بتغير السياق*

 

من الحكمة بل من الضرورة تغيير الخطاب السياسي بتغير السياق، ولكن وفق قاعدة الاستصحاب. فالتغيير لا يكون اعتباطيًا، بل يكون مبنيًا على تغير حال السائل (الجمهور أو الواقع السياسي). فإذا تغيرت الظروف، فإن استصحاب الخطاب القديم يصبح غير منتج، بل قد يكون مضللًا.

 

– الخطاب السياسي الناجح هو الذي يستصحب الأصل حين يكون مناسبًا، ويغيره حين يتطلب السياق ذلك.

 

وهذا التوازن بين الثبات والتغيير هو جوهر الحكمة السياسية.

 

*✨ خاتمة*

 

الخطاب السياسي ليس مجرد كلمات تُقال، بل هو بناء معرفي وسياقي يتطلب فهمًا عميقًا للقصدية، والاعتباطية، والموضوعية، واستصحاب حال المتلقي. فمن خلال هذه المفاهيم، يمكن للسياسي أن يصوغ خطابًا متزنًا، مرنًا، وفعّالًا، لا يُستعبد للسياق ولا يتجاهله، بل يتفاعل معه بحكمة ووعي.

زر الذهاب إلى الأعلى