أعمدة الرأي

فريق شرطة (حقوقي) د. الطيب عبدالجليل حسين يكتب اشكالية تنفيذ الحكم الانتهائي للدعوى الإدارية قيودات النمرك: م ع/ ط إ/ 27/ 2020م لضباط الشرطة المحالين للتقاعد في المعاش العام 2020م (1) 

 

 

يمثل مبدأ وجوب تنفيذ الأحكام القضائية النهائية، حجر الزاوية في ضمان سيادة القانون، إذ لا معنى للعدالة القضائية، إذا كانت أحكامها تُترك دون نفاذ. ومع ذلك، قد تواجه السلطة التنفيذية عقبات مادية أو قانونية تجعل التنفيذ مستحيلاً أو متعذراً، مما يثير ما يُعرف في الفقه الإداري والقضائي، بإستشكال الاستحالة في التنفيذ. وأهمية هذا المفهوم في السودان – أي استحالة تنفيذ الحكم – حين يتعلق الحكم القضائي بقرارات صادرة باسم رأس الدولة في مجلس السيادة، هنا تتقاطع اعتبارات المشروعية الإدارية، مع حدود السيادة الدستورية، وتُختبر قدرة الدولة على احترام القضاء حتى في مواجهة قراراتها العليا.

وواقع عملي في القضاء الاداري في السودان، تثير قضية ضباط الشرطة المنتهية خدمتهم بقرارات ادارية صادرة بالارقام 152، 154، 156، 157، 158، 159 لسنة 2020م، بإنهاء خدمة عدد 377 ضابط شرطة من مختلف الرتب، تثير جدل قانوني واسع مستمر لنحو خمسة سنوات متتالية من تاريخ الفصل القضائي في الطعن الاداري قيودات النمرة: م ع/ ط إ/ 27/ 2020م. وحيث واقعاً عدد 199 من الضباط المشمولين بالقرارات الادارية، نالوا وتحصلوا على أحكام انتهائة باته، وبشأنها إجراءات تنفيذ للحكم القضائي.

وواقعياً كذلك، بقية الـ 377 ضابط شرطة، لاحقاً وبعد مضي ثلاثة إلى أربعة شهور، تقدموا بطلب الانضمام متداعين في الدعوى الادارية المرفوعة من أقرانهم الـ 199 ضابط، بحجة أن العلم الحقيقي اليقيني النافي للجهالة بالقرارات الادارية المطعون فيها، قد تحقق بالنسبة لهم علماً بها أمام قاضي المحكمة العليا المختص. والدفع الموضوعي بعدمية القرارات الادارية بشأنهم، لعدم صدور القرارات الادارية عند إخطارهم الشفوي والكتابي من رئاسة قوات الشرطة في وزارة الداخلية. وأن عدمية القرارات الادارية المعلنة بإفادة الممثل القانوني للمطعون ضده الاول، بعدم وجودها في السجل المركزي لمجلس السيادة، يعني عدم إصدار قرارات إدارية من أصله، لتحقيق العلم اليقين النافي بالجهالة لرفع دعوى الطعن الاداري. وأن افادة ممثل المطعون ضده الأول سبب من الواقع والقانون، ينفي إصدار القرارات الادارية بشأنهم، ليتمكن طالبي الانضمام من رفع الطعن الاداري خلال ستين يوم، بدءاً من تاريخ اخطارهم الشفوي والكتابي من رئاسة قوات الشرطة، والتي بدورها دفعت بعدم علمها بمصدر القرارات الادارية، لعدم التوصية لوزير الداخلية لرئيس مجلس السيادة وفق العرف الاداري المستقر من لجان الترقي ولجان احالة الضابط للتقاعد بالمعاش.

إلا أن تقديرات قاضي المحكمة العليا المختص بنظر الطعن الاداري، شطب طلب الانضمام أو الضم، بسبب فوات مواعيد الطعن الاداري المحدد في قانون القضاء الاداري السوداني برفع الطعن الاداري خلال ستين يوماً من تاريخ العلم بالقرار ونشره في السجلات الادارية المعمول بها في الجهة الادارية. وانتهت مسيرة التقاضي من بقية المتقاعدين المحالين للمعاش بشطب طلب الانضمام، وبعد استيفاء درجات التقاضي في الدائرة الاستئنافية ودائرة المراجعة في المحكمة العليا، شخصي محامي بقية المحالين للمعاش تقدمت بعرض عريضة دعوى طعن دستوري أمام المحكمة الدستورية، لم يُفصل فيها، لعدم تشكيل المحكمة الدستورية وتعطيل عملها.

هذه القضية واحدة من القضايا التي كشفت – وبكل أسف – خللاً مؤسسياً في علاقة أجهزة الدولة بالتزاماتها القانونية، وتاثيراته الخطيرة السلبية على العدالة القضائية وعلى دولة القانون سواء، بواجب خضوع اجهزة الدولة لحكم القانون، واحترام أحكام القضاء. ويفتح باباً مهماً للنقاش حول العلاقة بين القضاء والإدارة، ومدى التزام الجهات الإدارية بتنفيذ الأحكام القضائية، خاصة في القضايا التي تمس الوظيفة العامة والأمن الوظيفي، والذي يؤكد الخلل الاداري وانعدام المسئولية وعدم المحاسبة في اجهزة الدولة وعلى رأسها مجلس السيادة ووزارة الداخلية في السودان. ومدى شمولية القرارات الادارية المعون فيها بالالغاء في حق الضباط الآخرين الذين شطبت المحكمة العليا طلب انضماهم متداعين ضد قرارات رئيس مجلس السياده، على اعتبار القرارات الادارية تشريع قانون يفترض فيه الصحة، وله تاثير شامل على أمثال من ينطبق عليهم. لأن موضوع القرار الإداري المطعون فيه، يُقال إبتداءاً أنه صدر – أو نُسب صدور قرار ما بإنهاء خدمة عدد من ضباط الشرطة 377 ضابط، وأن القرار صادر من رأس الدولة في مجلس السيادة، لاخطار وزارة الداخلية – بخطابات خطية – الضباط موضوع الطعن الاداري، بما يفيد بصدور القرارات الادارية في حقهم. ولاحقاً وبعد مضي ثلاثة اشهر أو أربعة أشهر من نظر المحكمة لدعوى الطعن الاداري، دفع استشاري القانون من وزارة العدل الممثل للمطعون ضده الاول رئيس مجلس السيادة، بإفادة صريحة ومباشرة – لا لبس فيها – بانعدام القرار الاداري المطعون فيه بعدم وجوده في سجلات القرارات التي يصدرها رئيس مجلس السيادة. ليتأكد لقاضي المحكمة العليا المختص عند نظره الطعن الاداري، أن القرار الاداري المطعون فيه غير موجود في السجل المركزي لقرارات رئاسة الدولة في مجلس السيادة. ويدفع من بعده ممثل وزير الداخلية من رئاسة قوات الشرطة (الشئون القانونية)، إنكار وعدم صدور توصية من وزير الداخلية لرئيس مجلس السيادة لإنهاء خدمة الضباط بالتقاعد في المعاش. علماً أن قانون شرطة السودان 2008م تعديل 2017م، وبما في ذلك العرف الاداري الورقي المستقر لسلسلة الإجراءات الإدارية من مدير عام قوات الشرطة لوزيرالداخلية، توجب أن تصدر قرارات انهاء خدمة الضابط بناء على توصية من وزير الداخلية.

وكانت نتيجة الحكم في الطعن الاداري، أن قضت المحكمة العليا – الدائرة الإدارية – بالغاء القرارات الادارية المطعون فيها لصدوره منعدم الوجود. وأمر قاضي المحكمة العليا المختص بإعادة الضباط إلى الخدمة، وتسوية أوضاعهم القانونية والمالية بإعتبار القرارات الادارية كأن لم تكن، واعادة الحال إلى ما كان عليه. ومسنود التسبيب التحييثي للحكم القضائي، أن الممثل القانوني للمطعون ضده الاول رئيس مجلس السيادة، وبعد مضي ثلاثة إلى أربعة أشهر من رفع الدعوى الادارية، وبعد مخاطبات قاضي المحكمة العليا المختص للمطعون ضدهما الاول والثاني احضار القرارات الدارية، الممثل القانوني للمطعون ضده الأول رئيس مجلس السيادة قدّم نسخاً من القرارات الادارية محل الطعن الاداري. الأمر الذي يكشف عقلاً ومنطقياً أن القرارات الادارية، قد تم إعدادها أو توثيقها لاحقاً من بعد رفع الدعوى الادارية، ما عزز الدفع من المطعون ضدهم بانعدام المشروعية الإجرائية، وعدم العلم اليقيني بالقرارات الادارية من حيث الواقع والقانون، وأكد أن القرارات الادارية موضوع الطعن، لم تكن موجودة وقت رفع الطعن الاداري من المطعون ضدهم.

ومن مجريات الدعوى الادارية بعد صدور الحكم النهائي، تقدّم وزير العدل بطلبات لسحب الاستئنافات المقدمة منه ومن وزير الداخلية المودعة امام الدائرة الاستئنافية في المحكمة العليا، وأن يقوم المطعون ضدهما الاول والثاني بتنفيذ الحكم القضائي، وهو ما جعل الحكم نهائياً وباتّاً واجب التنفيذ. وكان أن أصدر قاضي المحكمة العليا المختص قرارات بالتنفيذ للحكم القضائي، وألزمت وزير الداخلية بغرامات مالية عن التأخير في التنفيذ مبلغ 1000 جنيه عن كل يوم تأخير، لتماطله في التنفيذ. وكان أن تعذر تنفيذ الحكم القضائي، بتقديم طلب بدفع استحالة التنفيذ للحكم القضائي، بأن التنفيذ متعذر، لكونه يتطلب إجراءات مالية وتعويضية من وزير المالية، باعتبار أن إعادة الضباط أو تسوية حقوقهم، لا يمكن أن تتم دون مخصصات مالية تعتمدها وتصادق عليها وزارة المالية، تبعاً لاجراءات ديوانية ورقية بيروقراطية من ديوان شئون الخدمة أو من وزارة الداخلية، بايجاد خانات ووظائف شاغرة، ليشغلها الضباط الحاصلين على سند صك الحكم القضائي. ما يعني ذلك، إثارة ما يسُمّي بإستحالة التنفيذ أو استشكال استحالة التنفيذ، وأطرافه وزارتي الداخلية والمالية، رغم أن الحكم صدر نهائياً ضد الدولة ممثلة في رأس الدولة رئيس مجلس السيادة ووزير الداخلية وأجهزتها التنفيذية في وزارة المالية وديوان شئون الخدمة أو وزارة الداخلية من جهة اخرى ثانية.

والحال كذلك، سؤال يطرح نفسه، ما هو الإطار القانوني لمبدأ استحالة التنفيذ لصك الحكم القضائي. إن الاجابة على السؤال، المفهوم القانوني يقرر أن الاستحالة في التنفيذ، تعني وجود مانع حقيقي، يجعل تنفيذ الحكم غير ممكن من الناحية القانونية أو الواقعية. وفي هذا الصدد، الفقه القانوني ميز بين حالات ثلاثة: الحالة (الأولى) هي الاستحالة القانونية، وينشأ حين يتعارض التنفيذ مع نص دستوري أو مع قاعدة آمرة (كصدور الحكم موضوع التنفيذ ضد عمل سيادي بحت، يندرج تحت أعمال السياده). والحالة (الثانية) هي الاستحالة المادية أو الإدارية، وينشأ حين يتعذر التنفيذ مؤقتاً، بسبب عوامل إجرائية أو مالية أو تنظيمية داخل أجهزة الدولة. والحالة (الثالثة) إنعدام المحل أو الشيء موضوع التنفيذ، بهلاكه وفواته، ومثال له، وفاة الشخص المستفيد من صك الحكم القضائي.

وبالتالي، من منظورالأساس التشريعي، وفقاً لمبادئ القضاء الإداري السوداني 2005م تعديل 2017م وقانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م تعديل 2018م، الأحكام القضائية واجبة النفاذ، بمجرد صيرورتها نهائية، ولا يجوز وقف تنفيذها، إلا بموجب استشكال قانوني جدّي ومتحقق فيه، يثبت استحالة التنفيذ، أو أن التنفيذ يمس النظام العام الـ public order . وهو أمر بالغ الاهمية من ناحية التحليل القانوني للمسئولية الشخصية والادارية والإشكال التنفيذي للحكم القضائي البات الانتهائي بحجية الامر المقضي فيه. مما يطرح مسألة تحديد المسئولية الإدارية عن التنفيذ وعدم التنفيذ. والذي هو من حيث الأصل الحكم القضائي الملزم للتنفيذ صدر في مواجهة الدولة، ممثلة في رأسها رئيس مجلس السياده ووزير الداخلية، وهو ما يجعل جميع أجهزة الدولة التنفيذية، مسئولة بالانفراد وتضامنياً عن تنفيذ الحكم القضائي. وأنه لا يجوز لأي وزير – وزير الداخلية أو وزير المالية – أن يتذرع بانعدام الصلاحية أو عدم الإمكان، بعدم قدرة التنفيذ واستحالته، لأن التنفيذ يتم نيابة عن الدولة، ولا يتم عن شخص الوزير.

وبالتالي، إلقاء اللوم من وزير الداخلية على وزير المالية لامتناع وزير المالية الوفاء بالالتزامات المالية الواجبة لتنفيذ صك الحكم القضائي، لا ينهض سبباً قانونياً للاستحالة، بل هو خلاف إداري داخلي تقصيري، لا يعفي من واجب تنفيذ الحكم القضائي حائز الحجية ولأمر المقضي فية للضباط المحالين للمعاش الحائزين على صك الحكم القضائي بإلغاء القرارات الادارية بشأنهم، والأمر القضائي بإعادتهم القضائية للخدمة، لا تلك الاعادة الادارية المنصوص عليها في قانون معاشات ضباط قوات الشرطة 1997م.

وبنا عليه، لما كان في مرحلة اجراءات التقاضي، كان الدفع بانعدام القرار الاداري المطعون فيه، قائماً على عدم وجوده أصلاً في السجل المركزي لقرارات رئيس مجلس السيادة. فإنه وبعد ظهور القرارات الادارية المطعون فيها، يكون قد انتفى مبرر الانعدام شكلاً لتلك القرارات الادارية، وبذلك المسئولية عن تنفيذ إلغاء القرارات الادارية المطعون فيها بقيت قائمة. لأن الحكم القضائي قد فصل في الأمر لا رجعة فيه يقضي بالغاء القرارات الادارية، والأمر بإعادة الضباط للخدمة، وأصبح ذلك الحكم القضائي حائزاً للحجية المطلقة.

وبناء عليه، لا يمكن إثارة استحالة التنفيذ بعد صدور الحكم النهائي، إلا إذا كانت الاستحالة لاحقة على الحكم القضائي وكانت مطلقة في طبيعتها، وهو ما لم يتحقق، لتأسيس الدفع باستحالة تنفيذ الحكم القضائي. أي بمعنى وقول آخر، مشروعية استحالة التنفيذ أو إستشكال استحالة التنفيذ الذي رفعه الممثل القانوني لوزير الداخلية، لا يقوم على سند جدي بوجود مانع قانوني جدي مطلق، بل يقوم على عائق إداري ومالي بحت، ويمكن تجاوزه بتنسيق بين وزارتي الداخلية والمالية.

ولذلك، استشكال استحالة التنفيذ، لايجد سنده من القانون، لأنه يُعبر عن امتناع إداري، لا يُعبر عن استحالة موضوعية. وأن الغرامات المالية الموقعة على وزير الداخلية، مسئولية إنفرادية وتضامنية للوزراء اللاحقين لصدور الحكم القضائي، وبما في ذلك مسئولية شخصية بالنسبة لوزير المالية متى ما تبين مماطلة وزير المالية في التنفيذ. لأن قرار قاضي المحكمة العليا بتوقيع غرامات مالية على وزير الداخلية، له سند قانوني واضح في مبدأ المسئولية الشخصية عن تعطيل تنفيذ الأحكام القضائية. فإذا امتنع الوزير المختص عن التنفيذ دون مبرر قانوني فإنه يتحمل الغرامة المالية بصفته الوظيفية، وتظل مسئوليته – أي الوزير- قائمة حتى يُنفذ الحكم القضائي، أو يبرر الوزير بسند من القانون استحالة التنفيذ بأسباب قهرية معتمدة قضائياً.

وعلى العموم، البُعد الدستوري والفلسفي في استحالة التنفيذ، أساسه مبدأ سيادة حكم القانون. وبمقتضاه، لا يُعفى أي من أجهزة الدولة من تنفيذ حكم قضائي، بحجة التعقيد المالي أو الإداري. لأن ذلك، يقوّض مبدأ الفصل بين السلطات، ويُضعف الثقة في العدالة وفي القضاء. وكما أن التمييز بين القرار السيادي والقرار الإداري التنفيذي، لأن القرارات المطعون فيها والحكوم فيها بالالغاء صدر باسم رأس الدولة رئيس مجلس السياده، فهو قرار إداري صرف تنفيذي، يتعلق بشئون الادارة والخدمة العامة، وليس من قرارات أعمال السيادة، للقول أن القرارات من فئة سلطة الحُكم ذات الطبيعة السياسية. ومن ثم، فإن قرارات رئيس مجلس السياده كسلطة إداره لا سلطة حكم، تخضع للرقابة القضائية، ووجوب التنفيذ، شأنه شأن أي قرار إداري آخر.

وفي ذات السياق، استحالة تنفيذ الحكم القضائي، كمفهوم فلسفي، لا تُفهم الاستحالة بمعناها الميتافيزيقي المُطلق، بل بمعناها الإجرائي الذي يمكن تجاوزه بإرادة الدولة. لأن عقبة استحالة التنفيذ ذات طبيعة إدارية أو مالية، فإن الاستحالة تتحول إلى امتناع إداري مخالف للقانون لفقدانه المشروعية، ويلزم العقاب الجنائي علية بالسجن والطرد من الخدمة للوزير أو المسئول الممتنع أي كانت صفته، وتوقيع الجزاءات المالية عليه. ما يعني ذلك، أن صك الحكم القضائي محل وموضوع التنفيذ، أمر مقطوع فيه الزاماً، بأنه أمر واجب التنفيذ فوراً، باعتباره حكم قضائي نهائي باتً، وصادر من المحكمة العليا – الدائرة الإدارية.

وترتيباً عليه، الدفع باستشكال استحالة التنفيذ، لا يوقف تنفيذ الحكم القضائي، إلا إذا ثبتت الاستحالة المطلقة، وهو ما لم يثبت من حيث الواقع والقانون. وأن الوزير الممتنع عن تنفيذ الحكم القضائي، يتحمل المسئولية القانونية والمالية والعقابية جنائياً، ولذلك، وفقاً لأحكام قانون القضاء الاداري السوداني 2005م تعديل 2017م، تم معاقبة وزير الداخلية بالغرامة المالية 1000 جنيه عن كل يوم تأخير. وأن الدولة مسئولة عن تنفيذ الحكم القضائي ككيان قانوني بنيوي واحد، وليس كل وزارة بمعزل عن الأخرى. ما يعني، أنه يمكن لوزير الداخلية ووزير العدل أن يطلبا من وزير المالية، اعتماد المخصصات المالية المطلوبة لتنفيذ الاعادة القضائية للضباط حائزي الحكم القضائي، فلا لا يجوز استخدام الدفع بالاستحالة ذريعة لتعطيل أو رفض التنفيذ. لان الدفع باستحالة التنفيذ هنا لا يجد سنده من القانون، لأنه قائم على نزاع إداري داخلي، لا يمس جوهر المشروعية. ولأن التنفيذ ممكناً عملياً، إما بإعادة الضباط إلى الخدمة برتبهم التي كانوا عليها عند انهاء خدمتهم، ومن ثم، معالجة مراكز وضعهم القانوني بالوسائل الادارية العرفية المتبعة لمعالجة أقدميات الضباط وسط أقرانهم وأمثالهم. أو تعويضهم التعويض المالي المجزي، مماثلة بأقرانهم الضباط المستمرين في الخدمة. وهو ما يجعل الامتناع في كلا الحالتين: إخلالاً بواجب الدولة في احترام القانون واحترام القضاء. وأن الغرامات المالية المفروضة على وزير الداخلية والوزراء المتعاقبين على وزارة الداخلية، تمثل تجسيداً لقاعدة شخصية المسئولية عن تعطيل العدالة. وتمتد مسئولية الغرامة المالية الشخصية بتوقيعها على وزير المالية متى تيقن مماطلته في التنفيذ، ويكون التيقن والتأكد بطلب فرعي احتياطي في دعوى التنفيذ، بمطالبة ضم وزير المالية في دعوى التنفيذ أمام قاضي المحكمة العليا، يقدمة الضباط المتضررين من عدم التتفيذ.

وختاماً، هذه السابقة في تاريخ القضاء والعدالة في السودان، تؤكد أن هيبة القضاء لا تكتمل إلا بالنفاذ الكامل لأحكامه، وأن إدعاء استحالة التنفيذ، ليست مبرراً لتعطيل الاحكام القضائية، بل التزاماً مضاعفاً وعبء إضافي على القضاء، بالبحث عن وسائل بديله لتنفيذ الحكم. فالاستحالة التي يدّعيها المحكوم عليه (الحكومة)، لم تكن إلا اختباراً حقيقياً لمدى التزام الدولة بمبدأ سيادة القانون. فحين يعجز جهاز الدولة عن تنفيذ حكم قضائي نهائي، فإن الخلل لا يكون في الحكم القضائي، بل انما يكون في إرادة التنفيذ من الدولة ذاتها. ولذلك، الطريق إلى دولة القانون، لا يمر عبر إصدار الأحكام القضائية فحسب، بل عبر تنفيذها بصدق ومسئولية. لأن العدالة غير المنفذة، هي عدالة مؤجلة، والعدالة المؤجلة، بلا شك هي عدالة منقوصة، وخاتمته أنها ظلم وجور. وللحديث بقية لبيان موقف الطاعنين الآخرين من الـ 377 ضابط المحالين للتقاعد بالمعاش فصلا جماعياً، نظراً في أن القرارات الادارية الملغية، اعمال تنفيذية من الحكومة، مست حق من الحقوق الطبيعية من فئة الدرجة الأولى في حق الكسب الشريف والعيش الكريم.

 

فريق شرطة (حقوقي)

د. الطيب عبدالجليل حسين محمود

المحامي استشاري القانون والموثق

17 اكتوبر 2025م

زر الذهاب إلى الأعلى