فريق شرطة (حقوقي) دكتور/ الطيب عبدالجليل حسين يكتب اشكالية تنفيذ الحكم الانتهائي للدعوى الإدارية قيودات النمرة: م ع/ ط إ/ 27/ 2020م لضباط الشرطة المحالين للتقاعد في المعاش بقرارات إدارية العام 2020م (3)

تمثل إشكالية عدم تنفيذ الحكم النهائي الصادر لصالح ضباط الشرطة المحالين للتقاعد في العام 2020م، مدخلًا لكشف مجموعة من القضايا المسكوت عنها المرتبطة بتشريعات قوانين اجهزة القوات النظامية – الجيش، الشرطة، وجهاز المخابرات العامة – مقارنة مع نظيراتها في دول الإقليم والجماعة الدولية. وتعود إشكالات المسكوت عنه إلى طبيعة التكوين التنظيمي والنفسي، لهذه المؤسسات من حيث الآتي:
(أولاً) تنظيميًا مؤسسياً: تسود عقيدة الضبط والربط التي تُكرّس الامتثال المطلق للتعليمات والأوامر، سواء كانت تشريعية أو تنفيذية أو قضائية، مما يؤدي في كثير من الحالات إلى إهدار الحقوق على مستوى التشريع والقضاء والتنفيذ، نتيجة لغياب الرؤية الحقوقية الحمائية الصديقة التنظيمية لإدارة أجهزة القوات النظامية، بما يضمن جودة وسلامة المورد البشري في التعيين والترقي وانهاء الخدمة والمعاش، بايجاد تشريعات قوانين يتوافر فيها الحد الأدني لمعايير العدل والانصاف.
(ثانياً) نفسيًا واجتماعيًا: المجتمع المدني غير العسكري اللاعسكرتاريا – غالبًا دون وعي – تتسم نظراته بالسلبية تجاه منسوبي القوات النظامية، باعتبارهم أدوات عنف مادي ومعنوي سلطوي، مما يضعف ويقلل من رصيد التعاطف المجتمعي مع قيادات القوات النظامية، ويُقلل ويفقد من قدرة تأثيرها على المكون المدني – المكون المجتمعي اللاعسكرتاريا- الذي يمتلك أدوات القوة الناعمة والمعنوية.
ومؤداه، يُفضي الواقع الراهن إلى إحداث خلل بنيوي في العلاقة بين المؤسسات النظامية والمجتمع المدني، ويُبرز الحاجة إلى ضرورة مراجعات تشريعية عميقة لقوانين القوات النظامية، وإيجاد آليات تربوية فاعلة لرفع ثقافة حماية الحقوق واحترام القانون، بما يؤدي إلى تعزيز حماية الحقوق داخل منظومة القوات النظامية، وتعزيز وتطوير آليات وأدوات مقتضيات الحاجة للانضباط العسكري المؤسسي، وتأكيد مقتضيات ضمانات العدالة والحقوق تشريعاً وقضاءاً وتنفيذاً.
وفي ذات السياق، ومن واقع العديد من قضايا الوظيفة العامة في الخدمة المدنية وقضايا التعليم العالي والشركات العامة امام القضاء الاداري والقضاء الدستوري، يلاحظ ضعف التشريعات الحمائية لشاغلي الوظيفة العامة ولطالبي العلم والمعرفة الاكاديمي والمهني، وعدم عدالة العديد من الاحكام القضائية في دعاوى الطعون الادارية والطعون الدستورية المتصلة بتلك القضايا. مما يتطلب الامر من القضاء الاداري والقضاء الدستوري ضرورة النظر إلى الوظيفة العامة في القوات النظامية والخدمة المدنية وحق التعليم، تكييفاً لها، أنها من الحقوق الطبيعية ومتداخلة مع الحقوق الشخصية والحقوق العامة والاجتماعية. وأنها دعاوى لا تسقط بالتقادم الزمني أو سقوط الدعوى لفوات مواعيد رفع الطعن الاداري، وهو ما قررته المحكمة الدستورية في الطعن الدستوري بالنمرة:م د/ ق د/ 81/ 2015م بتاريخ 13/ 07/ 2015م، فيما بين الرائد شرطة/ كمال جعفر ميرغني المدني / ضد/ وزير الداخلية وحكومة السودان – شخصي محامي الطاعن – لقبول المحكمة الدستورية دعوى طعن دستوري مضى عليها سنتين من تاريخ انهاء خدمة الطاعن دستورياً بالقرار الوزاري رقم 88 / 2013م بتاريخ 04/ 08/ 2013م، لاعتبارالطعن الدستوري من طبيعة الدعاوى التي لا تسقط بالتقادم الزمني أو فوات مواعيد رفع دعوى الطعن الدستوري، لأن الدعوى من الطاعن دستورياً متصلة بالحقوق الطبيعية للطاعن في حق العمل وتقلد الوظيفة العامة. وعدم استيفاء الطاعن الحق في المحاكمة العادلة المنصفة، لمحاكمته أمام محكمة شرطة في تهمة جنائية من القانون الجنائي، وآمرة المحكمة الدستورية بالغاء القرار الوزاري، والأمر باعادة الطاعن للخدمة.
وبالتالي، قضايا الوظيفة العامة وقضايا التعليم، لا تسقط بالتقادم الزمني، وموضوعاً يحكمها معيار مشروعية العدالة الاجرائية والعدالة الموضوعية في القرارات المتصلة بها، ويحكمها مشروعية عدالة عبء الاثبات على جهة الادارة، وأنها حقوق تسمو وتسود على أي تنظيم شكلي إجرائي منصوص عليه في القانون على ذلك النحو الوارد في قانون القضاء الاداري 2005م تعديل 2017م وقانون المحكمة الدستورية 2005م، بقصر مدة رفع الدعوى بمدد زمنية ستون يوماً في الدعوى الادارية وستة شهور في الدعوى الدستورية، لأن طبيعة قضايا العمل وشغل الوظيفة العامة والتعليم، أنها حق طبيعي من الدرجة الأولى، ومرتبطة ومتداخلة مع الحقوق الشخصية والحقوق العامة الاجتماعية، لا تسقط بالتقادم، ولا تتأثر بالإجراءات الشكلية، مما يترتب عليه، تضييع الحقوق المرتبطة بالوظيفة العامة وحق التعليم. وبالتالي، يجب أن لا ينظر القضاء المختص إلى الاجراء الشكلي التنظيمي لرفع الدعوى المنصوص عليه في القانون نظرة آلية ريبوتية Mechanical judicial reasoning أو بمعنى آخر Robotic adjudication – وللتوضيح مصطلح النظرة الآلية الريبوتية – من عندي – أستخدمته هنا للتعبير عن نمط قضائي يتسم بالجمود، حيث يُطبق النص القانوني بشكل حرفي، دون مراعاة للسياق الواقعي أو للعدالة الموضوعية أو للسلطة التقديرية التي يفترض أن يتمتع بها القاضي. ومن جانب آخر، مصطلح النظرة الآلية الريبوتية، تعبير استخدمته – هنا في المقالة – لبيان مظاهر ضعف القدرات القضائية في الفهم والتفاعل مع التعقيد القانوني والاجتماعي للعديد من القضايا. دونما تحقق قضائي استيثاقي جدي وكافي من سبب تأخير رفع الدعوى وميقاتها، وتتبع توقيتات ميقات رفع الدعوى، والمتسبب فيها من الواقع والقانون، وأن لا يتعامل القضاء المختص مع قضايا الطعون الادارية والطعون الدستورية بمنهجيات توازن عبء الاثبات والترجيح للأدلة والبينات على نحو الدعاوى المدنية الطابع. وأن يضع القضاء الاداري والدستوري في الاعتبار أن دعوى الطعون الادارية ودعوى الطعون الدستورية من دعاوى الحقوق الطبيعية المتصلة بحق الحياة وحق العمل وحق شغل الوظيفة العامة وحق التعليم، فهي لطبيعتها الحقوقية تتطلب ضمانات العدالة الاجرائية والموضوعية بالتحقيق القضائي الواعي في الوقائع والاثبات. ولأن في الاسلام والشريعة الاسلامية دعاوي الحقوق الطبيعية المتصلة بحق الحياة وحق العمل وحق شغل الوظيفة العامة وحق التعليم وحقوق أخريات في الهيكل البنائي للدساتير المتعاقبة على السودان، هذه الحقوق في الاسلام مرتبطة ارتباط وثيقي بالكرامة الانسانية لحماية النفس والمال والعقل والعرض والأرض.
وواقع عملي لاصطلاح النظرة الآلية الريبوتية المستخدم في المقالة Mechanical judicial reasoning أو Robotic adjudication شطب المحكمة الادارية في محاكم الموضوع والاستئناف والمراجعة طلب الانضمام الهجومي في الدعوى الادارية قيودات النمرة: م ع/ ط إ/ 27/ 2020م لإنهاء خدمة 377 ضباط شرطة – انهاء جماعي من الخدمة – للتقاعد في المعاش بالقرارات الإدارية العام 2020م – موضوع هذه المقالة على نحو ما تقدم في المقالتين 1، 2 – والإصلاح المستخدم في المقال، لموقف القضاء في العديد من القضايا الادارية والدستورية، وعلى سبيل المثال: الدعوى الإدارية قيودات النمرة:ط إ/11 /2022م والنمرة:م ع/ط إس/80 / 2022م المحكمة العليا دائرة الولايات الوسطى والقضارف بتاريخ 05 /12/ 2022م، الطاعن إستاذ جامعي الدكتور/ عبدالكريم عبدالله ابراهيم عبدالله(عميد كلية القانون في جامعة سنار)/ ضد/ مدير جامعة سنار وآخرين، لإصدار ها احكام بشطب الدعوى الإدارية، بحجة عدم اختصاص المحكمة الادارية بنظر الدعوى، وأن الجهة المختصة هي ديوان العدالة الإتحادي للعاملين بالخدمة العامة، وصدور قرار منفرد من قاضي المحكمة العليا المفوض من رئيس القضاء المختص بالدائرة الادارية في المحكمة العليا، برفض طلب المراجعة، دونما اعتبار للتطور الدستوري والقانون فيما يتعلق بقانون التعليم العالي وديوان العدالة الاتحادي وقانون الخدمة المدنية 2018م. وايضاً الدعوى الإدارية الملازم أول شرطة/ معتز أزهري كباشي السيد / ضد/ رئيس الجمهمورية ووزير الداخلية بالنمرة:ط إ/ 34/ 2019م واستئناف بالنمرة:م ع/ط إس/ 229 /2021م المحكمة العليا الخرطوم بتاريخ 02 / 12/2021م، لشطب الاستئناف بآراء مخالفة للرأي الأول القاضي بحيثييات الرأي الاول قبول الاستئناف شكلاً للدفع الشكلي من محامي الطاعن لقبول الاستئناف لأسباب الإضطرابات الأمنية واعتصام القصر الجمهوري ومنع الأجهزة الأمنية الوصول لمقر المحكمة العليا، وأن الفارق الزمني قصير جداً يومين فقط رغم الحوجز الامنية المانعة المضروبة حول مباني المحكمة العليا ومجلس الوزراء، ليصدر الحكم النهائي بشطب الاستئناف بمخالفة الرأي الثاني للرأي الأول وتأييد الرأي الثالث للرأي الثاني، ومن ثمّ، صدور حكم بالاجماع في دائرة المراجعة الخماسية بشطب الاستئناف شكلاً. وايضاً الطعن الاداري بالنمرة: ط إ/ 98/ 2022م د. شرف الدين الخضر سويلم (نائب أخصائي عظام) / ضد/ رئيس مجلس التخصصات الطبية السوداني، لقبول الطاعن متدرباً بقرار من مجلس التخصصات الطبية السوداني متدرباً ضمن الدفعة 41 للحصول على شهادة الدكتوراة السريرية المهنية في تخصص جراحة العظام، لحصول الطاعن على درجة الزمالة المهنية الاجزاء الثلاثة MRCS – Membership of the Royal Colleges of Surgeons, Parts I, II, and III (Professional Fellowship Qualification) من مجلس التخصصات الطبية البريطاني تخصص جراحة العظام في كلية الجراحين أدنبره المملكة المتحدة (بريطانيا) بتاريخ 14/ 05/ 2018م، واكمال الطاعن فترة التأهيل في خواتيمها لنحو سنتين لنيل شهادة الدكتوراة السريرية جراحة عظام، ليفاجأ الطاعن بصدور قرار لاحق بإيقافه عن التدريب، وامتناع مجلس التخصصات الطبية عن اصدار قرار بأسباب الايقاف، ورفض رفع قرار الايقاف، حتى تخرجت دفعة الطاعن المماثلين له من نواب جراحة العظام. وبما في ذلك، قضايا إدارية ضد قرارات النقل من وزارة أو من هيئة عامة بنقل موظف لشركة مملوكة للوزارة أو الهيئة العامة، وعلى سبيل المثال حالة السيدة/ اعتدال محي الدين ابراهيم عبدالله / ضد/ مدير بنك السودان (البنك المركزي)، لتعيينها ابتدءاً سكرتيره في بنك السودان ضمن خمسة آنسات سيدات في وظيفة سكرتيره، ونقلها مباشرة بعد التعيين في البنك المركزي لشركة مملوكة للبنك بنسبة اسهم 99%، حيث النقل بعد التعيين مباشرة موضوعاً مخالف لقانون البنك المركزي ولائحتة في شروط خدمة موظفي البنك في النقل والانتداب، ومخالفة البنك المركزي والشركة للائحة التأسيسية للشركة المملوكة للبنك المركزي، لانتدابها بالنقل موظفة حديثة التعيين، لا يتوفر فيها شروط الانتداب أو النقل خارج البنك. ومن ثم، رفض البنك المركزي اصدار قرار في طلبات تقدمت بها الموظفة السكرتيرة لاعادتها للبنك في وظيفة سكرتيره، لاسناد الشركة مهام لها لا تتعلق بمؤهلاتها العلمية لنحو عقدين من السنوات. وكذلك، حالة موظفات أخريات السيده/ مريم عثمان البشير والسيدة/ وجدان بشير سليمان، لنقلهن من وزارة الطاقة والنفط لشركة مملوكة للوزارة بالمخالفة لقانون الوزراة ولائحة شروط الخدمة في النقل والانتداب، ومخالفة الوزارة والشركة للائحة التأسيسية للشركة المملوكة للوزارة. وجم عدد من القضايا في الدستوري والاداري والجنائي والمدني، سميتها بالأحكام الفاسدة والمنعدمة. وللمزيد في ذلك راجع: فريق شرطة (حقوقي) دكتور/ الطيب عبدالجليل حسين، كتاب: التشريع وصناعة القانون – المفهوم والمنهجيات والنظريات والتطبيق (دراسة مفتاحية عن السياسة والقانون)، الطبعة الأولى، الناشر: المؤسسة العربية المتحدة للنشر والتوزيع، الجيزة القاهرة/ مصر، 2025م.
وفي السياق، تنزيلاً لمفاهيم دعاوى الحقوق الطبيعية المتصلة والمتداخلة مع الحقوق الشخصية والحقوق العامة والاجتماعية، ومحاولة ربطها بالدعوى الادارية م ع/ ط إ/ 27/ 2020م، لانهاء خدمة عدد 377 ضابط شرطة بقرارات ادارية أصدرها رأس الدولة في مجلس السيادة – وليست 1200 ضابط شرطة كما يتداوله وسائط الاعلام – ومن ثم، شطب المحكمة الادارية بأحكام انتهائية لطلب الانضمام الهجومي من عدد 178 ضابط شرطة في الدعوى الادارية الأصلية المقامة من الـ 199 ضابط شرطة، وجميعهم – لوحدة الموضوع والأطراف والسبب والقانون – مشمولين بالقرارات الإدارية المطعون فيها . ومن ثم، اشكالية تنفيذ الحكم الانتهائي بدفع موضوعي بسند استحالة التنفيذ المُدعى به من المحكوم عليهم (وزارة الداخلية) ، لاعتبار تنفيذ الحكم لصالح 199 ضابط شرط لا يشمل الآخرين امثالهم وعددهم 178 ضابط. وانزال واقعة انهاء خدمة ضباط الشرطة على نماذج الاحكام القضائية في عدد من القضايا، لشطب طلب الانضمام في الدعوى الأصلية.
فإنه، وبناء عليه، بالنظر الموضوعي في دعوى ضباط الشرطة للعام 2020م بالجملة، من حيث اجراءات رفعها شكلاً، واجراءات طلب الانضمام الهجومي، وشطب طلب الانضمام، وإصدار حكم قضائي بالغاء القرارات الإدارية الصادرة في حق 377 ضابط، وعدم تنفيذ الحكم القضائي. بلا شك، القضية برمتها جملة، تثير جدلية أخرى ستظل عالقة تجاه جهة الادارة المحكوم ضدها (وزارة الداخلية)، لاعتبار الآخرين وعددهم 178 ضابط شرطة لم يشملهم الحكم القضائي بالغاء القرارات الادارية، وبما في ذلك الأمر القضائي بإعادة المتداعين الطاعنين للخدمة – إعادة قضائية وليست إعادة إدارية كتلك المنصوص عليها في قانون معاشات ضباط قوات الشرطة 1995م – ما يلزم من جهة الادارة المحكوم ضدها (وزارة الداخلية) معالجة وضعية الـ 178 اسوة باقرانهم الـ 199 المحكوم لهم، وذلك للاعتبارات الآتية:
(اولاً) اعتبارات العدالة الادارية في القانون:
———————-
ومقصودها، العدالة الإدارية من جهة الإدارة، ليست مسألة تقديرية، بل واجب قانوني وأخلاقي ودستوري.
فالإدارة التي تواجه مراكز قانونية متماثلة لمنسوبيها في حكم قضائي انتهائي بات، أحد الاطراف منهم حاز على حكمًا قضائيًا نهائيًا. فإن العدالة تقتضي بأنه يجب أن تمتد المعالجة العادلة إلى الغير الآخرين من ذوي المراكز المتماثلة، اتساقًا مع مبدأ المشروعية والمساواة وسيادة القانون.
فجوهر العدالة الإدارية هو تحقيق المساواة في النتائج، لا في الإجراءات فقط، لأن العدالة الحقيقية لا تُقاس بعدد الطعون الادارية ضد القرارات الادارية لجهة الإدارة، بل بمدى احترام جهة الإدارة لمبدأ الإنصاف العام. لان العدالة الإدارية من جهة الإدارة، تُعدّ أحد المفاهيم الجوهرية في فقه القانون العام الحديث، وهي تعبير عن التزام الإدارة بتحقيق العدالة في مضمون قراراتها وسلوكها التنفيذي، لا فقط في إطار ما يُمليه عليها القضاء من احكام قضائية. لإعتبار القانون الإداري المعاصر، لم يعد ينظر إلى الإدارة بوصفها طرفًا خصمًا في الدعوى فحسب، بل باعتبارها فاعلًا عدليًا مؤسسيًا يشارك القضاء في إنفاذ مبادئ الشرعية والمساواة وسيادة القانون.
وتوضيح موجز أشمل للمبدأ، نوجزه من خلال الآتي.
1. المفهوم العام للعدالة الإدارية المؤسسية:
———————-
العدالة الإدارية من جهة الإدارة، تعني التزامها بتطبيق مبادئ القانون والإنصاف على نحو موضوعي ومجرد، حتى في غياب إلزام قضائي مباشر، وخاصة في الحالات التي تتشابه فيها المراكز القانونية للأفراد أو الموظفين. فهي بذلك، تمثل الوجه الإداري لمبدأ العدالة القضائية، وتقوم على أساس أن الإدارة ليست حرة في التمييز بين المراكز القانونية المتشابهة، لأن العدالة لا تتحقق فقط بوجود حكم قضائي، بل كذلك عبر سلوك الإدارة المنصف والعادل في معاملة من هُم في أوضاع قانونية متماثلة.
فهي – أي العدالة الإدارية، أو عبارة Administrative Justice – تعني العدالة التي تُمارَس في إطار النشاط الإداري للدولة أو في مواجهة تصرفات الإدارة، وتشمل الرقابة على مشروعية القرارات الإدارية، ورقابة ضمان حقوق الأفراد في مواجهة السلطة العامة.
2. الإطار الفلسفي للمفهوم:
———————-
ينبني مبدأ العدالة الادارية على فلسفة عميقة، مفادها أنّ العدالة – مطلق العدالة – قيمة تتجاوز الشكل الإجرائي. فإذا كان القضاء هو الضامن الأخير للشرعية، فإنّ الإدارة هي المنفذ الأول لها في الواقع العملي. ومن ثم، مسئوليتها لا تقتصر على تنفيذ الأحكام، بل تمتد إلى تصحيح أوضاع غيرها من الحالات المتشابهة التي لم تنل حظها في التقاضي لأسباب شكلية أو ظرفية، لطالما أن الخطأ أو عدم المشروعية الذي ألغاه الحكم القضائي قائم بذاته في تلك الحالات تجاه آخرين. لاعتبار الإدارة العادلة هي التي تطبق القانون بنفسها، كما لو كانت قاضيًا، وتصلح خطأها قبل أن يُطلب منها ذلك قضائيًا.
3. العدالة الإدارية في ضوء مبدأ المساواة أمام القانون:
———————-
يقوم جوهر العدالة الإدارية المؤسسية على مبدأ المساواة أمام القانون والإدارة، فإذا صدر حكم قضائي نهائي لصالح مجموعة من الموظفين بإلغاء قرار إداري غير مشروع، فإنّ المبدأ يفرض على الإدارة من تلقاء نفسها، أن تُعمّم آثار الحكم على الحالات المتماثلة التي لم تطعن في القرار الاداري لسبب أو لآخر، لأن العدل لا يتجزأ، والمشروعية لا تُقسم بين من طعن ومن لم يطعن. وتطبيق عملي مقارن، قضى مجلس الدولة الفرنسي في حكم له صادر في 30 يونيو 1950م في قضية Quéralt بأنّ الإدارة ملزمة باحترام مبدأ المساواة في التطبيق العملي للقانون على المراكز القانونية المتشابهة، ولو لم يصدر حكم قضائي بشأن كل حالة على حدة. وبالمثل، أكدت المحكمة الإدارية العليا المصرية في الطعن رقم 1289 لسنة 44 ق، جلسة 1999م، أن العدالة الإدارية تستلزم ألا تُفرّق الجهة الإدارية في المعاملة بين من تماثلت مراكزهم القانونية، وأن تمتد آثار الحكم القضائي البات إلى أمثالهم، اتساقًا مع مبدأ المشروعية والمساواة.
4. التطبيق في الفقه والقضاء السوداني:
———————-
برزت فكرة العدالة الإدارية المؤسسية في عدد من السوابق القضائية من المحكمة العليا، وإن لم يُصَغ/ يصاغ المبدأ بالتسمية الصريحة العدالة الادارية، ولكن يستشف المقصود والمعنى والدلالة المفهوم من صياغة الحكم. فعلى سبيل المثال، في الطعن الإداري م ع/ط إ/12 /2016م، قضت المحكمة العليا بأنّ الإدارة ملزمة بتصحيح وضع إداري خاطئ، إذا ثبت لها الخطأ بموجب حكم نهائي صادر في حالة مماثلة، لأن العدل الإداري يقتضي عدم التمييز بين ذوي الأوضاع المتشابهة. وكما أشار حكم المحكمة القومية العليا م ع/ط إ/ 49 /2018م إلى أنّ سلطة جهة الإدارة في تنظيم أوضاع الخدمة العامة، يجب أن تُمارس في إطار من المساواة والعدالة، وأن الامتناع عن تعميم أثر حكم قضائي على حالات مماثلة، يُعدّ إخلالًا بمبدأ العدالة الإدارية.
ولعل أحكام المحكمة العليا يجد أساسه في الوثيقة الدستورية لسنة 2019م وما قبلها من الدساتير السابقة، لتأكيدها ضمن أحكام متفرقة في الهيكل البنائي للدستور، أن الحقوق الأساسية والعدالة والمساواة، تُلزم أجهزة الدولة كافة بما في ذلك جهة الإدارة التنفيذية.
5. أثر العدالة الإدارية على المراكز القانونية المتشابهة:
———————-
تطبيق المبدأ في الواقع، يعني أن جهة الإدارة، متى صدر حكم قضائي لصالح فئة من الموظفين بإلغاء قرار إداري غير مشروع، تلتزم مؤسسيًا بتعميم الحكم أو على الأقل، مراجعة قراراتها تجاه الآخرين المماثلين، دون انتظار طعون فردية جديدة. فإصرار الادارة على التمييز بين المتماثلين، لمجرد اختلاف إجراءات التقاضي، يُعدّ إخلالًا بمبدأ المساواة وبجوهر العدالة الإدارية. وهذا ما يُعرف في الفقه الإداري باسم العدالة الذاتية للإدارة Justice administrative interne، أو Internal Administrative Justice وهي تُستخدم للدلالة على التزام الجهة الإدارية بتصحيح قراراتها الخاطئة ذاتيًا، دون الحاجة لتدخل قضائي، تحقيقًا للعدالة والمشروعية من داخل الجهاز الإداري المؤسسي نفسه. أي أن الإدارة تمتلك آلية ذاتية لتصحيح الخطأ دون إلزام قضائي.
وعموماً، يردّ مبدأ العدالة الادارية في سياقات مبدأ العدالة الإدارية الذاتية المنفذة ذاتيًا، ومبدأ التصحيح الذاتي للإدارة لقراراتها، ومبدأ الآلية الداخلية للإنصاف الإداري من جهة الادارة.
6. الفلسفة القانونية والسياسية لمبدأ العدالة الادارية:
———————-
ينبع المبدأ من رؤية فلسفية للدولة الحديثة، بوصفها دولة قانون وعدالة، لا دولة خصومة وقهر إداري.
فالإدارة حين ترفض تعميم أثر حكم قضائي على حالات مماثلة لم تنال صك قضائي مع امثالهم، فإنها لا تخالف القضاء فحسب، بل تُخلّ بواجبها الأخلاقي والدستوري في حماية الثقة العامة من جمهور الناس. لاعتبار أن العدالة الإدارية المؤسسية، تضمن أن تكون العلاقة بين المواطن والدولة قائمة على الإنصاف والاحترام المتبادل، لا على المماطلة الشكلية أو التذرع بسلطة التقدير الإداري.
(ثانياً) إعتبارات العدالة الادارية في الاسلام Administrative Justice in Islam:
———————-
العدالة الإدارية في الإسلام، هي منظومة القواعد والمبادئ المستمدة من الاسلام والشريعة الإسلامية التي تنظّم علاقة الإدارة بالمواطنين، وتقوم على قيم العدل، والمساواة، والإنصاف، والمسئولية الشرعية في إدارة الشأن العام. والعدالة الإدارية في الإسلام، لا تعرف مفهوم الأثر النسبي للحكم بالمعنى الضيق، بل تتعامل مع الحكم باعتبارة كاشف عن موطن الحق والعدل، لا منشئ للحق، وتُلزم الإدارة بأن تجعل منه قاعدة عامة لتصحيح جميع الحالات المماثلة، لأن العدل في الاسلام والشريعة الاسلامية واجب عام لا يُجزّأ ولا يُخصّ بالمدعين دون غيرهم. فإذا شُطب طلب أمام محكمه لأسباب إجرائية، فإن العدالة الإدارية تفرض على الإدارة أن تمنح الآخرين ذات الأثر الموضوعي للحكم، صوناً للحقوق الطبيعية للإنسان وتحقيقاً لمقصد الشريعة في العدل والمساواة. والعدالة الإدارية في الإسلام تفرض على جهة الإدارة التزامات جوهرية تتجاوز الشكل الإجرائي، وتراعي المقاصد الشرعية والعدالة الموضوعية.
وبناء عليه، مبادئ العدالة الادارية في الاسلام والشريعة الإسلامية الحاكمة لموقف جهة الإدارة في العدالة الادارية، نوجزها في الآتي:
1. مبدأ وحدة العدل وعدم تجزئتة:
———————-
بحسب المبدأ Principle of the Unity and Indivisibility of Justice، العدالة في الإسلام مبدأ مطلق، لا تُجزّأ على الأفراد، ولا تُقاس بالخصومة. قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ، سورة النحل، الآية 90. وقوله تعالى: وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ، سورة النساء الآية 58. فإذا تبيّن للإدارة من خلال حكم قضائي أن قرارها السابق مخالف للعدل، فإن الواجب الشرعي عليها أن تُعمّم أثر العدل على جميع الحالات المماثلة، لأن الحكم هنا كاشف لحقيقة الخطأ لا منشئ للحق. فاستمرار التفرقة بعد ظهور العدل، هو تمييز غير مشروع، يُخالف مقصد الاسلام والشريعة الاسلامية في تحقيق المساواة بين الناس.
فالعدل في الإسلام كلٌّ لا يتجزأ، لأن مصدره واحد، وهو الحق الإلهي، ومقصده واحد، وهو حفظ المصلحة العامة وتحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات. كما أن السنة النبوية تؤكد هذا المعنى في قول النبي صلوات الله عليه وسلم: إن المقسطين عند الله على منابر من نور، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وُلّوا. فالعدالة في الاسلام والشريعة الاسلامية، عدل موحّد في كل شأن من شئون الولاية العامة والإدارة، لا يقتصر على القضاء وحده.
2. مبدأ الإنصاف الإداري Islamic Administrative Equity:
———————-
في الفكر الإداري الإسلامي، لا تكتفي العدالة بإنفاذ الحكم، بل تُلزم الإدارة أن تُنصف من لم يلجأ للقضاء، إذا ثبت توافر ذات المركز القانوني والضرر. قال النبي عليه الصلاة والسلام، اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم. وهذا أصل عام في وجوب التسوية بين المتماثلين في الحق والمركز. فإذا شُطب طلب أمام المحكمة لأسباب شكلية، فإن العدالة الإدارية طبقاً لمبدأ الانصاف Doctrine of the Unity and Inseparability of Justice، تقتضي أن تعوض الإدارة ذلك بالإنصاف الذاتي، لأن الخطأ في الشكل لا يُبطل الحق الطبيعي. فالإجراء وسيلة، أما العدل فهو الغاية التي لا يجوز تعطيلها.


