أنين الانامل د. الهادي خضر درمه يكتب دموعك غالية علينا يا برهان

في لحظة صادقة لم تحتاج إلى كلمات كثيرة، ذرف سعادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان ( ابو الكل) دموعًا وهو يستمع إلى حكايات النازحين من الفاشر الذين لجأوا إلى الولاية الشمالية طلبًا للأمان. كانت دموعه حديثًا صامتًا، يختصر وجع وطنٍ ينزف، ويعكس إنسانية قائدٍ لم تفصله الرتب عن آلام شعبه.
في ساحة صغيرة ازدحمت بالعائدين من رحلة النزوح القاسية، وقف البرهان بينهم لا متحدثًا باسم السلطة، بل أبًا وأخًا، يربت على الأكتاف، يستمع بإنصات، ويعدهم بأن حقهم لن يضيع، وأن العودة إلى الديار ستكون آمنة كريمة، كما يستحق أبناء السودان.
في الشمال، حيث احتمى النازحون من نار الحرب، كان المشهد أكبر من الكلمات.
رجال ونساء وأطفال من فاشر السلطان، يحملون وجع الرحيل ومرارة الفقد، وجوههم أنهكها السفر الطويل، وقلوبهم ما زالت معلّقة ببيوتٍ خُلعت أبوابها ذات فجرٍ حزين.
هناك، وسط هذا الحشد الموجوع، وقف البرهان. لم يكن القائد العسكري هذه المرة، بل كان ابن البلد الذي انحنى ليستمع، يربت علي هذا ويقبل راس والده عجوزٍ أنهكها البكاء، ويحتضن طفلاً لا يعرف من الدنيا سوى الخوف والبرد.
وحين ترقرقت دموعه، صمت الجميع. كانت دموعه حديثاً باسم الوطن كله؛ دموع صدقٍ ووجعٍ وأمل، دموع رجلٍ رأى بلاده تنزف، ووعد أن يعيد إليها عافيتها مهما طال الطريق.
قال لهم إن العودة قادمة، وإن الأرض التي خرجوا منها ستفتح ذراعيها لهم من جديد، وإن حقهم لن يضيع. كانت كلماته تخرج من القلب لتصل إلى القلوب، كما لو أنها وعد أبٍ لأبنائه بالرجوع إلى البيت بعد غيابٍ طويل.
في تلك اللحظة، لم يعد المشهد بين قائدٍ وشعبه، بل بين وطنٍ جريح وأبنائه المتشبثين بالحياة.
الدموع كانت صلاةً صامتة من أجل السودان، ومن أجل كل أمٍ تنتظر، وكل بيتٍ اشتاق لأهله، وكل طفلٍ يحلم بوطنٍ لا يُهجَّر منه أحد.
فيا برهان، دموعك غالية علينا، لأنها لم تكن دموع رجلٍ على منصّة، بل دموع قلبٍ على وطن.
وسيبقى هذا المشهد محفوراً في ذاكرة الأيام،
قائدٌ بين اهله، يشاركهم وجعهم، ويُقسم أمام الله والتاريخ أن يُعيد إليهم ما سُلب منهم — الكرامة، والأمان، والعودة الآمنة إلى أرضهم التي لا تُنسى.
لم يكن المشهد مجرد زيارة تفقدية، بل لوحة من الوفاء المتبادل بين القائد ورعيته.
دموع البرهان لم تكن ضعفًا، بل كانت عنوانًا للصدق، وإشارة إلى أن القضية ليست أرقامًا أو ملفات، بل بشرٌ لهم وجوه وحكايات وأحلام.
في زمنٍ عزّت فيه الصداقات الحقيقية بين الحاكم والمحكوم، جاء هذا الموقف ليذكّرنا بأن القيادة ليست سلطة تُمارس، بل مسؤولية تُحمل بالقلب قبل اليد.
فيا برهان… دموعك غالية علينا، لأنها دموع امة لا تزال تؤمن بأن فجر العدالة قريب، وأن دارفور — مهما طال الليل — ستعود كما كانت جزءا يحمل عنوان الصمود والكرامة.
حفظك الله في حلك وترحالك وحفظ بكم وأركان حربكم البلاد والعباد.
اذا أمد الله في الاجال سنعود.


