أعمدة الرأي

أُسَيْدياتُ الثُلاثاء عثمان الشيخ الأُسيد  يكتب رجال ونساء لم تسمع بهم على الأرجح (9)

 

 

(واغلة)

اُخْتِلفَ في اسمها، حيث ذكرت بعضُ المصادر “واغلة” وذكرت أخرى “والغة” ووردت في بعضها (الهة) كما جاءت (نعمة) في مصادرَ أخرى. هل سمعت بها؟ قال يوسف: لم أسمع بها!! قلت: إنها امرأةُ نبيّ، ماتت كافرة هلكت غرقًا في الطوفان مع قومها، لأنها لم تؤمن ولم تركبِ السفينةَ، قال يوسف: عرفتها، إنها زوجة نبي الله نوح. قلت له: خطأ!! إنها إمرأة نبيِّ الله نوح، وليست زوجته، كما في القرآن يشار إليها بامرأة نوح. قال يوسف: وما الفرق بين الزوجة والمرأة ؟ قلتُ: القرآن يستخدم كلمةَ (امرأة) إذا كانت الحياةُ بين الزوجين ليست كاملة على تمامها، كما جاء في القران الكريم في سورة التحريم: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ۖ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(11).. قال يوسف: (سبحان المعبود!) فعلًا، هؤلاء النساء الثلاثة لم يكنَّ ازواجًا منسجمات مع أزوجهنَّ. قال يوسف: ولكن هناك إشكالية! قلت: ما هي؟ قال: قوله تعالى في سورة آل عمران ﴿ إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ لماذا هنا وردت كلمةُ (امرأة) علمًا بأنَّ امرأةَ عِمْران كانت صالحة، نذرت ما في بطنها للخدمة في بيت المقدس وكان وزوجها هو عمران، وهما والدا السيدة مريم العذراء أم عيسى عليه السلام، وكانت الحياة بينهما على أكمل وجه، فلماذا جاءت كلمة (امرأة) وليس زوجة؟ قلت: يقول العلماء عندما نذرت امرأةُ عمرانَ ما في بطنها، كان زوجها عمران متوفى، يعنى لم تكن الحياة كاملة بينهما، قال يوسف: ولكن أيضا حدث هذا مع زكرياعليه السلام، قال: (وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا﴾ (سورة مريم: 5)

قلت له: جاءت كلمةُ (امرأة) هنا لأنها كانت عاقرًا، يعنى الحياة الزوجية بين زكريا وزوجته لم تكن كاملةً بسبب عدم الإنجاب، ولكن بعد أن رزقه اللهُ يحيى، أصبحت زوجه قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ (سورة الأنبياء: 90)، قال يوسف: (سبحان المعبود!) طيب أين جاءت كلمةُ زوجة في القران الكريم؟ قلت له: أنت تركت واغلةَ و أوغلتنا في إشكاليـة (المرأة والزوجة) وصرفتنا عن موضوعنا (واغلة زوجة نوح) قال: هذا من صميم الموضوع، فلا تتهرب، أنت قلت عندما تكون العلاقةُ قائمةً على الانسجام والتوافق والمحبة والسكن بين الطرفين، يذكر القرانُ الكريم كلمة( زوجة) أين نجد هذا الكلام في القرآن الكريم؟ قلت: تجده في قول الله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ. ﴾ (سورة البقرة: 35)، حيث كان الانسجام والتوافق كاملاً، وفي قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ سورة البقرة 25 وقوله تعالى في سورة النساء آية 57 🙁 وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ۖ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا) وفي مواضعَ كثيرةٍ في القران الكريم. الاستخدام القرآني الدقيق لهاتين الكلمتين يعد من جوانب الإعجاز البياني في القرآن الكريـم، قال يـوسف: (سبحان المعبود!).. الآن قل لنا كيف تكون واغلةُ خائنةً، وهي زوجة نبي من أولي العزم من الرسل الخمسة ( نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد عليهم السلام)؟ ثم قال: إنه لم يستوعب ذلك!!! قلت له: أجمع العلماءُ على أن الخيانةَ المذكورةَ ليست خيانةً زوجية، لأنَّ الخيانة لم تكن في شرفها وعرضها ولكن كانت في عقيدتها، لأن الأنبياءَ مبرؤون ومعصومون ومكرمون من تدنيس أعراضهم بفاحشة الزنا، قال ابنُ عباس: ما بغت امرأةُ نبي قط، إنما كانت خيانتها في العقيدة) كانت واغلة- امرأة نوح- تسخرُ من دعوة زوجها، خانته بمعارضاتها لدعوته ولم تؤمن برسالته وظلَّت على دين قومها المشركين. والأمر لم ينتهِ عند هذا الحد، لكنها كانت تنقل أخبارَه إلى قومها الساخرين منه، هذه هي الخيانة المقصودة.

أنجبت واغلة لنوح- عليه السلام- أربعة-أولاد: سام، وحام، ويافت، وكنعان.. أما كنعانُ لم يؤمن بدعوة أبيه نوح وغرق مع امه واغلة قال الله تعالى: (فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ)

أما أبناءُ نوحٍ المؤمنون الثلاثة، فهم: (سام) وهو أوسطهم، ومن نسله العرب والفرس والروم. و(حام) هو أصغرهم، سكن الأرضَ الأفريقيةَ بعد الطوفان.. و(يافث) هو أكبرهم، وسكن شمالَ غرب الأرض.

قلت ليوسف: من جدك في هؤلاء؟ قال جدي نوح عليه السلام قلت له: وجدتُك واغلة، قال: لا يهم فقد قال الله تعالى في سورة فاطر اية 18(وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ) ولكن قل لي من اين لك انت بهذه المعلومات،؟قلت من كتب التفاسير، ومن قصص القرآن الكريم، وتوجد كتبٌ كثيرةٌ تتناول قَصَص النساءِ في القرآن الكريم بشكل عام، والتي تشمل قَصَصًا حدثت قبل نزول الإسلام، مثل كتاب قصص نساء الأنبياء وكتاب نساء من العصور السابقة وكتاب نساء الأنبياء وغيرها من الكتب والمراجع. إن المعلومةَ متاحةٌ، والوقت متاح، كل شيء متاح ومتوفر، الشيءُ والوحيد الذي ينقصنا هو معرفة (إدارة الوقت) قاطعني يوسف قائلا: من الفوائد التي اكتسبتُها من قصة واغلة: عرفتُ الفرقَ بين المرأة والزوجة في القران الكريم، عرفت بيان سوء عاقبة الكفر والمعصية، وتأكيد أهمية الدين والإيمان، وإظهار أن مصيرَ الإنسان معلقٌ بأفعاله لا بنسبه. عرفتُ عواقبَ الزواج من غير المؤمنين، وكيف أنَّ عقيدةَ الزوجة لها تأثيرٌ عميقٌ على الأسرة.

وحتى نلتقي مع رجالٍ ونساء لم تسمع بهم على الأرجح. إن كان في العمرِ بقية، فابقوا معنا،، يُوسفُ وأنا..

والله أعلى وأعلم..

*11 نوفمبر 2025م*

زر الذهاب إلى الأعلى