صهيب حامد يكتب كيف نقرأ مبادرة العاهل السعودي.. ما إذا كانت دعماً أم إعلاناً لنهاية المغامرة الإماراتية في السودان!!؟ (١-٣)

يبدو أن مبادرة العاهل السعودي الأخيرة بواشنطن قد بهرجت موازنات الحرب كثيراً في السودان ، فمن يدٍ فلقد أطلق أنصار الجيش السوداني صيحات الفرح بهذه الإستدارة التي أدّاها العاهل السعودي معتبرين إياها رصاصة رحمة في الموكب الجنائزي (للرباعية) ، ولكن سرعان ما توجس بعضهم حين حاولت (سكاي نيوز) إستثمار تصريحات مستشار ترمب للشئون العربية والأفريقية مسعد بولس لصالح السردية الإماراتية العتيدة!!. ومن يدٍ فلقد صمت الدعم السريع يوماً كاملاً (مرّ على أنصاره كدهر) مصْدِراً بعدها بيانه المرحِّب بالمبادرة خصوصاً وهو يصوِّر لهؤلاء الأنصار أن الموقف الأمريكي الجديد ليس سوى الرباعية (The quad) بلحمها ودمها (Reloaded). وليس العامة فحسب من تبهرج عليهم الموقف ، ولكن حتى قادة وكتّاب الرأي في الداخل السوداني وخارجه طفقوا يتزحلقون على سطوح الظاهرة بلا رؤية عميقة لطبقات الموقف الحقيقي للمملكة العربية السعودية. إذن كيف يمكن قراءة مبادرة العاهل السعودي ، وما إذا كانت تحمل في بنيتها تناقضاً بين موقفين إزاء الحرب في السودان. وما إذا فاقمت تباينات أخرى ذات طبيعة إقتصادية وجيوسياسية بين الرياض وأبو ظبي العلاقة بين الحليفين فإنعكس ذلك على الموقف من حرب السودان!!؟. يحاول الكاتب هنا القيام بتحليل إستقصائي لمعرفة الدوافع والنوايا الحقيقية لولي العهد السعودي وما إذا بيده فعلاً كروت رابحة (Trump cards) يطوع بها الموقف الأمريكي لصالح سرديته التي أدّاها أمام الرئيس ترمب بالبيت الأبيض أم سوف تحتفظ السردية الإماراتية التي يتبنّاها الصهر اللبناني مسعد بولس بتماسكها في أروقة السياسة الأمريكية؟.
وكي نلتمس حقائق الواقع فالرياض وأبو ظبي هما حليفان إستراتيجيان تجمعهما قضايا مصيرية ووجودية ذات طبيعة جيوسياسية أولها التهديد الإيراني على الضفة الأخرى من الخليج وقد فاقم من هذا التهديد التمدد الإيراني في اليمن عبر الحوثيين وهو ما إستدعى حلفاً عسكرياً بين البلدين (عاصفة الحزم).كذلل تشترك كل من الرياض وأبو ظبي بل جميع دول مجلس التعاون الخليجي (GCC) في الوقوف أمام تمدد الإسلام السياسي المتمثل في الحركات الإسلامية المتأثّرة ب(الإخوان المسلمين) وهو ما حدى بالبلدين الحليفين الإئتمار لوئد كافة ثورات الربيع العربي إنطلاقاً من العام ٢٠١١م وما بعده. ذلك من يدٍ ، ولكن على جانب آخر فيجب الإعتراف بوجود تباين في منهجية كلا البلدين في مقاربة التعامل مع الخطرين المذكورين أعلاه ، وكذلك بروز تباينات في ملفات أخرى تضاربت فيها المصالح بين الحليفين لدرجة الصدام العسكري كما حدث في ملف اليمن ، وكذلك تضارب المصالح ذات الطبيعة الإقتصادية كما هو حادث الآن في الصراع بينهما حول ريادة موجة الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط ، وليس ذلك فحسب بل يبدي البلدان تبايناً مؤكداً حيال العلاقة من إسرائيل خصوصاً الإتفاقيات الإبراهيمية وقضية التطبيع. إذن وضمن كل هذه الفسيفساء ، ما إذا بإمكاننا إستقصاء الدوافع والحوافز والرهانات التي حدت بالعاهل السعودي لتقديم مبادرته ، وما إذا كانت المبادرة لتغيير سياق الموقف الأمريكي لصالح الجيش السوداني بزحزحة (الرباعية) أم للحفاظ على أنشوطة الرباعية كما هي الآن لصالح الموقف الإماراتي أم هي مقاربة سعودية لوقف الحرب في السودان بأي ثمن!!؟.
حسناً.. إذن ورغم المتّفقَات الإستراتيجية بين الحليفين (السعودية والإمارات) ، فهناك تباينات وخصومات عميقة (Deep Rivallry) قد تطورت لتصبح شروخاً (Rifts) في جدار هذا التحالف لا يمكن نكرانها نتجت عن السلوك شبه الإمبريالي لدولة الإمارات العربية المتحدة التي تحاول التعويض عن صغر جغرافيتها بالتغول على سيادة الدول (اليمن،ليبيا،السودان،الصومال) ونهب ثرواتها (الذهب والمعادن الأخرى ،الأراضي، الموانئ) وذلك باستخدام وفوراتها المالية وصناديقها السيادية مما أدّى بها لحنس عهودها مع الحلفاء بما في ذلك الرياض. بعكس المملكة العربية السعودية (KSA) التي تحاول في إطار تدخلاتها درء الخطر السياسي والأمني والحفاظ على مصالحها المشروعة في الإطار الإقليمي.فلقد خانت الإمارات المملكة في سياق الحرب في اليمن وذلك بدعمها للتيار الانفصالي في جنوب اليمن بقيادة ما يسمى بالمجلس الانتقالي الجنوبي مستقلة النزعة اليسارية الإنفصالية لبعض المجموعات هناك ليتم تسليح هذه المجموعات إماراتياً وأوعزت أبو ظبي لمجموعة المجلس الجنوبي (المجموعة الإنفصالية) بطرد حكومة الرئيس هادي (حكومة المنفى) المدعومة سعودياً حيث إضطرت الرياض أخيراً إستضافة الحكومة اليمنية مرغمة بعد المؤامرة الإماراتية التي استهدفت السيطرة السياسية على للجنوب (دولة اليمن الجنوبي سابقاً) للسيطرة عبرها على الموانى المطلة على باب المندب وبحر العرب وكذلك الجزر الحاكمة هناك مثل جزيرة سومطرة (Somatra) التي أصبحت اليوم قاعدة لوجستية مهمة لكافة أعمال القرصنة الإماراتية في البحر الأحمر والقرن الافريقي وأفريقيا عموماً. بالفعل فلقد تجابهت كل من الإمارات والسعودية بالسلاح عبر مجموعاتهما في جنوب اليمن مما إضطر المملكة لخوض الحرب في حضرموت ضد المجموعات المدعومة (إماراتياً) لحماية حقول النفط المتداخلة في جنوب المملكة وإن حافظ الطرفان على تهدئة إعلامية (Low profile) للحفاظ على اللحمة الخليجية إزاء إيران. كذلك فلقد إفترق إسطرلاب الحليفان (الرياض وأبوظبي) بخصوص الملف السوري حتى منذ إندلاع الثورة السورية حيث واظبت الرياض على دعم المجموعات الإسلامية السلفية بسوريا ضد نظام بشّار الأسد المدعوم إيرانياً وها هنا نسّقت الرياض مع تركيا لدعم المجموعات السنية بعكس الإمارات التي دعمت بشار الأسد وفق الموقف الروسي حيث رجّحت أبوظبي دعم النظام السوري المدعوم إيرانياً على حساب المجموعات السنية المدعومة من الإخوان المسلمين السوريين وهو الموقف الذي قرّب أبو ظبي من الموقف المصري بخصوص الملف السوري وفجّر الخلاف بين الحليفين. ولكن الشاهد أن الرئيس ترمب إنحاز إزاء ذلك للموقف السعودي التركي على حساب الإمارات وهو ما سوف يمنحنا إضاءة جيدة حيال إحتمالات موقف الرئيس ترمب بخصوص السودان فيما سوف نقوله بصدد ذلك في هذه المادة الاستقصائية فيما بعد.. نواصل.


