الرمال المتحركه دكتور يوسف قرشي يكتب خطاب البرهان الأخير… حين تتقاطع اللحظة مع المصير

في أممٍ تعصف بها التحولات وتتنازعها الرياح من كل اتجاه، تبرز لحظات نادرة يتوقف فيها الزمن ليلتقط الناس أنفاسهم، منتظرين كلمة قد تغيّر مسار التاريخ. هكذا بدا خطاب البرهان الأخير؛ ليس مجرّد ظهور سياسي أو بيان رسمي، بل خطاب مفصلي يقف عند حافة زمنين: زمن يوشك أن ينقضي، وآخر يتشكّل على هيئة أمل قادم ووشيك ومنتظر.
منذ اللحظات الأولى للخطاب، كان واضحاً أن نبرة الرجل تحمل أثقال مرحلة كاملة، مرحلة امتلأت بالأسئلة التي لم تجد جواباً، وبالخيارات التي لم يعد بالإمكان تأجيلها. اعتمد البرهان لغة تجمع بين الحزم والبحث ورسم خارطة تحقق تطلعات الشعب، وبين مخاطبة الداخل واستحضار الخارج، لكنه في كل الأحوال قدّم نفسه ليضع النقاط فوق الحروف، ولو على صفحة تعصف بها النيران .
كان الخطاب أشبه بمفترق طرق جمع فيه بين توصيف الواقع بكل تعقيداته وبين رسم خط متماسك للمستقبل حتى وإن اختلف الناس حول هذا الخط، أو حول جدواه. لكنه، على الأقل، حمل اعترافاً ضمنياً بأن البلاد تقف فوق حافة خطرة، وأن القرارات القادمة ستكون من النوع الذي لا يقبل المساومة.
ومع كل جملة، بدا أن السيد رئيس مجلس السياده إعادة تعريف موقعه ودوره في هذه اللحظة الحرجة؛ لا عبر القوة وحدها، ولا عبر الخطاب العاطفي فقط، بل عبر تقديم سردية يريد بها أن يُثبت أنه ما زال جزءاً من المعادلة، وربما حجرها الأثقل. هذا ما جعل كثيرين يصفون الخطاب بأنه لحظة فاصلة؛ لحظة تتداخل فيها السياسة بالوجدان، ويتفاعل فيها الجمهور مع كلمات يعرف أنها لن تكون مجرد كلمات وان عودة حمدوك والهالك حميدتي باتت في حكم العدم ولن يفرضها علينا المجتمع الدولي.
إن وصف الخطاب بـ المفصلي ليس وصفاً مجانياً، بل نتيجة أنه فتح الباب أمام مرحلة جديدة: مرحلة إعادة قراءة المشهد، وإعادة ترتيب موازين القوى، وإعادة التفكير في ما يمكن أن يحدث لاحقاً. فسواء اتفق المشاهدون مع محتواه أو اختلفوا، فقد أدركوا أن ما بعد الخطاب لن يكون كما قبله.
وفي النهاية، يبقى أن الخطابات المفصلية لا تُقاس فقط بما قيل فيها، بل بتأثيرها، وبما تتركه وراءها من أسئلة كبرى تنتظر الإجابة. وخطاب البرهان الأخير كان واحداً من تلك اللحظات التي يكتبها التاريخ بحبرٍ لا يجف سريعاً.
وفي ختام الخطاب، أكّد البرهان أنّ الطريق أمام السودان لا يزال محفوفاً بالعواصف والاستهداف ، لكنه تعهّد بنبرة قاطعة لا التباس فيها بأنّه سيواصل القتال حتى القضاء الكامل على التمرد، معتبراً أنّ بقاء الدولة وهيبتها خط أحمر لا يقبل التساهل. وفي السياق ذاته، وجّه انتقاداً واضحاً إلى الرباعية ، موضحاً أنها في رؤيته عاجزة عن تحقيق تطلعات الشعب السوداني ولا تعبّر عن حقيقة ما يريده السودانيون في هذه اللحظة المصيرية في ظل وجود الامارات بداخلها وقال ان طرح الهدنه ضرب من ضروب التسويف لا يمكن استيعابه في ظل احتلال المليشيا لبعض المدن واستيلائها عل بيوت المواطنين وان الحكومة لم تكن طرفا في تعطيل الاغاثات وورقة مسعد بولس تاجر السيارات المستعمله لاتصلح لدينا.
وبهذا التعهّد المزدوج، بدا الخطاب وكأنه يرسم خريطة طريق لا تخلو من المواجهة، لكنه يفتح باباً لقراءة جديدة للمشهد، ويضع الجميع أمام حقيقة أن البلاد مقبلة على منعطف حاسم سيحدّد شكل مستقبلها لسنوات طويلة قادمة وانا البلاد لن تكون قرضا للمساومه تحت وصاية كائن من كان.
نصر من الله وفتح قريب
دكتور /يوسف قرشي محمد
الرمال المتحركه


