الرمال المتحركه دكتور يوسف قرشي يكتب خطاب البرهان يشيّع “قحت” إلى مثواها الأخير

مجددا طموحات الشعب السوداني رغم التحديات
في مشهدٍ سياسي معقد يعيش فيه السودان واحدة من أكثر مراحله حساسية، تبدو الساحة وكأنها تعيد تشكيل نفسها من جديد. المكوّنات القديمة تتراجع، والتحالفات التي صنعتها قحت في سنوات ما بعد الثورة وخصوصا بعد اندلاع الحرب تفككت واحدة تلو الأخرى، فيما يتهيأ الشارع السوداني لمرحلة مختلفة تماماً. وفي قلب هذا التحول يقف الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي، ليرسم ملامح مرحلة جديدة وسط ضجيج الأزمات.
قحت… تحالف انتهت صلاحيته
على مدى سنوات، ظلت قوى الحرية والتغيير (قحت) تحاول تنصيب نفسها كأبرز اللاعبين السياسيين، بل القوة التي وضعت نفسها في واجهة المشهد بعد سقوط النظام بل ذهبت الى ابعد من ذلك برفع سقف طموحاتها وكأنها شمس لا شرقت. غير أنّ كثرة الانقسامات الداخلية، وتضارب المصالح،واعتمادها بالضغط بسلاح المليونيات والمواكب وتعطيل دولاب العمل جعل منها محطه عابره تجاوزها الزمن والشعب وفي زاكرته مرارات لم تحدث من قبل حتى في عهد الحكم الثنائي الانجليزي المصري بل حتى في زمن الاستعمار .كيف ينسى عمال اليوميه فقدان لقمة العيش بسبب اغلاق الطريق وكيف ينسى الطلاب تعطيل اعوامهم الدراسيه بسبب دعوة قحت للحريه وكيف ينسي العم رجب بائع الخضروات ابنته التي ماتت بسبب عدم تلقيها للعلاج بسبب التروس،بالاضافه الى مساندتها لمليشيا الدعم السريع التي استباحت اعراض المواطنين كل هذه الاسباب جعلت قحت تبدو كجسمٍ سياسي يعيش حالة موت سريري في أيامه الأخيرة تحت الاجهزه. ومع استمرارها في تأزيم وضع الشعب السوداني تارة بالحروب وتارة اخرى بمحاولة فرض الوصايه الدوليه التي جاء بها عرافها حمدوك في تبنيه للبند السابع ، أصبح من الطبيعي أن تُعلن نهايتها فعلياً على يد الواقع قبل أن يعلنها أي طرف آخر.
ومع تصاعد الأحداث خصوصا بعد سقوط الفاشر، بدا واضحاً أن السيد رئيس مجلس السياده القائد العام للقوات المسلحه الفريق اول ركن عبد الفتاح البرهان عبدالرحمن اراد ان يشير إلى دفن مرحلة كاملة من تاريخ السودان السياسي، مرحلة كان عنوانها الأبرز “قحت” وما صاحبها من تناقضات وصراعات عطّلت مسار الدولة أكثر مما قادت نحو الاستقرار.
ورغم الانتقادات المتعددة، فإن البرهان يحاول اليوم، في ظرف معقد وحساس، أن يقدّم خطاباً يعيد إحياء الأمل في إمكانية بناء دولة سودانية متماسكة. صحيح أن الطريق مليء بالتحديات، وأن الصراع المستمر يستهلك الكثير من موارد البلاد ومعنويات شعبها، إلا أن ما يطرح الآن على الطاولة يعكس إدراكاً بأن البلاد تحتاج إلى إعادة بناء حقيقية تبدأ بإعادة تشكيل المشهد السياسي نفسه، بعيداً عن تحالفات قحت التي انتهى دورها.
خطاب البرهان الأخير، وإشاراته إلى مرحلة جديدة، يمكن قراءته باعتباره محاولة لردم الهوة بين الدولة والمواطن، وإعادة رسم علاقة تقوم على احترام تطلعات الشعب في الكرامه والعدالة والاستقرار، لا على التوازنات القحتجنجويديه الضيقة التي أرهقت البلاد.
رغم أن المواطنين السودانيين أنهكتهم الأزمات والحروب والنزوح، إلا أنّ روح الصمود لم تُكسر. ولعل ما يسعى إليه كثيرون اليوم ليس مجرّد تغيير سياسي، بل عقد اجتماعي جديد يعيد للسوداني كرامته وحقه في وطن آمن مزدهر.
التحديات ضخمة، ولا يمكن تجاهل أن الميدان السياسي قد لا يستجيب بسهولة لأي محاولة إصلاح. لكن ما يبقي الأمل حياً هو قدرة الشعب نفسه على تجاوز المحن، ورفضه أن يكون رهينة للصراع أو الفشل.
سواء اتفق الناس أو اختلفوا مع البرهان، فإن الدخول في مرحلة ما بعد “قحت” بات أمراً واقعاً. والتحول السياسي الذي يتشكل الآن قد يكون فرصة تاريخية لإعادة بناء السودان على أسس جديدة. ويبقى الرهان الأكبر على وعي الشعب السوداني، وقدرته على فرض معادلته الخاصة به بعيداً عن قحت وملحقاتها وضجيج تحالفاتها.
إنها لحظة إغلاق باب وفتح آخر… لحظة يحتاج فيها السودان إلى شجاعة القرار بقدر ما يحتاج إلى حكمة التوافق.
نصر من الله وفتح قريب
دكتور/يوسف قرشي محمد
الرمال المتحركه


