أعمدة الرأي

لواء شرطة: د.عمر عبد الماجد بشير يكتب لن أعيش في (كاكي) أبي

 

يقول ابن خلدون في مقدمته إن الإنسان كائن اجتماعي، وقد أتفق معه فلاسفة كثر… بالتأكيد فإن البشر جُبِلوا كمخلوقات كرّمها الله بالعقل للعيش في مجتمعات تتكامل فيها حاجاتهم، ويتّسق ذلك مع الفطرة التي خلق الله البشر عليها، ووضع عز وجل الفوارق والتفضيل بين الناس وجعلهم سُخريًّا كما جاء في الكتاب العزيز:

*﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾*

[الزخرف: 32]

 

ويذهب آخرون من المهتمين بدراسة السلوك إلى أن الحيوانات أيضاً تشكّل نوعاً من أنواع التعايش الاجتماعي الذي يلبي حاجات ورغبات تلك المخلوقات…

 

والمجتمع الشرطي مثله مثل فصائل وشرائح المجتمعات يمارس نوعاً مميزاً من التعايش الاجتماعي والتفاعل، ويعود ذلك التميز إلى طبيعة المهنة التي تتطلب قضاء وقت أطول وربما مستدام مع بني فصيلتهم وربما ظروف عصيبة… فحينما تنخرط مجموعة من العاملين في العمل النظامي أو العسكري فإن طبيعة تلك الوظيفة الاجتماعية تفرض عليهم مسميات وسمات فريدة أو متفردة حيث ينتظمون فيما يُعرف (بالدفعة)، وما أدراك ما (الدفعة).

 

ورغم أن مفردة دفعة تنطبق على العسكريين وغيرهم من المجاميع ممن يرتادون الأكاديميات والجامعات والمدارس أو يلتقون في أي منشط اجتماعي، إلا أن ذات الكلمة تتميز لدى العسكريين بظلال أوفر، حيث إن مجرد إطلاق الكلمة يعني أن محدثك ينتمي إلى القوات النظامية…

 

وبالعودة إلى لُب الموضوع نلاحظ أن تلك المجموعات أو المجتمعات النظامية، ومن ضمنها تحديداً المجتمع الشرطي، ترتبط في بداية علاقاتها بعقد مهني تحكمه اللوائح والقوانين التي تنشئ هياكله التنظيمية ونظمه التراتبيية وتحدد شكل وتفاصيل تلك العلاقات الرأسية والأفقية وانسياب وتسلسل التعليمات والأوامر التي هي عماد تلك الوظيفة. وتستمر عجلة الحياة لتنظم العلاقات بين العاملين أينما كانوا وحيثما رمت بهم كشوفات التنقلات بسلاسة وانضباط قلّما يتوافر لمؤسسات كثيرة.

 

وبعد قدر من الزمان تطرأ تحولات في تلك المسيرة، حيث يترجل عدد مقدّر من العاملين لينتقلوا إلى نادي المتقاعدين أو ما يُعرف مجازاً (بالمعاش) أو (المعاشيين)، وهنا ينفك العقد المهني بين العاملين والمتقاعدين المحكوم بالقانون ويتحور إلى عقد إجتماعي يتمتع بقدر من التحلل من تلك الحواكم والضوابط إلى نطاق أرحب قوامه الأحترام المتبادل والتواصل الاجتماعي المحض.

 

وهنا تبرز القضية التي نحن بصدد تشريحها للنظر بعمق وصدق وشفافية في طبيعة العلاقة بين العاملين والمتقاعدين من زاوية الجهود المبذولة لتخفيف أعباء الحياة لشريحة المتقاعدين عبر أجسام في كلا الفريقين لإنجاز تلك المهمة. ولا نهدف لشيء إلا أن نقدم للأجيال القادمة إضاءات للوصول إلى تجربة معافاة.

 

فما إن تتشكل منظومة منسوبي الشرطة بشقيها من العاملين والمتقاعدين (رغم أن هذا التشكيل دائم الحراك كما تغذي الأنهُر البحار في حركة دؤوبة)، يحدث إجتهاد محمود يهدف إلى تخفيف المعاناة عن المتقاعدين، حيث تنحسر بشكل تلقائي موارد الدخل للمتقاعد وهي سنّة ماضية وطبيعية وعامة. وعلى أثر ذلك تتكون الأجسام التي ترعى تلك العلاقة، وتتمثل في الإدارة العامة لشؤون المتقاعدين كإدارة رسمية يقوم عليها الزملاء بالخدمة، وعلى الطرف الآخر تنشأ صناديق أو اتحادات سمِّها ما شئت، يقوم على إدارتها نفر كريم بغية التنسيق مع الطرف الأول خدمة للزملاء من المتقاعدين…

 

وقطعاً تتلخص العلاقة في توظيف الاستقطاعات المالية الراتبة وإعادة توزيعها وفق اللوائح المنظمة. ولكن هل هذه الطريقة قادرة على إحداث التغيير المنشود وفتح آفاق نحو الرفاهية في حدود المعقول وتغيير الواقع المأزوم للمعاشي؟ الإجابة — في تقديري — قطعاً لا. وربما تشاركني الأغلبية.

 

ويتجسد الخلل في تلك الجهود — وفق تقديري — في أنها ترتكز على مبدأ سدّ الرمق وتلبية الحاجات الآنية والموسمية، مما يخلق حالة من (الإدمان) للتردد المستدام على الجهات المانحة أو المكاتب، وهو أمر شهد الكثير من الحالات المحرجة والمحبطَة. وفي ذات الوقت فإن مبدأ الدعم المباشر يعمل بمرور الزمن على تحويل المتقاعد إلى مجرد متلقٍّ، ويعزز ذلك مفهوم عدم قدرته على العمل والإنتاج، وهو تصور افتراضي خطير على كافة الصعد.

 

من جانب آخر فإن تردد المتقاعد لاستلام الدعم المباشر وما يصاحب ذلك من صور سالبة يقلل بشكل مباشر من حماس حتي العاملين للتمسك بالوظيفة، بل ويصرفهم عن الانخراط بإخلاص في العمل في محاولة لإيجاد أعمال جانبية داعمة لتجنب المصير الذي يشاهدونه.

 

إن التحول المنشود — ينبغي في تقديري — أن تتحول سياسة الأجسام المكلفة بشؤون المتقاعدين من الدعم المباشر إلى الإشراك في الإنتاج بمفهومه الشامل، وتمليك أدوات الإنتاج بما يضمن الاستقلال للمتقاعدين والاستدامة وإزالة مسالب تلقي الدعم.

 

إن دعوتي من خلال هذا المقال ينبغي ألا تُفسَّر لصالح مناداة بفك الارتباط أو التحرر من القيود والتبعية للجهات المعنية بشؤون المتقاعدين، بل هي دعوة لتصحيح مسار تلك العلاقة ووضعها في مسار يمكنها من تحقيق غايات وتطلعات آلاف المتقاعدين ممن أفنوا زهرة شبابهم في خدمة الوطن من بوابة الشرطة.

 

وتصحيح المسار — كما أنشد — أن تتمتع الأجسام المكوّنة لخدمة المتقاعدين تحت أي مسمى باستقلالية إدارية ومالية وقانونية ومهنية تمكنها من إدارة العمليات المتكاملة التي تلبي حقوق المتقاعدين. فلا أرى سبباً وجيهاً يحول دون استلام الاستقطاعات في حساب الصناديق ثم تقوم بالتصرف فيها وفق النظم والقيود المالية المعلومة. ثم لا أجد حرجاً أو مانعاً قانونياً يمكن تلك الصناديق كأجسام اعتبارية صحيحة المنشأ أن يكون لها حسابات مصرفية، بل وأن يشمل ذلك تسجيل الأصول لصالحها، مما يؤهلها للانطلاق المعافى للاستثمار والتعامل مع الجهات الممولة لخلق روافع اقتصادية جبارة كتلك التي يقوم بها الأفراد، ناهيك عن جسم يضم مئات الخبرات في كافة المجالات ولا يزالون على درجة عالية من القدرة على البذل والعطاء…

 

إن الغاية من هذا الطرح ليست فقط للهيمنة أو الولاية على مال الاستقطاعات، بقدر ما هو خطوة نحو تنمية تلك الموارد وحسن إدارتها للانتقال نحو مرحلة الاستثمار، والتي تعد الضمانة الوحيدة لمغادرة الدائرة الجهنمية العتيقة.

 

إن الأجسام الطوعية القائمة ظلت تحظى طوال عقود بالتقدير لما تبذله من جهود وتضحيات وهي محل اعتبار، بيد أنها كسيحة مهيضة الجناح للعَوَر الناجم عن حرمانها من عوامل وعناصر الانطلاق بثقة نحو آفاق الاستثمار التي تتطلب قدراً من الحرية والمساحات المعلومة لإنفاذ المشروعات الطموحة ذات المردود المنشود، ومواصلة الإسهام في تنمية وإعادة إعمار وطننا السودان…

 

إن الآلية المشكلة حالياً — رغم ثقتنا فيها ككوادر مؤهلة وأهل للثقة والدُّربة — إلا أنها منقوصة الصلاحيات ومقيدة بمساحات لا تنسق والمرجو منها. فالنهوض بمشاريع استثمارية ضخمة ذات ريع مؤثر لا يمكن أن يأتي من مجرد استقطاعات راتبة خجولة. وحتى استقطاب التمويل والشراكات المنتجة يحتاج لشخصية اعتبارية ذات مؤهلات معلومة…

 

ولا مستحيل تحت الشمس كما يقولون. وبالنظر لمحيطنا القريب نشاهد نماذج مذهلة لمشاريع المتقاعدين التي تضمن لهم دخولاً مستدامة لحياة كريمة. فقارن — يا رعاك الله — بشمال الوادي مستعيناً ب (GP Chat) أو العم (Google) حول أعداد الضباط المصريين ونظرائهم في السودان، وتأمل أن كل ضابط في مصر يتملك بشكل دوري ومنتظم وبلا ضوضاء شقة سكنية تظل ضمانة لسكن كريم أو دخل منتظم وكافٍ. فكيف نعجز نحن عن ذلك بأعدادنا المتواضعة؟ والمفارقة أننا — بحفنة من كفاءات الشرطة — وفرنا أكثر من ألفي وحدة سكنية في زمن قياسي. كل ذلك يبرز علامات استفهام كبيرة جديرة بالإجابة.

 

إن مظاهر نجاح المتقاعدين على سبيل الانفراد وفشلهم على سبيل التضامن يُشي عن خلل جوهري جدير بالمعالجة، وهي مشكلة متجذرة ومزمنة فاقم منها التشتت المقعد.والتشظي المقيت… وقد ناشدتُ أكثر من مرة أن نوثّق عُرى الالتفاف حول كيانات الدفعات التي لا تزال معافاة ومصانة، وتلقائياً سيؤدي ذلك إلى تعزيز أواصر التوحد لمجمل المتقاعدين ليصبح صوتهم جهيراً وتأثيرهم بائناً.وقدرتهم علي أحداث التغيير واقعاً ملموساً

ومن صدى الحراك الحميد الذي يتنظم أروقة الوسط الافتراضي للمتقاعدين في مواقع التواصل الاجتماعي، أعتقد أن مطلوبات تصحيح المسار باتت أقرب، وأن العيش في (كاكي) أبي لن يطول، رغم فخرنا واعتزازنا بهذا الزي البهيج وشرف الدولة الذي لا يزال وسيظل رمز الانتماء وإن لم نعد نتزيا به .

 

إن أريدُ الإصلاح ما استطعت،

وما توفيقي الا بالله

 

لواء شرطة:

د.عمر عبد الماجد بشير

المملكة المتحدة

نوفمبر 2025.

زر الذهاب إلى الأعلى