تقارير

شارع الدكاترة.. ام درمان

تقرير : ناجي احمد البشير

مدينة أم درمان العريقة تحتكر عدد من الشوارع والأماكن التاريخية، فهي مدينة شكلت وجدان أهلها، فهي ام المدن تجارة وصناعة وثقافة وحراكا، فقد عجت مبكرا بعد انتهاء فترة حكم المهدية، بالعلوم وبالفنون المختلفة. وبدأت في التوسع العمراني لاستيعاب الوافدين الجديد، وتشكلت بها العديد من الشوارع المتخصصة بالتجارة والصناعة والخدمات ما دفع الناس الي إطلاق اسماء تلك المهن علي بعض الشوارع أسوة بمسميات الشوارع الاخري، ولكل من هذه الشوارع قصة وحكاية تستحق التوقف والتأمل. منها مثالا لا حصرا، شارع الصياغ وشارع العدني وشارع العناقريب وشارع العصاصير، وشارع والسماسرة.

و“ يعتبر *شارع الدكاترة*” المعروف بأم درمان هو أحد أبرز المعالم في المدينة، والذي يبدأ من صينية الشهداء، عند مستشفي ام درمان شرقا حتى تقاطع شارع الموردة غربا. وهذا الشارع قديم قدم ام درمان، وكان العقد الثالث من القرن العشرين بداية نهضته بمباني حضارية من الطوب الأحمر علي جانبيه من الناحيتين الجنوبية والشمالية، اغلبها منازل للهنود واليهود والاقباط وبعض كبار التجار، كانت علي مساحات كبيرة تحتوي علي حوش كبير امامي واخر خلفي أصغر حجما ويتكون البيت غالبا من غرفتين او ثلاثة مع صالون كبير، متصلة وأمامها برندة بعرض البيت باعمدة اسمنتية مزخرفة تحفظ الغرف من اشعة الشمس المباشرة وتحافظ علي برودة البيت وتكون غالبا مخصصة لجلسات العصرية، وكل الغرف ارضيتها من البلاط، والحيشان مضروبة بالطوب الأحمر، كما ضم الشارع الي جانب المنازل بعض المباني الضخمة، التي لا زالت راسخة في شموخ فكان مستشفي ام درمان، ومستشفي النفسية المقابل والتابع له، ونادي الخريجين، ومدارس الارسالية وميدان التنس التابع لها، والمحلات التجارية علي السور الجنوبي لمسجد ام درمان الكبير خلف (مقر المعهد العلمي القديم)، وسراية الهندي (عمارة الضرائب) مقابل الارسالية، وهي من أهم معالم الشارع، الذي كانت معظم مبانيه علي نفس النسق والطراز المعماري، ومن أشهر سكانه كانت اسرة ود الأغا العريقة والهندي شاتيلال صاحب السراية وال نديم. ويتفرع من الشارع جنوبا، الشارع المؤدي لجامع الأنصار وقبة المهدي، والشارع المؤدي الي ميدان المولد ويعرف بشارع المشرحة، ويبدأ من الارسالية، وبه البوابة الشرقية لمدرسة امدرمان الاميرية ومنازل اسرة اللواء طلعت فريد، ثم الشارع المؤدي للسينما الوطنية وبه منزل اسرة ال هريدي وقهوة المصريين وبوابة السينما الشمالية، اما من الناحية الشمالية فيبدا منه شارع الخليفة الممتد الي كرري، ثم شارع يبدأ بمنزل ال نديم وبه **_اسرة الحاج أبوزيد أحمد**_ المعروفة، ثم شارع يبدأ من سراية الهندي (الضرائب) وينتهي بمنزل اسرة الخليفة سليمان، وشارع يليه ينتهي بمنزل اسرة الشيخ. محمد خالد، وشارع من ناصية نادي الخريجين ينتهي بالمحطة الوسطي عند اجزخانة ابو نخلة الشهيرة وقهوة شديد، مرورا عند بدايته بالسور الشرقي للجامع الكبير.

وبسبب قربه من مستشفي امدرمان بدأت فيه في منتصف الخمسينات انتشار عيادات الأطباء رويدا رويدا علي حساب السكان، حتي تحول أكثر من ثلثي منازل الهنود واليهود الذين هاجروا مبكرا، وتحولت الي عيادات للأطباء، ومعامل تحاليل طبية، والصيدليات (الاجزخانات)، ونذكر منهم علي سبيل المثال لا الحصر، طبيب العيون المعروف الدكتور. مكي الشيخ واطباء الأطفال أحمد صابر وفؤاد عبده، ودكتور الباطنية النور عبدالمجيد، دكتور. ابراهيم الحضري. دكتور السنهوري. دكتور عزالدين المهدي، دكتور موريس علم، دكتور أمام دوليب، دكتور زكي منصور، دكتور ملاسي، دكتور عبدالجليل محمد، دكتور المفتي، دكتور قلندر، د. عبد الفتاح موافي، د الطيب الوسيلة، د. داؤود اسكندر، د حاتم منصور حسيب، ود. خواجة اخصائي الأشعة، وعدد من المعامل منها معمل الدكتور محمد المكي امين والد بروف فيصل واخوانه، صاحب فكرة معهد سكينة لذوي الاحتياجات الخاصة الذي سماه علي اسم والدته الكريمة صاحبة المبادرة التي تبناها ابنها دكتور فيصل، ومعمل العم عوض أحمد بعيادة د. أحمد صابر، ومعمل زكريا بعيادة فؤاد عبده، وقد تميز ذاك الجيل من الأطباء بحسن الخلق وحسن المعاملة والرافة بالمرضي المحتاجين وعلاجهم بدون مقابل وبطول البال وتجويد الفحص والعلاج والحرص الكبير علي سلامة المريض.

وعن تسمية هذا الشارع، فالشارع معروف بشارع الدكاترة ولا يزال هو الاسم الأشهر، بينما سماه الزعيم الازهري في آواخر عهده بشارع (المهاتماغاندي) الزعيم السياسي الهندي المشهور بسبب ان معظم سكانه كانوا من الهنود ومن كبار التجار. والشارع وقتها لم يخلو من أنشطة تجارية اخري الي جانب العيادات و الصيدليات، مثل بعض محلات مواد البناء المعروفة ب (المغالق) وكان أكبرها محل عبدالرحمن الرحمنو، ومغلق الأخوين كامل وأمين منصور، ومحل أعمال اغا لتجارة الأجهزة الكهربائية في بدايته من الناحية الغربية، وكانت به أيضا قهوة ود الأغا الشهيرة مقابل نادي الخريجين، والذي كان مبناه وسوره وحديقته تشكل تحفة معمارية. وكانت تقام به الأنشطة السياسية المختلفة علي مدار الاسبوع والندوات والاحتفالات وايام للسينما المتجولة..

 

في منتصف الثمانينات بدا الزحف التجاري علي الشارع مع تقلص للعيادات او تحويل حيشانها الأمامية الي محلات تجارية غطت علي العيادات التي أصبحت لها ممرات فقط للداخل، مع زيادة الطلب علي المحلات التجارية، فدخلت تجارة الملابس والكماليات وكانت محلات بيع شرائط الكاسيت قد شكلت عنوانا جديدا للشارع الي ان تراجعت سريعا وحل محلها محلات الملابس والأنشطة الاخري مثل الاحذية والإكسسوارات وزاد عدد الصيدليات وأصبح الشارع ومتفرعاته من أكثر شوارع ام درمان حيوية ونشاطا تجاريا ساعد في ذلك انه ممرا لأكبر مستشفيات المدينة قاطبة وقربه من موقف مواصلات ميدان الشهداء الذي يعتبر مركز توزيع مواصلات بسبب التقاء مواصلات كرري وامبدة والفتيحاب والخرطوم وبحري بعد تراجع المحطة الوسطي امدرمان كمركز مواصلات رئيسي بسبب ضيق المكان وازدحام السوق.

. أسوة بكل منطقة فلهذا الشارع رموز سجلت اسماءها في سجل التاريخ من غير الأطباء، ففي زاوية الشارع المؤدي للسينما الوطنية كان الأخ. ابشر عبدالله، ابن امدرمان وابن مدينة بربر ينصب عدته مساء كل يوم لعمل أجمل واحلي طعمية في امدرمان، والتي يجودها باخلاصه في عملها، رغم أنها مهنة جانبية يقوم بها مساءا الي جانب عمله كمهني متخصص بمكتبة ام درمان المركزية، في تجليد الكتب بالكرتون المقوي مع إعادة وضع غلافي الكتاب، حفظا لها من التلف، كان ابشر رجلا رفيقا رقيقا لطيفا قليل الكلام، ولا يخلو حديثه من سخرية محببة وعبارات عميقة المعاني تشكل دروسا في الأدب وحسن المعاملة والمواعظ الهامة.

. العم احمد داؤود، صاحب اجزخانة امدرمان الكائن بدكاكين جامع ام درمان الكبير، عرف هذا الرجل الطويل الانيق بهمته العالية مثل قامته وحرصه علي حضور مراسيم دفن الموتي في كل مقابر أمدرمان في شرفي والبكري وحمد النيل ولا يفرط في ذلك ابدا، وحتي جنائز اموات الاخوة الاقباط كان يحرص علي حضورها.

. العم عوض أحمد، عليه رحمة الله كان فني معمل الفحوصات الطبية بعيادة الدكتور أحمد صابر وكان رجلا رقيقا لطيفا صاحب ابتسامة لا تفارقه وتحية من القلب لكل من يمر أمامه.

لا شك التطور الطبيعي للحياة وازدحام المدن المستمر قد ترك بصمته علي شارك الدكاترة الشارع الانيق النظيف الهادي ليلا ونهارا بعيدا عن ضوضاء السوق، قد تغير حاله بمرور السنوات بعد ان أصبح ممرا هاما للمركبات القاصدة والعابرة، وبعد أن طالته عمارة لا نحب وصفها بالعشوائية لحداثتها لكنها لم تكن بذات جمال القديم الذي يراعي المساحات والمسافات واللمسة الجمالية، إضافة الي إضافات غير مصرح بها وغير مرغوبة شوهت واجهات القديم المبهرة.

والي لقاء ان شاء الله ورحلة تجوال في شارع اخر من شوارع ام درمان.

زر الذهاب إلى الأعلى