أعمدة الرأي

فريق شرطة (حقوقي) د. الطيب عبدالجليل حسين يكتب تعيين وإعادة تعيين قضاة متقاعدين للعمل بعقود خاصة ومنح تفويض بسلطات أعلى لقاضي دون ترقية وتعيين مواطنين بمعيار ثقة رئيس القضاء بعقود وقرارات إدارية يصدرها رئيس القضاء(2) 

 

بداية مدخل للمقالة، لمواصلة تناول أبعاد إشكالية سلطة رئيس القضاء فى التعيين الخاص المنصوص عليها في المادة 26 من قانون السلطة القضائية 1986م تعديل 2005م، بإعادة تعيين قضاة متقاعدين بالمعاش متعاقدين بعقود خاصة للعمل قضاة في السلطة القضائية، وتعيين محاميين واساتذة كليات القانون من أعضاء هيئة التدريس بإحدى الجامعات المعترف بها أو تعيين المستشاريين القانونيين من وزارة العدل بعقود خاصة قضاة في السلطة القضائية. وبما في ذلك، تعيين منّ يثق فيه رئيس القضاء من المواطنين ذوى الخبرة والكفاءة، بتعيينه قاضياً خاصاً للمحكمة العامة أو من الدرجة الأولى أو الثانية، ومزاولة العمل القضائى فى أى محكمة جزئية تُحدد له من رئيس القضاء. وعدم جواز الطعن فى قرارات التعيين من رئيس القضاء، المنصوص عليها في المادة 27 من ذات قانون السلطة القضائية. وسلطة رئيس القضاء المنصوص عليها في المادة 17 من ذات قانون السلطة القضائية، بمنح تفويض بسلطات قضائية أعلى لبعض القضاة دون ترقية.

ومواصلة الحديث عن أبعاد اشكالات التعيين وإعادة التعيين ومنح تفويضات من رئيس القضاء بسلطات قضائية أعلى لبعض القضاة، والتي تناولتها المقالة الأولى من زاوية دستورية وفقاً للعرف الدستوري الدولي، المتمثل في المعايير الدولية لإدارة القضاء في العالم. والنصوص التشريعية لدساتير السودان المتعاقبة منذ وثيقة إعلان تقرير المصير والحكم الذاتي للسودان من الحكومة المصرية والحكومة البريطانية 12 نوفمبر 1953م، وحتى الوثيقة الدستورية الانتقالية 2019م تعديل 2025م. وتناول اشكاليات التعيين واعادة التعيين والتفويضات بسلطات أعلى من زاوية قانونية، المنظم تشريعاً وفقاً لقانون المفوضية القومية للخدمة القضائية 2005م وقانون المحكمة الدستورية 2005م وقانون القضاء الاداري 2005م تعديل 2017م.

نحاول في مساحة هذه المقالة، تناول إرتدادات التعيين وإعادة التعيين بعقود خاصة من زاوية فلسفة العدالة واستقلال القضاء، ومن زاوية نظرية دولة القانون والعدالة الدستورية. ولفائدة المهتمين والمختصين، مرئية هذه المقالة، محاولة موجزه لتناول توصيف وإعادة تعريف الدولة الحديثة وموقع الحكومة في الدولة الحديثة، من زاوية منظور القضاء الدستوري الحديث، تمييزا عن التوصيف والتعريف التقليدي لهما، الذي قدم وصفاً وتعريفاً للدولة من زاوية عناصر أركانها الثلاثة، المتمثل في ركن الاقليم (مساحة الأرض)، وصفاً له بالركن المادي للدولة. وركن الشعب، بوصفه الركن الشخصي للدولة. وركن السلطة (المتمثل في الحكومة)، بوصفها الركن المعنوي للدولة.

وفي ذات السياق، التوصيف والتعريف التقليدي للحكومة، نظراً لوظيفة الحكومة من زاوية عناصر أركانها الثلاثة، ركن السلطة التشريعية، بوصفها السلطة المعنية بالرقابة وتشريع القوانين ووضع وإجازة السياسات العامة للدولة المقدمة من السلطة التنفيذية. وركن السلطة التنفيذية، بوصفها الحكومة صاحبة السيادة في الشق السياسي كسلطة حكم لا سلطة إدارة، والحكومة الاجرائية في شق إدارة وتصريف شئون الدولة كسلطة اداره لا سلطة حكم. والسلطة القضائية، بوصفها السلطة المعنية بالفصل في المنازعات.

وبإيجاز، الفقه والقضاء الدستوري الحديث، قدم وصفاً للدولة الحديثة، والتي تقوم على أربعة أركان أساسية، لكلّ منها دور حيوي في بناء الدولة واستدامتها. ركن الإقليم، فهو يُعتبر الركن المادي للدولة، وهو المساحة الجغرافية من الأرض التي تتخذها الدولة مجالاً لسلطتها، وتحدد حدودها القانونية والسياسية، وتباشر عليها أعمال السيادة والحكم. وركن الشعب، وهو الذي يشكّل الركن الشخصي للدولة، فهو المصدر الأساسي للسلطة ومكونها البشري الذي يحق له التمثيل والمشاركة في إدارة الشأن العام. وركن السلطة، فهي التي تمثل الركن المعنوي للدولة، وتشكل الكيان الذي يمارس الوظائف الحكومية من تشريع وتنفيذ وقضاء، بما يحفظ النظام الداخلي، ويحقق سيادة الدولة. وأخيراً، الدستور الركن الرابع للدولة الحديثة، الذي يُعدّ التعبير الأعلى للسلطة والشرعية، فهو يُحدد شكل الدولة وهيكلها، ويضع القواعد التي تُنظّم العلاقة بين الأركان الثلاثة الأخرى للدولة الحديثة، ويضمن حماية الحقوق والحريات، مما يجعل من الدستور مرجعية عليا، لا يمكن تجاوزها أو مخالفتها.

وتبعاً للتوصيف وإعادة التعريف للدولة الحديثة، فهي تقوم على منظومة مؤسسية متكاملة، تُعرف بأجهزة الدولة، وهي مجموع المؤسسات والهيئات الرسمية، التي تمارس وظائف الدولة الأساسية وفق إطار دستوري وقانوني منظم، يقوم على سيادة القانون، والفصل بين السلطات، والمساءلة. ولا تمثل هذه الأجهزة مجرد هياكل تنظيمية، بل تعبيراً عن انتقال الدولة من منطق السلطة الشخصية، إلى منطق الوظيفة العامة، حيث تُمارس السلطة باعتبارها اختصاصاً مقيداً بالقانون وموجهاً لتحقيق الصالح العام

وكما في ذات السياق، الفقه والقضاء الدستوري الحديث، قدم وطرح توصيفاً وتعريفاً للحكومة في الدولة الحديثة، بإعتبار الحكومة تحتل موقعاً محورياً داخل البنية المؤسسية للدولة الحديثة، بوصف الحكومة الجهاز التنفيذي الأعلى، وحلقة الوصل بين النصوص الدستورية والتشريعية من جهة، والواقع العملي للمجتمع من جهة أخرى. وبذلك يتحدد موضع الحكومة في الدولة الحديثة، من خلال أربعة أركان متكاملة: الركن الأول؛ هو الركن السياسي الذي يمنح الحكومة الشرعية، ويوجه سياساتها العامة. والركن الثاني؛ هو الركن القانوني الذي يحدد اختصاصات الحكومة، ويقيد سلطتها بأحكام الدستور وسيادة القانون. والركن الثالث؛ وهو الركن الإداري الذي تتجسد فيه وظيفة الحكومة التنفيذية، عبر إدارة المرافق العامة، وإصدار القرارات الإدارية. والركن الرابع؛ هو الركن الرقابي الذي يفرض خضوع الحكومة للمساءلة البرلمانية والقضائية والمجتمعية، ويمنع تحولها إلى سلطة تعسفية. ما يعني ذلك، أن جميع تصرفات الحكومة في الدولة الحديثة، تخضع للدستور والقانون، وبما لا يخالف الدستور.

وبناء علية، نتناول البعديين الآخرين من زاوية فلسفة العدالة واستقلال القضاء، ومن زاوية نظرية دولة القانون والعدالة الدستورية، المتمثل في مرئيات الفقه والقضاء الدستوري عن الدولة الحديثه.

3. من زاوية فلسفة العدالة واستقلال القضاء:

———————-

ترتكز دولة القانون على أسس مؤسسية ومعيارية راسخة، تجعل من القضاء سلطة دستورية دائمة، لا وظيفة عرضية مؤقتة، ولا أداة مرتبطة بإرادة إدارية عليا. ومن هذا المنطلق، فإن اعتماد آليات مثل تعيين قضاة بعقود مؤقتة، أو إعادة استدعاء متقاعدين لممارسة القضاء دون ضمانات الاستقلال الوظيفي لولاية القضاء، أو منح سلطات محكمة عليا لقضاة أدنى دون ترقية رسمية، فضلًا عن إطلاق سلطة رئيس القضاء في تعيين أي شخص يثق فيه من ذوي الخبرة والكفاءة، ليباشر العمل القضائي في المحاكم العامة أو الجزئية، أمر يُمثل خللًا بنيويًا يمس جوهر العدالة، ويقوض استقلال القضاء.

إن مثل هذه الممارسات، لا تُهدد فقط الفلسفة الدستورية التي تجعل القضاء سلطة قائمة بذاتها، بل تُخل أيضًا بالبناء النظري والعملي لدولة القانون، عبر ثلاثة محاور رئيسية: المحور الأول، المساس بالاستقلال المؤسسي للقضاء، بما يُضعف مكانة القضاء كسلطة دستورية دائمة. المحور الثاني، إضعاف الضمانات الدستورية للعدالة، عبر تحويل القضاء إلى وظيفة إدارية قابلة للتلاعب. المحور الثالث، تشويه البنية المعيارية لدولة القانون، من خلال تقويض مبدأ الفصل بين السلطات، وإضعاف الثقة العامة في العدالة.

(1) المحور المؤسسي:

———————-

إضعاف فكرة القضاء كسلطة دستورية دائمة، واستبدال مبدأ الولاية القضائية الدائمة للقاضي، سواء بنظام تعاقدي أو تفويض استثنائي بسلطة أعلي دون ترقية، أو تعيين أي مواطن بمعيار ثقة رئيس القضاء. أمر يحوّل الوظيفة القضائية إلى علاقة عمل قابلة للإنهاء والتوجيه الاداري من رئيس القضاء، لا ولاية مستقلة محمية دستوريًا.

إذ أن تعيين قضاة بعقود شخصية وعقود خاصة بولاية قضاء كاملة، تُحدث خللًا في بنية السلطة القضائية، لأنها تقوّض معيار الاستقلال الوظيفي، فحينها يصبح استمرار القاضي المتعاقد والمواطن المعين بمعيار ثقة رئيس القضاء، هو تعيين وإعادة تعيين ومنح تفويضات بسلطة أعلى مشروطً برغبة الإدارة القضائية في شخص رئيس القضاء، وتضعف معيار الحياد القضائي، لأن العقود المؤقتة والتعيين بمعيار ثقة رئيس القضاء، لا تعادل ولاية قضائية دائمة محمية بضمانات دستورية. فلا يمكن مساواة عقد وظيفي مؤقت أو تفويض استثنائي أو تعيين بمعيار ثقة رئيس القضاء بولاية قضائية دائمة محمية بضمانات دستورية.

فالقاضي المتعاقد، وكذلك القاضي الأدنى الذي يُمنح سلطات أعلى دون ترقيته رسميًا، والقاضي المعين بمعيار ثقة رئيس القضاء، عند ممارسة أي منهم مهامهم القضائية، يفتقدون إلى الشرط البنيوي للحياد. ذلك، لأن تولي الولاية القضائية لديهم، لا ينبع من استحقاق وظيفي متوافق مع القانون، بل نتيجة قرار إداري فردي من رئيس القضاء. وهذا يخلق فجوة واضحة؛ فبالنسبة للقاضي المتعاقد، تنشأ الفجوة بين السلطة القضائية التي يمارسها وبين أطر التعيين الرسمية، حيث يتم تعيينه بموجب عقد خاص محدد المدة والسلطة. أما بالنسبة للقاضي الأدنى بسلطات أعلى، فالفجوة تكمن بين الرتبة القضائية الفعلية التي يشغلها وبين الصلاحيات المخولة له مؤقتًا أو إداريًا. والقاضي المعين بمعيار ثقة رئيس القضاء، تعيين مخالف لشروط التعيين المقررة في القانون.

وبالتالي، هذه الفجوات البنيوية، تؤثر سلبًا على مبدأ حياد القضاء، وثقة المجتمع في شرعيته.

(2) المحور الوظيفي الإجرائي:

———————-

يتمثل الخلل الوظيفي والإجرائي في إرباك هرم التقاضي والسلم القضائي الطبيعي، حيث تُمارَس سلطات النقض والمراجعة والفحص والاستئناف من قضاة خارج الخدمة القضائية الدائمة، كما تُمارَس سلطات أعلى دون ترقية رسمية إلى تلك الدرجة القضائية. ويؤدي ذلك إلى تهشيم مبدأ التراتبية المهنية والاختصاص، ويُحدث تضاربًا في الصلاحيات وتداخلًا في الأدوار.

كما أن ممارسة ولاية القضاء دون استيفاء شروط التنظيم التشريعي لتولي ولاية القضاء، من خلال تعيين قضاة على أساس معيار الثقة الشخصية لرئيس القضاء، يُمثل انحرافًا عن الضوابط المؤسسية، ويُضعف البناء المعياري لدولة القانون، بما ينعكس سلبًا على استقلال القضاء وفاعلية النظام القضائي.

(3) المحور القيمي الشرعي:

———————-

يمثل المحور القيمي الشرعي، أحد أبرز جوانب الخلل البنيوي في استقلال القضاء، حيث تتعرض الشرعية القضائية والعدالة الدستورية لتهديد مباشر. إذ تصبح الأحكام الصادرة عن دوائر الاستئناف أو النقض أو المراجعة أو الفحص التي تضم قضاة متعاقدين، أو تلك الصادرة عن قضاة مُنحت لهم سلطات أعلى دون ترقية رسمية، أو حتى الأحكام التي يصدرها مواطنون عُيّنوا بمعيار الثقة الشخصية لرئيس القضاء لتولي مهام قضاة محكمه عامة أو درجة أولى أو ثانية أو ثالثة، تبقى أحكامًا محلّ شك في مشروعية تشكيلها وسلامة إجراءاتها، بما ينعكس سلبًا على ثقة المجتمع في حياد القضاء، ونزاهته واستقلاله.

إن الجمع بين التعيين التعاقدي، ومنح سلطات محكمة عليا لقضاة أدنى درجة، إلى جانب تعيين مواطنين بمعيار الثقة الشخصية لرئيس القضاء لمباشرة العمل القضائي في المحاكم العامة أو الجزئية، يُنتج نموذجًا قضائيًا خارج الفلسفة القانونية الحديثة، التي تربط الوظيفة القضائية بالولاية العامة للدولة، لا بالولاء الإداري لرئيس القضاء. وهذا النموذج، يُخل بمنظومة العدالة الدستورية القائمة على الاستقلال والحياد والشرعية، ويُحدث اضطرابًا في السلم القضائي الطبيعي عند تجاوز مسار التعيين والترقي المؤسسي الراسخ.

وبالتالي، فإن وجود قضاة معينين بعقود خاصة، وقضاة متقاعدين يعملون بعقود مؤقتة، إلى جانب قضاة أدنى درجة مُنحت لهم سلطات أعلى من رتبهم الرسمية، أو مواطنين مُعيّنين بمعيار ثقة رئيس القضاء، سواء شارك هؤلاء في دوائر المحكمة العليا، أو دوائر الاستئناف، أو أصدروا أحكامًا قضائية، يُحدث خللًا واضحًا في المعايير الأساسية للعدالة القضائية، ويتجلى ذلك في ثلاثة محاور رئيسية:

(1) معيار الاستقلال الوظيفي:

———————-

إن القضاة المتعاقدين، والقضاة الأدنى درجة الذين مُنحت لهم سلطات أعلى، والمواطنين المُعيّنين بمعيار الثقة الشخصية لرئيس القضاء، يعتمد وجودهم على إرادة رئيس القضاء، مما يقلل من استقلالهم الذهني والنفسي. إذ يصبح تجديد عقودهم أو استمرار مناصبهم كقضاة، مرهونًا بالأداء الذي يراه الجهاز الإداري مرغوبًا، وهو ما قد يؤثر على قراراتهم القضائية وحريتهم المهنية.

(2) معيار الحياد القضائي:

———————-

لا يمكن مساواة عقد وظيفي مؤقت، أو سلطة استثنائية تُمنح لقاضٍ أدنى درجة، أو لمواطن مُعيَّن بمعيار الثقة الشخصية لرئيس القضاء، معادلتها بالولاية القضائية الدائمة المحمية بضمانات دستورية. فغياب الصفة الرسمية، والتدرج القانوني السليم، يُضعف مبدأ الحياد، ويُثير شكوكًا جدية حول نزاهة القرارات الصادرة عن هذه الفئة من القضاة، ويجعلها عرضة للتشكيك في استقلالها ومصداقيتها.

(3) معيار الشرعية القضائية:

———————-

إن مشاركة القضاة المتعاقدين، أو القضاة الأدنى درجة ممن مُنحت لهم سلطات أعلى، أو المواطنين المُعيّنين بمعيار الثقة لرئيس القضاء، سواء في دوائر الاستئناف أو النقض أو المراجعة أو الفحص في المحكمة العليا، أو إصدارهم لأحكام قضائية، يعرض تلك الأحكام للطعن بعدم الشرعية، أو فقدان المشروعية الإجرائية. ذلك، لأن توليهم السلطة القضائية، لم يتم وفق الترتيب القانوني الرسمي، أو التدرج المؤسسي المعتمد في شروط التعيين والترقي.

(رابعاً): من زاوية نظرية دولة القانون والعدالة الدستورية:

———————-

تفترض العدالة القضائية في دولة القانون، وضوح شروط تولي القضاء، وثبات شروط خروج القاضي من الخدمة، واحتكار الدولة لسلطة الولاية القضائية، باعتبارها سلطة دستورية دائمة، لا إعتبارها وظيفة إدارية مؤقتة. إلا أن الممارسات الراهنة ــ من إدخال قضاة بعقود مؤقتة، أو منح سلطات عليا لقضاة أدنى دون ترقية رسمية، أو تعيين مواطنين بموجب معيار الثقة الشخصية لرئيس القضاء ــ تقوّض هذه الفلسفة، وتُحدث خللًا جوهريًا في بنية العدالة الدستورية. نظراً لها، من زاوية الإعتبارات الآتية:

(1) وضوح شروط تولي ولاية القضاء:

———————-

ولاية القضاء في دولة القانون، ليست وظيفة عامة تُكتسب بعقد إداري أو قرار إداري، بل ولاية القضاء منصب دستوري، تُؤسس شرعيته على إجراءات تعيين معلنة، وثابتة، وخاضعة للرقابة المؤسسية والقضائية، وتستند إلى الشروط المهنية والأخلاقية التي يحددها القانون. وبالتالي، إدخال قضاة بعقود مؤقتة، أو تفويض سلطات عليا خارج آلية التعيين الطبيعية، أو تعيين مواطنين بمعيار ثقة رئيس القضاء، يُحوّل المنصب القضائي إلى قرار إداري، لا إلى ولاية قضائية دستورية، ويضرب في عمق الفصل بين ولاية القضاء والإدارة، ويُحوّل القضاء إلى وظيفة حكومية خاضعة للإرادة الإدارية.

(2) ثبات شروط انتهاء خدمة القاضي:

———————-

الأساس الفلسفي لاستقلال القضاء وحياده وفقاً للمعايير الدولية الكونية، يفترض أن خروج القاضي من الخدمة يخضع لضوابط محمية دستوريًا مثل بلوغ السن أو الاستقالة أو العزل بقرار قضائي مستقل، لا بانتهاء عقد أو بإرادة رئيس القضاء. أما القاضي المتعاقد أو القاضي المفوض بسلطات أعلى دون ترقية، أو المواطن المُعيّن بمعيار الثقة من رئيس القضاء، فإن استمرارهم في المنصب مرهون بقرار إداري فردي، مما يُنشئ علاقة تبعية شخصية للقاضي مع رئيس القضاء، مما يهدد استقلال وحياد القاضي، وتفتح فجوة بين الشرعية القضائية والانضباط الإداري.

(3) استقرار الوظيفة القضائية وشرعيتها:

———————-

تفترض العدالة الدستورية، أن القاضي الذي يتولى الفصل في أعلى درجات التقاضي، يجب أن يكون جزءًا راسخًا من البنية الدستورية للقضاء، لا مجرد عنصر عارض يرتبط بعقد مؤقت أو بسلطات تفويض أو بثقة شخصية من رئيس القضاء. وإشراك القضاة المتعاقدين أو المفوضين بسلطات أعلى أو المواطنين المعيّنين بمعيار الثقة الشخصية لرئيس القضاء، بمباشرة ولاية القضاء، سواء في تشكيل الدوائر العليا (الاستئناف، النقض، المراجعة، الفحص)، أو إصدار أحكام قضائية، أمر يهدد شرعية الأحكام القضائية، ويجعلها عرضة للطعن بعدم الشرعية الإجرائية أو الموضوعية، مما يزعزع الاستقرار القانوني، ويضعف مكانة المحكمة العليا كمرجع نهائي للعدالة.

(4) مركزية القضاء داخل بنية الدولة الحديثة:

———————-

تقوم نظرية العدالة الدستورية على وضع القضاء في قمة هرم السيادة القانونية، باعتباره الضامن الأعلى لشرعية الدولة. إلا أن نظام القضاة المتعاقدين، والقضاة المفوضين بسلطات أعلى دون ترقية، والمواطنين المعيّنين بمعيار الثقة من رئيس القضاء، يهبط بالقضاء إلى مستوى الإدارة التنفيذية الداخلية، ويؤدي إلى نشوء طبقة جديدة من (قضاة بلا ولاية دستورية)، أقرب إلى ملامح الأنظمة القانونية الهجينة أو الانتقالية، لا إلى الأنظمة القانونية المستقرة.

والأنظمة القانونية الهجينة Hybrid Legal Systems؛ هي أنظمة تجمع بين عناصر متناقضة أو غير متجانسة من أكثر من نموذج قانوني. ومثال ذلك: نظام يجمع بين قواعد القانون العرفي المحلي، وبعض مبادئ الشريعة الإسلامية، وأحكام القانون الوضعي المستمد من النموذج الأنجلوسكسوني أو اللاتيني. هذا المزج قد يكون نتيجة تاريخ استعماري، أو مرحلة انتقالية سياسية، أو محاولة للتوفيق بين مصادر شرعية متعددة. والنتيجة هي غياب الانسجام البنيوي، وظهور ثغرات في الشرعية القضائية، حيث لا تكون هناك تراتبية واضحة أو فلسفة موحدة للولاية القضائية.

أما الأنظمة القانونية الانتقالية Transitional Legal Systems؛ فهي أنظمة قانونية، تعمل في سياق مرحلة انتقال سياسي أو دستوري، مثل الانتقال من حكم عسكري إلى حكم مدني، أو من نظام سلطوي إلى نظام ديمقراطي. وتتميز هذه الأنظمة، بوجود ترتيبات مؤقتة، مثل تعيين قضاة بعقود، أو منح سلطات استثنائية، أو إنشاء محاكم خاصة. والهدف عادة هو سد الفراغ المؤسسي، لكن الخطر أن هذه الترتيبات، قد تتحول إلى قاعدة دائمة، فتُضعف استقلال القضاء وتُشوّه فكرة دولة القانون.

وبينما الأنظمة القانونية المستقرة Stable Legal Systems؛ فهي الأنظمة القانونية التي تقوم على بنية دستورية راسخة، حيث تكون شروط تولي القضاء واضحة ومعلنة، وتتم وفق إجراءات قانونية ثابتة. كما أن خروج القاضي من الخدمة، يخضع لضوابط محمية دستوريًا، مثل بلوغ سن التقاعد أو العزل بقرار قضائي مستقل. في هذه الأنظمة القانونية، يُمارس القضاء سلطاته كسلطة دستورية دائمة، لا كوظيفة إدارية مؤقتة، ويكون مبدأ الفصل بين السلطات محميًا دستورياً، والتراتبية القضائية واضحة، والولاية القضائية محصورة في مؤسسات الدولة الرسمية، لا في إرادة فردية. والنتيجة هي استقرار قانوني، وثقة عامة في العدالة، وشرعية دستورية متماسكة.

و الخلاصة، الأنظمة القانونية الهجينة والانتقالية، تعكسان حالة عدم الانسجام أو المؤقتية في ممارسة ولاية القضاء، حيث تُمارس السلطة القضائية بترتيبات غير دستورية أو غير مستقرة، مما يُضعف الشرعية، ويُربك السلم القضائي. وأما الأنظمة القانونية المستقرة Stable Legal Systems، فتعكس دولة القانون بمعناها الكامل، حيث القضاء سلطة دستورية دائمة ومستقلة ومحمية بضمانات قانونية، ويُمارس القاضي وظيفته في إطار تراتبية واضحة وشرعية راسخة.

(5) الأثر على سيادة القانون:

———————-

تقوم سيادة القانون على مبدأ أساسي، هو أن القانون يسمو على الأشخاص، وأن الشرعية تُستمد من النصوص الدستورية والتشريعية، لا عبر الوساطة الفردية أو الإرادة الشخصية، بل عبر الدستور والولاية العامة للقضاء للدولة المحددة في الدستور. إلا أن نموذج القاضي المتعاقد، والقاضي الأدنى درجة الممنوح له سلطات أعلى دون ترقية رسمية، والمواطن المُعيّن بمعيار الثقة الشخصية لرئيس القضاء، يُحوّل سلطة رئيس القضاء إلى مصدر مباشر للولاية القضائية، بحيث تُنشأ المناصب القضائية بقرارات فردية، لا بقرارات دستورية.

وهذا الوضع، يقلب طبيعة سيادة القانون رأسًا على عقب، إذ يجعل منصب رئيس القضاء أعلى من النصوص التشريعية ذاتها، ويُحوّل القضاء من سلطة دستورية دائمة، إلى وظيفة إدارية مرتبطة بإرادة شخصية. وهو ما يتعارض جذريًا مع فلسفة الدولة القانونية، التي تجعل القانون وحده مصدر الشرعية، وتُرسّخ مبدأ الفصل بين السلطات، وتُحصّن استقلال القضاء، باعتباره الضامن الأعلى للعدالة الدستورية.

ونواصل، للحديث بقية، نتناول فية حال مشروعية الوضع في السودان، مقارنة مع المعايير الدولية والأنظمة القانونية الراشده، وتجارب بعض الدول.

فريق شرطة (حقوقي)

د. الطيب عبدالجليل حسين محمود

المحامي استشاري القانون والموثق

 26 ديسمبر 2025م

زر الذهاب إلى الأعلى