حدود المنطق اسماعيل جبريل تيسو يكتب والي الخرطوم… حين ينزل المسؤول إلى نبض الشارع..

لا أدري مصادفة هي، أم تخطيط استراتيجي، أن يكون كل يوم جمعة مخصصاً لحراك سياسي واجتماعي يقوم به والي الخرطوم الأستاذ أحمد عثمان حمزة بتفقد المواطنين في إحدى المحليات أو الوحدات الإدارية أو حتى إحدى القرى والمناطق التابعة لولاية الخرطوم، ومهما كانت الفرضية فإن الخطوة تأتي في زمنٍ باتت فيه المسافة بين المسؤول والمواطن تتسع، ولكن والي الخرطوم أرادها غير ذلك مشكلاً استثناءً لافتاً، لا من حيث الشكل فقط، بل من حيث الفلسفة الإدارية ذاتها، فتخصيص يوم الجمعة (يوم الراحة الأسبوعية)، للنزول الميداني إلى المحليات والوحدات الإدارية النائية، يمثل رسالة عميقة الدلالة مفادها أن المسؤولية الحقيقية لا تُمارس من خلف المكاتب وحدها، فبينما تُخصص بقية أيام الأسبوع للإجراءات المكتبية، واتخاذ القرارات، ومتابعة الملفات الإدارية، يختار الوالي أن يجعل من يوم راحته موعداً ثابتاً للوقوف على أحوال المواطنين، والاستماع إلى شكاواهم مباشرة، ومعاينة واقع الخدمات بلا وسائط أو تقارير منقوصة، وهي مقاربة تعيد الاعتبار لفكرة الحُكم الميداني، حيث تُصاغ السياسات من واقع المعاناة لا من افتراضات بعيدة عن الأرض.
ويحدثنا لسان تجربة الحرب أن الأستاذ أحمد عثمان حمزة، قد ضرب مثالاً نادراً للمسؤول الذي لم يغادر موقعه، خلال واحدة من أقسى الفترات التي مرت بها البلاد، حيث لم يبحث عن ملاذ آمن، بل صبر ورابط مع المواطنين داخل ولاية الخرطوم في ذروة الحرب وفي بواكير القتال، حين كانت ميليشيا الدعم السريع تسيطر على نحو 90 بالمائة من ولاية الخرطوم، وحيث كانت زخات الرصاص تُُطلق عشوائياً على الأحياء، فظل الوالي في الميدان، يتنقل بين المواقع، ويُدير الأزمة في ظروف بالغة التعقيد، ولم يكن هذا الثبات موقفاً شخصياً فحسب، بل تحول إلى عامل معنوي بالغ الأثر في نفوس المواطنين، الذين وجدوا في بقاء واليهم بينهم رسالة طمأنينة، ودليلاً على أن الدولة رغم الجراح لم تنسحب من المشهد، قطعاً أسهم الحضور الصابر للوالي ( عثمان) في تعزيز الثقة، وترسيخ فكرة أن القيادة ليست خطاباً في المنابر، بل مشاركة فعلية في الخطر والمعاناة.
وعقب تطهير الخرطوم من يدي ميليشيا الدعم السريع الآثمة، وإعلانها خالية من التمرد، انتقل الوالي أحمد عثمان حمزة، وفريق عمله سريعاً من مربع الصمود إلى مربع البناء واستعادة الحياة، فبذلوا جهوداً مكثفة لبسط الخدمات الضرورية، وفي مقدمتها المياه والكهرباء وإعادة تأهيل الطرق، باعتبارها شرايين الحياة لأي عاصمة تسعى للتعافي، ولم تغب الجوانب الإنسانية عن هذه المقاربة، حيث حظيت المطابخ المجانية (التكايات) بدعم واضح لتأمين الغذاء للفئات الأكثر تضرراً، وبالتوازي مع ذلك، شرعت السلطات المختصة في إزالة المخاطر الأمنية المرتبطة بالسكن العشوائي، وتنظيم حملات مداهمة واسعة بالتنسيق مع الشرطة والقوات المشتركة، بهدف تجفيف البؤر الإجرامية، وملاحقة الخلايا النائمة، واسترداد منهوبات المواطنين، ولم تكن هذه الإجراءات أمنية صِرفة، بل جزءاً من رؤية شاملة لإعادة فرض هيبة الدولة، وربط الأمن بالخدمة، والاستقرار بالعدالة.
إن قراءة هذه الجهود مجتمعة تفتح الباب واسعاً لتحليل أعمق لمستقبل ولاية الخرطوم في ظل وجود مسؤول بهذه الصفات والمواصفات، ذلك أن النموذج الذي يقدمه أحمد عثمان حمزة يقوم على ثلاثة أعمدة، أولها القرب من المواطن، وثانيها الثبات في الأزمات، وثالثها السرعة في الانتقال من الحرب إلى البناء، وإذا ما كُتب لهذه الروح الاستمرارية، وتوفرت لها الأدوات والموارد، فإن الخرطوم مرشحةً لأن تتحول من رمز للدمار إلى نموذج للتعافي والإدارة الرشيدة، فالأوطان لا تُبنى بالشعارات، بل بمسؤولين يضعون أقدامهم في الطين، ويقدمون وقتهم وراحتهم ثمناً لكرامة المواطن ومستقبل الدولة، فشكراً أحمد عثمان حمزة، وفريق عمله المعاون، قداااااااام.


