شيء للوطن م.صلاح غريبة يكتب السودان: حين تغتال الرصاصة درع الوقاية

Ghariba2013@gmail.com
يطل علينا اليوم الدولي للتأهب للأوبئة (27 ديسمبر) هذا العام، والمنظومة الصحية العالمية تحاول لملمة جراح ما بعد “كوفيد-19″، لكن في بقعة غالية من عالمنا، وتحديداً في السودان، يبدو الحديث عن “التأهب” ضرباً من الترف في ظل واقعٍ يطحنه النزاع. إن ما يحدث في السودان اليوم ليس مجرد حرب سياسية أو عسكرية، بل هو “زلزال صحي” يضرب أساسات الأمن الحيوي الإقليمي، ويجعل من فكرة الاستعداد للأوبئة معركة خاسرة قبل أن تبدأ.
بينما يضع العالم بروتوكولات للإنذار المبكر، يواجه السودان انهياراً شبه كامل في بنيته التحتية. الأرقام لا تكذب؛ فقد خرجت أكثر من 80% من المرافق الصحية عن الخدمة في مناطق النزاع، وتحولت المستشفيات التي كانت يُفترض أن تكون خط الدفاع الأول ضد الأوبئة إلى ثكنات أو أطلال.
إن “التأهب” يتطلب ثلاثة أعمدة رئيسية: الرصد، والكوادر، والإمداد. وفي السودان، نجد أنه في نظم الرصد تعطلت شبكات الإبلاغ عن الأمراض المعدية، مما يجعل “العدو المجهرِي” يتحرك بحرية دون رقيب، ومن ناحية الكوادر البشرية، تعرض الأطباء والفرق الطبية للنزوح، القتل، أو الاختطاف، مما أفرغ البلاد من عقولها الصحية، وفي حالة سلاسل الإمداد تم انقطاع التيار الكهربائي ونهب المخازن دمر “سلسلة التبريد” الضرورية لسلامة اللقاحات والأدوية الحساسة.
الحرب في السودان لم تكتفِ بتعطيل الاستعداد، بل خلقت بيئة مثالية لانتشار الأوبئة. نزوح الملايين إلى مخيمات تفتقر لأدنى مقومات الصرف الصحي، وتلوث مصادر المياه، جعلا من أمراض مثل الكوليرا، وحمى الضنك، والملاريا تتفشى بمعدلات قياسية.
“إن استمرار الحرب يقوض أي فرصة للتعافي الصحي؛ فالسودان يواجه اليوم أسوأ تفشٍ للكوليرا منذ سنوات، وسط عجز دولي عن الوصول الآمن للمتضررين.”
بمعنى آخر، الحرب هي “الوباء الأكبر” الذي يغذي كل الأوبئة الأخرى؛ فهي تكسر درع المناعة المجتمعية عبر سوء التغذية الحاد الذي طال ملايين الأطفال والنساء، مما يجعل أجسادهم أرضاً رخوة لأي فيروس أو بكتيريا عابرة.
رسالة إلى الضمير العالمي : في هذا اليوم الدولي، يجب أن يدرك المجتمع الدولي أن الأوبئة لا تعترف بالحدود ولا بتأشيرات الدخول. إن ترك النظام الصحي السوداني ينهار هو بمثابة فتح “صندوق باندورا” وبائي قد يمتد أثره إلى القارة بأكملها.
لا يمكن الحديث عن تأهب عالمي للأوبئة بينما تُقصف المستشفيات في الخرطوم والفاشر، ولا يمكن ضمان أمن صحي دولي بينما يفتقر ملايين النازحين السودانيين لجرعة لقاح أو شربة مياه نظيفة.
الخلاصة: التأهب للأوبئة في السودان يبدأ بـ وقف إطلاق النار. فالرصاصة التي تخترق جدار المستشفى هي ذاتها التي تفتح ثغرة في جدار الحماية العالمي ضد الجوائح القادمة. إن إنقاذ السودان صحياً ليس عملاً خيرياً، بل هو ضرورة استراتيجية لحماية البشرية جمعاء.


