الحردلوا ينام على الطين ويحلم بالذهب ( تامل فى ديوان سندباد فى بلاد السجم والرماد ) بقلم : كابتن محمد حسن الطاهر

يبرز في فضاء الشعر السوداني اسم الحردلو كأيقونة فريدة، لا لأنه شاعر فحسب، بل لأنه كان سندبادًا حقيقيًا،
– يركب بحور المعاني
– ، ويغوص في لجج السياسة،
– ويعود إلينا كل مرة بحكاية، وجرح، وأمل.
في ديوانه _”سندباد في بلاد السجم والرماد”_ ، تتجلى عبقرية الحردلو في قدرته على تحويل الواقع السياسي إلى أسطورة شعرية، وعلى رسم ملامح وطنٍ يتأرجح بين الحلم والانكسار.
*🧭 الرحّالة في خرائط الوطن*
سندباد، في التراث العربي، هو
– الرحّالة الذي لا يهدأ،
– الباحث عن المعنى في المجهول،
– والمغامر الذي لا تمنعه العواصف من الإبحار.
وقد استعار الحردلو هذه الرمزية ليجعل من نفسه سندبادًا سودانيًا، لا يركب البحار، بل يركب السياسة، ويجوب “بلاد السجم والرماد” بحثًا عن وطنٍ يستحق الحياة.
في هذا السياق، تتحول “بلاد السجم والرماد” من مجرد وصف شعري إلى *صفة وموصوف*:
– “السجم” هو الحزن،
– و”الرماد” هو ما تبقى من احتراق الأحلام.
إنها صورة لبلدٍ أنهكته الصراعات، وأحرقته الخيبات، لكنه لا يزال حيًا في وجدان الشعراء.
*🧨 بين اليسار والدبلوماسية:
الحردلو لم يكن شاعرًا منعزلًا عن قضايا وطنه، بل كان في قلب المعادلة السياسية. جمع بين
– *اليسار* كفكر،
– و *الدبلوماسية* كوظيفةٍ تتطلب التوازن واللباقة.
هذا التناقض الظاهري لم يكن ضعفًا، بل مصدر قوة. فقد استطاع أن يُلبس القصيدة :
– ثوبًا دبلوماسيًا حينًا،
– وثوبًا ثوريًا حينًا آخر،
دون أن يفقد صدقه أو انحيازه .
*💃 الحردلو العابر للثقافات*
في شعر الحردلو، نجد إشارات إلى
– *اللغة الإسبانية* ، وعبارات مثل _”سينيوريتا”_ ،
– حبٍ للمكسيك،سينيوريتا مكسيكية مية المية ..
وكأن الشاعر كان يكتب من قلب الخرطوم بروحٍ لاتينية.
هذه النزعة العابرة للثقافات لم تكن ترفًا لغويًا، بل كانت تعبيرًا عن
– *انفتاح الحردلو على العالم* ،
– رغبته في أن يرى السودان جزءًا من الإنسانية، لا جزيرة معزولة في بحرٍ من الرماد.
*📖 ديوان سندباد وثيقة شعرية سياسية*
ديوان _”سندباد في بلاد السجم والرماد”_ ليس مجرد مجموعة قصائد، بل هو *وثيقة سياسية شعرية* ،
– تسجل تحولات السودان،
– وتفضح تناقضاته،
– وتبكي على أطلاله،
– وتغني لأحلامه المؤجلة.
فيه نقرأ عن :
– الوطن الذي “يأكل أبناءه”،
– الشعب الذي “ينام على الطين ويحلم بالذهب”.
*🔄 من الحردلو إلى اليوم*
منذ زمن الحردلو وحتى اليوم، تغيّرت الوجوه، وتبدّلت الشعارات، لكن بقيت بعض *الثوابت :
– الحلم بوطن عادل،
– والحنين إلى الحرية،
– والخذلان من السياسة.
أما *المتغيرات* ، فهي
– أدوات القمع، وأسماء الطغاة، وأشكال الخداع.
لكن ظل الشعر، كما كان دائمًا :
– *المرآة الصادقة* ،
– والسندباد الذي لا يتعب من الإبحار، حتى في بحار السجم والرماد.
—
*✨ خاتمة:
مات الشاعر وبقى الشعر :
الحردلو لم يكن شاعرًا عاديًا، بل كان *ضميرًا شعريًا سياسيًا* ، يكتب من قلب النار، ويغني في زمن الصمت.
وسندباد الذي أبحر في بلاد السجم والرماد، لم يكن يبحث عن كنز، بل عن وطن.
وها نحن اليوم، بعد كل هذه السنوات، لا نزال نقرأه، لا لنسترجع الماضي، بل لنفهم الحاضر، ونحلم بمستقبلٍ لا يكون فيه السجم والرماد عنوانًا للبلاد بل صحوة لنهضة حقيقية لاسم السودان يقوم بها الجميع من اليسار الى اليمين


