أعمدة الرأي

صدقك وهو كذوب عندما يكون الصدق هوية  بقلم : كابتن محمد حسن الطاهر 

 

في عالم تتداخل فيه الأقوال بالأفعال، وتتشابك فيه الظواهر بالحقائق، تبرز مفارقة عجيبة:

 

أن يصدر الصدق عن كذوب، وأن يُكذَّب الصادق الأمين.

 

إنها مفارقة تكشف عن خلل في ميزان الوعي، واضطراب في معايير الحكم، وتدفعنا للتأمل في العلاقة بين :

– القول والقائل،

– الحقيقة ومن ينطق بها.

 

*🌟 خاتم الرسل وصديقه الصدّيق*

 

لقد كان النبي محمد ﷺ يُلقب قبل البعثة بـ”الصادق الأمين”، لما عُرف به من صدق الحديث وأمانة السلوك. ومع ذلك، حين صدع بالحق، كذّبه قومه، رغم أنهم لم يجدوا عليه كذبًا قط.

وفي المقابل، كان أول من صدّقه هو صاحبه أبو بكر الصدّيق، الذي لمو يحتج إلى برهان أو معجزة، بل قال كلمته الخالدة:

– *”إن كان قال فقد صدق.”*

 

هنا تتجلى قيمة الصدق لا في القول وحده، بل في الثقة بالقائل، وفي نقاء القلب الذي يميز الحق حين يسمعه، ولو جاء من فمٍ طالما كُذّب.

 

*🎭 صدق القول وكذب القائل*

 

قد يقول الكاذب صدقًا، لكن صدقه لا يُثمر، لأن القائل فقد رصيده الأخلاقي.

 

فالكلمة الصادقة تحتاج إلى حامل صادق، وإلا ضاعت في زحام الشكوك.

 

فاعلية القول و*معادلة النسبة والتناسب :

 

– فكلما زادت فجوة التناسب بين القول والقائل،

– كلما ضعفت فاعلية القول، حتى وإن كان صادقًا.

 

فالكلمة الصادقة من فم كذوب، كدواء في وعاء ملوث، لا يُؤتمن على الشفاء.

 

*⚖️ القيمة والتكلفة*

 

الصدق له *قيمة* لا تُقاس، لكنه في كثير من الأحيان يأتي *بتكلفة* باهظة.

لقد دفع النبي ﷺ ثمن صدقه اضطهادًا ونفيًا وحروبًا، لكنه لم يتراجع، لأن الصدق عنده ليس خيارًا، بل هوية.

أما الكذوب، فحتى إن نطق بالحق، فلا يدفع شيئًا، لأنه لا يملك شيئًا يخسره.

 

وهنا يظهر الفرق بين من يدفع ثمن الصدق، ومن يربح بالكذب.

 

*🕰️ الحاضر والتاريخ*

 

في *الحاضر* ، قد يُخدع الناس ببريق الكلمات، وقد يُصدَّق الكذوب لأنه يملك أدوات التأثير، أو لأنه يقول ما يوافق الأهواء. لكن *التاريخ* لا يرحم.

 

فالتاريخ لا يُخلّد إلا الصادقين، ولا يذكر الكذبة إلا في سياق العار.

لقد كُذّب النبي في حياته، لكنه اليوم يُذكر في العالمين بالصادق الأمين.

وكثير من الكذبة صدّقهم الناس في زمانهم، ثم فضحهم التاريخ، وأسقط عنهم أقنعتهم.

 

*✨ خاتمة*

 

الصدق لا يُقاس بسطحية القول، بل بعمق القائل.

والمجتمعات التي تخلط بين صدق العبارة وصدق صاحبها، تُهدد نفسها بالضياع، لأنها تضع الثقة في غير موضعها، وتُعلي من شأن من لا يستحق.

فلنُعد النظر في معاييرنا، ولنُحسن التمييز بين من “يصدقك وهو كذوب”، ومن “يُكذَّب ( بتشديد حرف الذال ) وهو الصادق الأمين”.

 

فالحقيقة لا تكتمل إلا حين تخرج من قلب صادق، ولسان نقي، وسيرة تشهد لها الأيام.

زر الذهاب إلى الأعلى