أعمدة الرأي

أُسَيْدياتُ الثُلاثاء عثمان الشيخ الأُسيد يكتب مجهولٌ في الأرض مشهورٌ في السماء

 

سبق أن كتبت عن الشيخ المهندس محمد المقمري، المتوفي في 26 نوفمبر 2025م في إحدى مجموعات الواتساب، لكن الكتابةَ على الواتساب كالكتابةِ على الرِمال، سرعان ما تختفي، كما أن الإنسانَ ينسى بسرعة رهيبة، والحمدالله على نعمة النسيان. ومن عَجَبِ شأْنِ مشاهيرِ السماءِ، أنهم مجهولون في الأرض.

قبل ستةِ اشهر- تقريبا- وبينما كنت أمارسُ هوايتي في مشاهدةِ الأفلام الوثائقية، والمحاضرات الدينية والعلمية ومتابعة البود كاست التي تُجرى مع الناجحين، يحكون فيها قصص نجاحاتهم وكيف استفادوا من الشدائد وأصبحوا أقوياء، حتى اصبح النجاحُ بالنسبة لهم عادة.

إنَّ البرامج التي تحكي قصصَ الناجحين تُعلم الإصرارَ والصبرَ، وأن ليس هناك مستحيل وأن لكل تحدٍ حلولًا وليس حلًا واحدًا، فقد سمعت كلماتهم المتفائلة، ومفرداتهم الإيجابية، يقولون للمشكلة (تحدي) وللفشــل (محاولة) وللسقوط ( درس) وللتعثر( تصحيح) و يعتبرون النجاح قمةً تتبعه قممٌ. إنهم يؤمنون بهذه الكلمات ويعرفون أهميتها ومدى تأثيرها الإيجابي على طريقة تفكيرهم فيفعلوها لتصبح أسلوبَ حياةٍ لهم، وهذه هي النقطة الفارقة، فتشبهوا بهم، إن لم تكونوا مثلهم، إنَّ التشبهَ بالكرام فلاحٌ.

ثم فجأة يطل على الشاشة مقطعُ فيديو لشخصٍ بسيط في مظهره، بسيط في مجلسه، بسيط في أسلوبه. يشرح القرآنَ بطريقةٍ فريدة، كأنَّه يخاطبُ الروحَ، لأول مرةٍ أُشاهده ولأول مرة استمع لمثل هذا القول، ولأول مرة أرى هذا البعد القرآني المدهش. كلما استمعتَ إليه تزداد قناعةً أنك تقف أمام شخصية نادرة، هو- فعلًا- نسيجُ وحده. لم استغرب ظهورَه في حسابي، فهذا هو الكون وتناغمه، الأشياء يستدعي بعضُها البعض، وتزامن الخواطر الداخلية مع الأحداث الخارجية حقيقة أنا مؤمنٌ بها، ولي مواقفُ وتجاربُ كثيرةَ مع هذا التزامن، لكن الشيء الذي استفزني هو عدم معرفتي لهذا الرجل!! ولماذا لم أسمع به ولم استمع اليه من قبل؟

بساطته في الحضور و في الأسلوب علمتني أن الإنسانَ- وبطريقة بسيطة جدًا- يستطيعُ أن يقومَ بعملٍ عظيم إلى ابعد الحدود. فلنسمع منه هو- مباشرةً- ماذا يقول. يقول الشيخ المقمري: كنتُ أعمل في هندسةِ الطيران المدني وكنتُ مشغولًا بالعمل، ثم تم ترقيتي لأكونَ إداريًا حسب نظام العمل في اليمن، والعمل الإداري لا يتعدى التوقيعَ على المعاملات، لذلك أصبح لديَّ وقت فراغ، فقررت أن املأه بالقراءة والتدبر في كتاب الله (القران الكريم) ذهبت لشيخٍ من شيوخِ المنطقة لأتعلمَ على يده القرآن، فسألني الشيخ: من شيخك؟ ظننت أنه يقصد شيخَ قريتنا، فقلت له: فلان. فقال لي: أقصد من شيخك في القرآن؟ فاستغربت لهذا السؤال، فأنا ليس ليَ شيخٌ في القرآن. قلت: شيخي محمدٌ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم. هنا قال يوسف: سبحان المعبود!! تفاجأت بوجود يوسف، قلت له: منذ متى وأنت هنا يوسف أيها الصديق؟ قال: منذ ان تمت ترقية الشيخ المهندس المقمرمي إلى العمل الإداري، ثم قال يوسف: من الهندسة المدنية الى علوم القران مباشرة، لا شيخ ولا مدرسة ولا حلقات تحفيظ!! كيف يحدث ذلك؟ ومن أين له هذا العلم المتدفق واستخلاص أسرار القران وجواهره؟ يبدو أنه العلم الرباني. قلت له: صحيح، لأن الشيخَ المقمرمي عندما يبدأ دروسَه ومحاضراته يقول (نبدأ بما يفتحِ اللهُ علينا) أفهم من ذلك أنه يبدأ الموضوعَ، ثم يمده اللهُ سبحانه وتعالى بالعلم، يأخذ من المدد الإلهي مباشرةً. قال بعض العلماء: (ليس العالم الذي يحفظ من كتابٍ، فاذا نسيَ ما حفظه صارَ جاهلًا، إنما العالمُ الذي يأخذُ علمَه من ربه أي وقت شاء بلا حفظ ولا درس) وهذا هو العلم اللدني واليه الإشارة بقوله تعالى: (وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) مع أن كلَّ علمٍ من لدنه- عزَّ وجل- ولكن بعضها بوسائطِ تعليمِ الخلق.

كان هذا باختصار شديد ظنُّنا في السر الذي جعله اللهُ في شيخنا، وجعل في علمه الفائدةَ والمتعةَ والانتشار والقبول. أما سر تعجيل رحيله، فيظن البعضُ- وأنا منهم- أنَّ كشف هذا السر ( سر علمه اللدني) هو سبب في تعجيل رحيله!! ولنا في ذلك سابقة، نبدأها بهذه الابيات.

يا صاحبَ السِّرِّ إنَّ السِّرَّ قد ظَهَرا

فلا أُطيقُ حياةً بعدما اشتهرا..

يطلب صاحبُ هذه الأبيات من الله- عزَّ وجل- أن يُعجِّلَ برحيلِه بعد أن انكشف السرُّ الذي بينه وبين الله تعالى. أصلُ قصة هذه الابيات، كما يقول ابنُ المبارك: كان الناسُ قحطوا في مكةَ (من عدم نزول الغيث) فصلوا صلاةَ الاستسقاء في المسج الحرام ، ولم يستجبِ اللهُ لهم حتى انصرفوا، ثم أقبل غلامٌ أسود، فصار في موضع خفيٍ إلى جانبي فسمعته يقول: إلهي، أسألك يا حليمًا ذا أناة، يا من لا يعرف عبادُه منه إلا الجميل… إسقِهم الساعةَ الساعة. قال ابنُ المبارك: فلم يزل يقول: (الساعةَ… الساعةَ) حتى استوت السماءُ بالغمام، وأقبلَ المطرُ من كلِّ مكانٍ، فلما علم الغلامُ بأنني عرفتُ أن اللهَ استجاب له، وأنني كشفت سرَّه، سأل اللهَ أن يأخذَه بعد أن انكشف سرُّه، فأنشدَ الأبيات التي ذكرناها ونكررها ثانية:

يا صاحبَ السِّرِّ إنَّ السِّرَّ قد ظَهَرا..

فلا أُطيقُ حياةً بعدما اشتهرا…

هل تعتقد معي أن شيخَنا المهندس المقمري، فعل مثلَ ما فعل ذلك الغلامُ الأسود بعد أن انكشفَ سره؟

اللهم ارحم الشيخ محمد المقمري رحمةً واسعةً واكرم نُزله وتجاوز عن سيئاتِه وأدخله جنتَك، نحن نُحسنُ الظنَّ فيك ونعلم أنك على كلِ شيءٍ قدير .

وإلى لقاءٍ قادم، إبقوا معنا يوسف وأنا، إن كان في العمر بقية..

والله أعلى وأعلم..

30 ديسمبر 2025م

زر الذهاب إلى الأعلى