شيء للوطن م.صلاح غريبة يكتب مصر والسودان.. من الجوار إلى التكامل

Ghariba2013@gmail.com
لم تعد العلاقة بين مصر والسودان مجرد روابط جغرافية وتاريخية فرضتها الطبيعة والمصير المشترك، بل انتقلت اليوم بوعي قيادات البلدين إلى مربع “التحالف الاقتصادي الاستراتيجي”. ففي ظل التحولات الدولية والإقليمية المتسارعة، والظروف الاستثنائية التي يمر بها السودان الشقيق، تأتي التحركات الأخيرة لتؤكد أن القاهرة والخرطوم قررتا تحويل “وحدة المصير” إلى “وحدة إنتاج”، وصياغة واقع اقتصادي جديد يتجاوز تبادل السلع إلى مرحلة التكامل الصناعي الشامل.
إن المحور الأساسي الذي ترتكز عليه التحركات الراهنة هو “القيمة المضافة”. فالسودان يمتلك ثروات طبيعية ومواد خام بكر، وأيدٍ عاملة شابة ومجتهدة، بينما تمتلك مصر خبرات صناعية وتقنية متطورة وبنية تحتية لوجستية عالمية. دمج هذه العناصر يعني الانتقال من تصدير المواد الأولية بأسعار زهيدة إلى تصنيعها وتصديرها منتجات نهائية، مما يعظم العوائد الاقتصادية للطرفين.
هذه الرؤية ليست مجرد أحلام، بل بدأت تترجم إلى مشروعات ملموسة في قطاعات استراتيجية مثل الثروة الحيوانية والجلود عبر نقل تجارب المجازر الآلية والمدابغ المتطورة، لضمان استغلال الثروة الحيوانية السودانية الهائلة وفق أعلى المعايير الدولية والأمن الدوائي والزراعي من خلال دراسة إنشاء مصانع للأدوية البيطرية والأسمدة داخل الأراضي السودانية، مما يدعم استقرار القطاع الزراعي والحيواني الذي يمثل عصب الاقتصاد السوداني.
لا صناعة بلا عقول مدربة، ومن هنا تبرز أهمية المبادرة المصرية بفتح مراكز التدريب المهني ومصالح الكفاية الإنتاجية أمام الكوادر السودانية. إن نقل “السر الصنعي” والخبرات الفنية وتأهيل الموارد البشرية وفق المعايير الدولية هو الاستثمار الأبقى، وهو الذي يضمن استدامة أي نهضة صناعية في السودان مستقبلاً.
كما أن دمج المنتجين السودانيين في منظومة المعارض المصرية وتخصيص مساحات عرض دائمة لهم في القاهرة، يمثل نافذة تسويقية كبرى للمنتج السوداني، ويفتح أمامه الأبواب نحو الأسواق الإقليمية والدولية عبر البوابة المصرية.
رغم التحديات الجسام التي خلفتها الحرب في السودان، إلا أن العزيمة المشتركة بدأت تؤتي ثمارها. فالقطاع الخاص في البلدين بدأ بالفعل في استعادة المبادرة، وهناك تطلعات مشروعة لرفع حجم التبادل التجاري من مليار و150 مليون دولار إلى أكثر من 2 مليار دولار في المدى القريب.
إن الدعوة لإقامة مؤتمر دولي لإعادة إعمار السودان بقيادة مصرية ليست مجرد تقدير لثقل القاهرة الإقليمي، بل هي ضرورة واقعية؛ فمصر بما تمتلكه من شركات مقاولات وتطوير عقاري عملاقة، وما تحظى به من ثقة لدى مؤسسات التمويل الدولية، هي الأقدر على قيادة قاطرة البناء في السودان.
خاتمة لابد منها: إن التكامل الاقتصادي بين مصر والسودان لم يعد خياراً ترفيهياً، بل هو “طوق نجاة” ومسار إلزامي لتحقيق الرفاهية للشعبين. نحن أمام إرادة سياسية في أبهى حالاتها، ورغبة صادقة من القطاع الخاص في تجاوز المعوقات البيروقراطية والمصرفية.
المطلوب الآن هو تحويل هذه التوصيات واللقاءات الوزارية إلى “آلية تنفيذية” عابرة للحدود، تضمن انسياب البضائع، وتسهيل حركة رجال الأعمال، وتدشين المناطق الحرة. فالعلاقة بين ضفتي النيل هي علاقة حياة، وحينما تصنع مصر والسودان معاً، فإنهما يعيدان رسم الخريطة الاقتصادية للمنطقة بأكملها.


