خليل فتحي خليل (يبحث عن نبض الناس) الشباب في السودان الي اين؟

الشباب في السودان بعد خطر الحرب… هناك أخطار أخرى أكثر صمتًا وأشد فتكًا، لا تُسمع لها دويّ القذائف ولا تُرى لها ألسنة النار، لكنها تحرق الأرواح من الداخل: الفراغ، المخدرات، الانضمام لمجموعات التفلت، والاستلاب الثقافي. هذه ليست نتائج جانبية عابرة، بل زلازل اجتماعية هادئة تُعيد تشكيل وجدان جيل كامل.
الحرب لا تقتل الأجساد فقط، بل تُربك المعنى، وتُشوّش البوصلة، وتُفرغ الحياة من غاياتها. حين تُقصف المدن، يُقصف معها المستقبل. وحين تُهدم المدارس، تُهدم معها الأحلام. الشباب الذين كانوا يحملون دفاترهم في الصباح صاروا يحملون حقائب النزوح في المساء، والذين كانوا يتنافسون في ساحات المعرفة صاروا يتنافسون في ساحات البقاء. هذه القطيعة المفاجئة مع الحياة الطبيعية خلقت فراغًا هائلًا، والفراغ حين لا يُملأ بالوعي يُملأ بالفوضى.
الفراغ هو أخطر أعداء الشباب بعد الحرب. فراغ الزمن، وفراغ المعنى، وفراغ الأمل. شاب بلا عمل، بلا دراسة، بلا أفق واضح، يصبح سهل الانقياد لأي فكرة، وأي جماعة، وأي مسار—even لو كان مظلمًا. الفراغ ليس وقتًا ضائعًا فحسب، بل هو أرض خصبة لنمو الإحباط، ثم الكراهية، ثم الانزلاق. وفي مجتمعات خرجت للتو من أتون الصراع، يكون الشباب أكثر الفئات هشاشة أمام هذا التيه الوجودي.
ومن رحم هذا الفراغ، تتسلل المخدرات. لا تأتي دائمًا كمتعة، بل كثيرًا ما تأتي كمسكن للألم، كمحاولة للهروب من واقع ثقيل، كبديل زائف للسلام الداخلي. الشاب الذي فقد بيته، أو مدرسته، أو أحد أحبته، يبحث عن شيء يُخدّر الذاكرة، ويُطفئ القلق، ولو مؤقتًا. لكن هذا المؤقت سرعان ما يتحول إلى إدمان، والإدمان يتحول إلى انهيار أخلاقي، ثم صحي، ثم اجتماعي. وهكذا ننتقل من حرب تُدمّر المدن إلى حرب تُدمّر الإنسان من الداخل.
ثم يأتي خطر الانضمام لمجموعات التفلت. في زمن الانهيارات، يبحث الإنسان عن الانتماء قبل أي شيء آخر. الشباب الذين فقدوا الإحساس بالأمان والانتماء الوطني، يجدون في هذه المجموعات بديلًا مشوهًا للأسرة، وللوطن، وللمعنى. تمنحهم شعورًا زائفًا بالقوة، وبالنفوذ، وبالهوية، لكنها في الحقيقة تُحوّلهم إلى أدوات في دوامة العنف، وتدفعهم إلى مسارات تُغلق أمامهم كل أبواب المستقبل. ما يبدأ بوعد الحماية ينتهي بالارتهان، وما يبدأ بالانتماء ينتهي بالاستلاب.
ولا يقل خطر الاستلاب الثقافي فتكًا عن المخدرات والسلاح. فحين تنهار مؤسسات الدولة، وتغيب البرامج التربوية، وتتراجع المنابر الثقافية، يفتح ذلك الباب واسعًا أمام ثقافات دخيلة، تُقدَّم للشباب في ثوب الحداثة، لكنها تحمل في جوهرها فراغًا قيميًا، واختلالًا في المعايير، وتشويهًا للهوية. الشاب الذي لا يجد قدوة في مجتمعه، يبحث عنها في الشاشات. والشاشة لا تُقدّم دائمًا ما يبني، بل كثيرًا ما تُقدّم ما يهدم، وما يُفكك، وما يُسطّح الإنسان بدل أن يُعمّقه.
إن أخطر ما تُخلّفه الحرب ليس فقط الخراب المادي، بل الخراب المعنوي. أن يتحول الوطن في ذهن الشباب من فضاء للأحلام إلى ساحة للخيبة. أن تتحول القيم من منظومة راسخة إلى أسئلة معلقة. أن يتحول المستقبل من وعد إلى تهديد. هذا التحول الصامت هو الذي يهدد السلم الاجتماعي على المدى الطويل، وهو الذي يُنتج أجيالًا مثقلة بالشك، ومشحونة بالغضب، ومحرومة من الثقة في الذات وفي المجتمع.
لكن، وبرغم كل هذا الظلام، لا يزال الأمل ممكنًا. فالشباب أنفسهم هم وقود التغيير، وهم الطاقة القادرة على إعادة البناء إذا ما وُجد المشروع، والرؤية، والاحتضان. ما يحتاجه الشباب اليوم ليس الشفقة، بل الفرصة. ليس الوعظ المجرد، بل المسار العملي. ليس الخطاب العاطفي وحده، بل السياسات الواقعية التي تعيد إليهم الإحساس بالجدوى.
نحتاج إلى إعادة فتح المدارس قبل إعادة فتح الأسواق، لأن التعليم هو خط الدفاع الأول ضد الفراغ، وضد التطرف، وضد الاستلاب. نحتاج إلى برامج وطنية جادة للتشغيل والتدريب، لأن العمل ليس مصدر دخل فقط، بل هو مصدر كرامة، وهوية، وانتماء. نحتاج إلى منصات ثقافية وإعلامية تُعيد الاعتبار للفن، والأدب، والمسرح، والرياضة، لأنها ليست كماليات، بل أدوات أساسية لبناء الوعي، وتفريغ الطاقة، وصناعة المعنى.
كما نحتاج إلى خطاب ديني واجتماعي متوازن، يُخاطب عقل الشباب قبل عاطفتهم، ويُقدّم لهم الدين كقيمة للحياة لا كأداة للصراع، وكطريق للسلام لا كوقود للعنف. ونحتاج إلى أسرٍ أكثر حضورًا، وأكثر وعيًا، وأكثر قدرة على الاحتواء، لأن البيت هو الحصن الأول، وإذا تصدّع البيت، سهل سقوط الأبناء.
الشباب السوداني ليس جيل ضياع، بل جيل ابتلاء. ابتُلي بالحرب، وابتُلي بالفراغ، وابتُلي بتشويه الصورة عن ذاته وعن وطنه. لكنه أيضًا جيل قدرة، وجيل صبر، وجيل قابل للنهوض إذا ما وجد اليد التي تمتد إليه لا لتجرّه، بل لترفعه. لا لنستخدمه وقودًا لمعركة، بل لبناء وطن.
إن أخطر ما يمكن أن نفعله اليوم هو أن ننتصر في الحرب ونخسر الشباب. أن نحمي الأرض ونُهمل الإنسان. أن نُعيد بناء الحجر ونترك الروح مهدمة. فالوطن لا يُقاس فقط بعدد الطرق والجسور، بل بعدد الشباب الذين يؤمنون به، ويعملون من أجله، ويحلمون داخله.
ختامًا، الحرب قد تضع نهاية لمرحلة، لكنها لا يجب أن تكون نهاية للأمل. والشباب الذين خرجوا من رماد المعارك قادرون—إن أحسنا احتضانهم—أن يصنعوا من هذا الرماد بذور حياة جديدة. فالسودان لا يُبنى إلا بسواعد شبابه، ولا يُشفى إلا بوعيهم، ولا ينهض إلا إذا عادوا إلى الإيمان بأن هذا الوطن، رغم كل الجراح، لا يزال يستحق أن يُحب، وأن يُدافع عنه، وأن يُبنى من جديد.


