الحرب وتلف ملفات الدعاوي: ماذا يقول القانون؟ بقلم الاستاذة/ رضا حسين حلواني المحامي

تشهد الساحة العدلية في السودان، في أعقاب الحرب، تحديات غير مسبوقة، من بينها تلف أو هلاك عدد كبير من ملفات القضايا والدعاوى نتيجة للدمار الذي طال المحاكم والنيابات والسجلات الرسمية. وقد أثار هذا الواقع تساؤلات واسعة لدى المواطنين حول مصير قضاياهم، وما إذا كانت الحقوق تضيع بضياع الملفات، أو تسقط الدعاوى بسبب الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.
في ظل الحرب التي شهدها السودان، تعرّضت المحاكم والنيابات والجهات العدلية لأضرار جسيمة، كان من أخطرها تلف أو هلاك ملفات الدعاوى والقضايا، سواء بالحرق أو النهب أو الفقدان. وقد أثار ذلك قلقًا مشروعًا لدى المواطنين حول مصير قضاياهم وحقوقهم، وعمّا إذا كان ضياع الملف يعني ضياع الحق.
والحقيقة القانونية التي يجب أن يعرفها الجميع هي أن الحق لا يضيع بضياع الملف، ولا تسقط الدعوى بسبب الحرب.
*الحرب في نظر القانون*
القانون السوداني، مثل غيره من القوانين، يقوم على مبدأ أساسي هو أن الإنسان لا يُحاسَب على أمر خرج عن إرادته. والحرب تُعد في القانون قوة قاهرة، أي ظرفًا استثنائيًا يستحيل معه على المواطن أو القاضي أو المحامي القيام بواجباته المعتادة. وبناءً على ذلك، لا يجوز قانونًا تحميل المتقاضين نتائج ما حدث من تلف أو هلاك للملفات.
هل تسقط القضايا بتلف ملفاتها؟
الإجابة الواضحة: لا.
تلف ملف الدعوى لا يعني سقوط الحق، ولا يعني انتهاء القضية، ولا يُرتب أي جزاء على المواطن. فالملف هو وعاء للإجراءات، أما الحق نفسه فهو ثابت، ولا يسقط إلا بحكم قضائي أو بنص قانوني صريح، وهو ما لا ينطبق على حالات الحرب
*أولًا: التكييف القانوني لحالة تلف أو هلاك ملفات الدعاوى بسبب الحرب*
في جميع النظم القانونية تقريبًا، الحرب تُعد قوة قاهرة:
لا يد للقضاء أو الخصوم فيها
يستحيل معها حفظ المستندات أو مباشرة الإجراءات
يترتب عليها وقف أو تعذّر السير في الخصومة
👉 وبالتالي لا يُنسب الخطأ لأي طرف.
*ثانيًا: الموقف وفق القانون السوداني*
رغم عدم وجود نص تفصيلي خاص بـ”هلاك ملفات بسبب الحرب”، إلا أن المعالجة تتم عبر:
1/ القواعد العامة في قانون الإجراءات المدنية
للمحكمة سلطة تقديرية واسعة في إدارة الدعوى
يجوز إعادة السير في الدعوى متى زال السبب القهري
لا تسقط الحقوق الإجرائية بسبب قوة قاهرة
2/ إعادة تكوين الملفات
يجوز للمحكمة:
طلب صور المستندات من الخصوم
الاعتماد على:
صور الأحكام
الإيصالات
محاضر الشرطة
السجلات الإدارية
سماع الشهود لإثبات ما كان ثابتًا بالملف
3/ التقادم
التقادم يُوقف أثناء الحرب لتعذر التقاضي
لا يُحتج به ضد المتضررين
📌 الرأي الراجح:
يجب إصدار منشورات قضائية بإعادة قيد الدعاوى المتلفة دون رسوم أو جزاءات.
*ثالثًا: الموقف وفق القانون المصري*
القانون المصري أكثر وضوحًا في هذه المسألة:
1/تلف الملف لا يعني سقوط الدعوى
الخصومة يمكن تجديدها من جديد
2/ إعادة الإجراءات
طبقًا لاجتهاد محكمة النقض:
يجوز إعادة بناء الملف من:
صور رسمية
مذكرات المحامين
أحكام سابقة
دفاتر القيد
3/ القوة القاهرة
الحرب تُعد مانعًا يوقف:
المواعيد الإجرائية
التقادم
لا يجوز معاقبة الخصوم على عدم اتخاذ إجراء مستحيل
📌 مبدأ مستقر:
*“لا يُكلف الخصم بإجراء يستحيل عليه القيام به”*
رابعًا/ القوانين المقارنة (فرنسا – القانون الدولي – الفقه العام)
1/ فرنسا
يوجد نظام رسمي لـ إعادة تكوين الملف القضائي (Reconstitution du dossier)
يتم بأمر قضائي وبمشاركة الخصوم
2/القانون الدولي لحقوق الإنسان
الحق في التقاضي حق غير قابل للتعطيل بسبب النزاعات المسلحة
الدولة ملزمة بضمان وسائل بديلة للعدالة
3/ المبادئ العامة
العدالة لا تتوقف بالحرب
الشكل لا يقدّم على الحق
الشك يفسَّر لصالح المتضرر
خامسًا: ما المطلوب عمليًا؟
أولًا: من السلطة القضائية
إصدار قرارات عامة باعتبار:
تلف الملفات بسبب الحرب قوة قاهرة
فتح باب:
إعادة قيد الدعاوى
إعادة تكوين الملفات
وقف التقادم والمواعيد
التيسير في الإثبات
إعفاء المتضررين من الرسوم
ثانيًا: من الجهات العدلية (النيابة – وزارة العدل )
إنشاء لجان حصر الملفات التالفة
جمع أي نسخ إلكترونية أو ورقية
التعاون مع المحامين والنقابات
إصدار شهادات رسمية بإثبات تلف الملفات بسبب الحرب
ثالثًا: من المواطنين المتضررين
تقديم طلب إعادة قيد الدعوى
إرفاق أي مستند متوفر ولو صورة
الاستعانة بالشهود
عدم القلق من التقادم أو سقوط الحق
التحرك فور استقرار الأوضاع
خلاصة قانونية مهمة
هلاك ملف الدعوى بسبب الحرب لا يسقط الحق، ولا الدعوى، ولا يُرتب جزاءً على أي طرف.
والواجب على الدولة هو إحياء العدالة لا دفنها تحت أنقاض الحرب.
إن معالجة آثار الحرب على العدالة ليست مسألة إجرائية فحسب، بل اختبار حقيقي لمدى التزام الدولة بحماية حقوق مواطنيها. فالتيسير في إعادة القضايا، والتوسع في الإثبات، واعتبار الحرب قوة قاهرة، ليست تنازلات عن القانون، بل تطبيق صحيح لروحه ومقاصده. العدالة التي تعجز عن إنصاف المتضررين في الظروف الاستثنائية تفقد معناها، أما العدالة التي تتكيف لتحمي الحقوق، فهي التي تُعيد الثقة وتُمهّد للاستقرار
والله ورسوله اعلم


