أعمدة الرأي

كتب مرتضى ميرغنى  الخرطوم .. مدينة تبكي وتنهض

 

عدت الى الخرطوم بعد غياب فرضته ظروف قاسية، فاستقبلتني بوجه متعب تغشاه مسحة حزن عميق ، كأنما اثقلته السنوات العجاف. كانت المدينة التي اعرفها تضج بالحياة ، تعانق النيلين في الفة ابدية ، وتوزع دفئها على اهلها وزائريها. اما اليوم، فقد بدت كام ثكلى ، تفتش في الوجوه عن ابنائها الذين غيبتهم الحرب ، او دفعتهم الى الرحيل القسري طلبا للامان ..

لقد جار الزمان على الخرطوم ، وعصفت بها حرب لعينة لم تبق اخضر فيها ولا يابسا .. احياء كانت تضج بالاصوات صارت ساكنة الا من صدى الذكريات .. بيوت كانت عامرة بالضحكات اغلقت ابوابها على الغياب .. طرقات حفظت خطى المارة غمرها صمت ثقيل .. ومع ذلك ، ورغم كل ما اصابها ، لم تفقد الخرطوم سرها الغامض ولا جمالها المتواري خلف الغبار ..

في شوارعها بكيت الامكنة قبل الناس .. بكيت مقاعد جمعتنا شهدت احلامنا الصغيرة .. بكيت اصدقاء ارتقوا شهداء ، حملوا ارواحهم على اكفهم دفاعا عن مدينة عفيفة ارادوا لها الانكسار ، فابت الا ان تقاوم .. قاومت بالنار حينا، وبالصبر حينا ، وبارادة اهلها حينا اخر .. ظن اعداؤها انهم ان اثخنوها جراحا ستسقط ، لكنهم لم يدركوا ان الخرطوم ليست حجارة تهدم ، بل روح تسكن في قلوب اهلها ..

ما يدهش العائد اليها ان الحياة ، رغم كل شيء ، بدات تدب في اوصالها من جديد .. ترى طفلا يركض في ساحة كانت بالامس أرضا للمعركة و مسرحا للخوف ، وتسمع بائعا ينادي على بضاعته ، وتلمح ابتسامة خجولة على وجه امراة عادت لترتب بيتها .. كان المدينة تقول لمن احبها ما زلت هنا ، جريحة نعم ، لكنني لم انكسر ..

الخرطوم اليوم ليست كما كانت ، لكنها ليست كما أراد لها الخراب ان تكون .. هي مدينة مجروحة ، لكنها شامخة .. مدينة دفعت ثمنا باهظا ، لكنها لم تفقد هويتها .. وربما في هذا التناقض بين الالم والامل يكمن سر بقائها ..

فالمدن كالبشر ، تمرض وتتعب ، لكنها تتعافى حين تجد من يحبها بحق .. والخرطوم مهما اشتدت عليها المحن ستظل في وجدان ابنائها وطنا لا يختزل في حرب ، ولا يعرف بدمار بل يعرف بكرامة اهله وصمودهم وايمانهم بان الفجر مهما طال الليل آت لا محالة ..

زر الذهاب إلى الأعلى