أعمدة الرأي

اللواء حيدر احمد سليمان يكتب معقباً : كلنا من نخلةٍ واحدةٍ

 

اخي الحبيب د شنان الخليل متعك الله واسرتك بالصحة والعافية وحفظك واسرتك الكريمة وحماكم وكفاكم من كل شر . ما اعذب هذا البوح الذي سافر بنا في قطار الذكريات واعاد صياغة الوجدان برهافة تجاوزت حدود الزمن . جاءت هذه الكلمات سرداً لتاريخ دفعة وصيغت في نشيد صوفي يتبتِّل في محراب العسكرة والعمل الشرطي وقصيدة وفاء كتبت بدم شرايين المحبة وعرق التدريب….

كلنا من نخلةٍ واحدة… لكن العجوة غير البلحِ…كما قال النابلسي…

كنا – وكنتم فلا فرق في التفاصيل – حينها في ريعان القمة وفي ذروة العطاء وعنفوان الشباب نطلق احلامنا على عواهنها دون قيد او كابح يكبلها او شرط يحد من جموحها . . كان الزمان طوع بناننا والآفاق مشرعة امامنا بلا حدود نركض خلف الاماني بقلوب لا تعرف الكلل ونظن ان هذا الوهج سيبقى متقداً الى الابد ولم يخطر ببالنا يوماً ان الدقائق تنسل في صمت وان السنوات تختبئ خلف ستائر الليل لتسرق منا اجمل اللحظات ثم اذا بنا فجأة ودون ان ننتبه وجدنا انفسنا وقد سُرق العمر منا وتقاعدنا وانحسر مد الصخب ليحل محله مشيب الشعر ووهن القوة وسكون التأمل ووقار التجربة . لقد تسربت الأيام من بين ايدينا كما يتسرب الماء من بين الاصابع لنجد انفسنا في هذه اللحظة الفارقة ومرارة الاستفاقة :

وانتبهنا بعد ما زال الرحيق…

وافقنا ليت انّا لا نفيق…

يقظة طاحت باحلام الكرى…

وتولى الليل والليل صديق…

واذا النور نذير طالع…

واذا الفجر مطل كالحريق….

واذا الدنيا كما نعرفها…

واذا الاحلام كلّ في طريق…

لقد غدر بنا الفجر حين اطل كالحريق ليحرق تلك الاطياف التي كانت تؤنسنا في ليل الشباب الحالم وتفرقت الاحلام ومضى كل حلم في درب لا يلتقي بالآخر واستيقظنا لنجد الدنيا بوجهها الواقعي الصارم الذي نعرفه جيداً ولكن رغم هذا الانتباه المتأخر ورغم رحيل ذاك الرحيق تبقى تلك الذكريات خالدة في الوجدان نقتات عليها في خلواتنا ونستمد منها الدفء كلما قرصنا برد الحنين .

اخي د. شنان .. هي كتابة استطعت عبرها وببراعة ان تلامس وتراً حساساً في قلب كل ضابط شرطة لانك لم تكتب عن الارقام وإنما كتبت عن الروح التي تسكن تلك الارقام . . ما تفضلت به من تفاصيل ممعنة في العذوبة والرقة والجمال يؤكد ان جوهر التجربة واحد وان اختلفت الدفعات والسنوات والاسماء فذات العنفوان الذي سكن الدفعة 59 هو ذاته الذي يسكن قلب كل من ارتدى هذا الشعار واقسم يمين الولاء وانضوي تحت لواء دفعة تميزت برقم آخر . تلك الطينة الواحدة التي تشكلت من صلصال المهنة المتجانسة هي السر الذي يجعل الضابط يرى في زميله مرآة لنفسه واهلاً لعشيرته. لقد نقلت الينا برقي واسلوب متفرد كيف يتحول الرقم من خانة حسابية الى هوية وانتماء وكيف تصبح الذكريات وطنا نلوذ به كلما اوجعنا الحنين . كلماتك جاءت نسيم فجر طلق المحيا لتغسل اتعاب السنين وتعيد الينا نضارة تلك الايام الخوالي التي نحتنا فيها اسماءنا على جذوع اشجار الميدان الاحمر وطاولات السفرة ومقاعد قاعات المحاضرات وفي ليالي انس ايام الكلية ثم ذاكرة الوطن . دمت بهذا الالق وهذه الشاعرية التي تجعل من القسوة ليناً ومن الانضباط حباً ومن الذكريات حياةً تفيض بالعطاء والجمال حفظك الله ورعاك وادام عليك نعمة الوفاء وجمال الكلمة.

لواء شرطة:

حيدر احمد سليمان طه

القاهرة

‏26 فبراير 2026 م

زر الذهاب إلى الأعلى