أعمدة الرأي

ريحة البلد اذا انتصر السودان على الفساد انتصر على كل من عداه بقلم : د.سارة عبد العزيز

 

من يتابع المشهد السوداني اليوم يرى وطنا يمر بمرحلة إعمار لا تقتصر على الحجر بل تمتد إلى إعادة ترميم الروح الوطنية ذاتها مدن ترمم طرق تعبد مؤسسات تعاد هيكلتها لكن السؤال الأعمق يظل معلقاً في فضاء الوطن هل يكفي أن نبني الجدران إن بقيت الشقوق في الضمائر؟

الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها أن السودان لن يكون بخير حقا إلا إذا حسم معركته الكبرى مع الفساد. فالمفسد أخطر من أي أزمة لأنه يلتهم قوت الناس بصمت ويبدد أحلام الأجيال دون ضجيج وحين تتسلل الرشوة والمحسوبية واستغلال النفوذ إلى مفاصل الدولة يصبح الإعمار شكليا وتغدو المشاريع بلا روح

السودان ليس بلدا عاديا في خريطة العالم هو أرض النيلين وموطن التربة الخصبة التي طالما وصفت بأنها “سلة غذاء العالم”

في سهوله الممتدة تكمن ثروة يمكن أن تطعم شعوبا لا أبناءه فحسب لكن هذه الثروة تحتاج إلى إدارة نزيهة وعقول مؤمنة بالوطن لا بمصالحها الضيقة تحتاج إلى قوانين تطبق بلا استثناء وعدالة لا تعرف الأسماء ومؤسسات تحاسب قبل أن تجامل

محاربة الظواهر السالبة تكمن في تحقيق القانون وليس في رفع الشعارات محاربة الفساد هو مشروع وعي طويل النفس تبدأ من المدرسة حين يعلم الطفل أن الأمانة قيمة لا مساومة عليها وتمتد إلى المسؤول الذي يدرك أن الكرسي تكليف لا تشريف حينها فقط يصبح الأمن نتيجة طبيعية لا مجرد حالة طارئة ويصبح الاستقرار واقعا معاشا

وليس أمنية تتداول في المجالس

السودانيون بطبعهم أهل صبر وكبرياء عرفوا الشدائد وتجاوزوا المحن وظلوا متمسكين بخيط الأمل واليوم هم أمام فرصة تاريخية أن يجعلوا من مرحلة الإعمار نقطة تحول حقيقية ليس فقط مجرد إعادة تدوير للأزمات أن يغلقوا أبواب الفساد بإحكام تام ويفتحوا نوافذ الشفافية على اتساعها

عندما يقضى على الفساد سيتنفس السودان بعمق ستستقر مؤسساته ويطمئن المستثمر ويجد الشاب فرصة عمل تحفظ كرامته وتعيش الأسرة بأمان بعيدا عن قلق الغد عندها لن يكون الأمن مجرد انتشار لقوات إنما شعورا داخليا بالعدل والمساواة

ولن يكون الاستقرار هدوءا مؤقتا العكس احساس ثبات راسخ في وجدان الأمة

السودان يستحق أن يكون بخير

لا لأن أرضه خصبة فحسب لأن شعبه جدير بالحياة الكريمة والإعمار الحقيقي يبدأ حين نعيد بناء الإنسان قبل المباني ونطهر المؤسسات قبل أن نزين الواجهات

فإذا انتصر السودان على الفساد انتصر على كل ما عداه وإذا صلحت الإدارة صلح الحال وعندها فقط سيكتب التاريخ أن هذا الوطن الذي كاد أن يرهق اختار أن ينهض نهضة لا تشبه سواها ولا تتكرر

زر الذهاب إلى الأعلى