فريق شرطة د. هاشم على عبدالرحيم يكتب بالحبر السائل.. على قدر اهل العزم تاتى العزائم

التابعيُ إبراهيم بن أدهم المكنى بأبي إسحق، وُلد فى أوائل القرن الثاني من الهجرة فى مدينة (بلخ) بافغانستان، ونشأ فى اسرةٍ ثرية، ويُقال إنه كان ملكًا على خُراسان، لكنه ترك الملكَ والترفَ وتفرَّغ للزهد والعبادة بعد انتقاله لبلاد الشام التى عاش فيها فقيرًا يأكلُ من عملِ يدِه. ومما يُحكى عنه: أن صاحبًا له مرَّ عليه وهو جالس مع أصحابه، فنظر إليهم ولم يُسلم عليهم! فقال بعضُهم: أرأيت يا ابراهيمُ كيف نظر إلينا ولم يلقِ السلامَ!؟ فقال إبراهيمُ: لعله مكروبٌ فلا يذهل عن أصحابه إلا من به كرب! وقام ولَحِق به وقال له: مالك لم تلقِ علينا السلامَ يا أبا فلان؟ قال: إمرأتي تلدُ وليس عندي ما يُصلحها، ثم انصرف. فقال ابراهيم لأصحابه: والله لقد ظلمناه مرتين. اسأنا به الظنَّ، وتركناه حتى احتاج!! ثم اقترضَ دينارين، إشترى بدينارٍ لحما وعسلًا وزيتًا ودقيقا، وأسرع بهما إلى بيت صاحبه. فلما طرق البابَ قالت زوجُ صاحبه وهى تتوجع: من بالباب؟ قال ابراهيم: خذي ماعند الباب، فرَّج اللهُ عنك ثم انصرف. فلما فتحت البابَ ووجدت الحاجيات وفوقها الدينار الآخر… سمعها تقول: اللهمَّ لا تنس هذا اليوم لإبراهيمَ بن ادهم ابدا.
حربُ الدقلوباب الصهاينة الإماراتيين هذه، أفرزت واقعًا مريرًا لكل أهل السودان الذين فقد الكثير منهم حصائلَ أعمارهم التي تم نهبها نهارًا جهارا، فضلا عن الاغتصاب والقتل الذي خلَّف كمًا هائلًا من الأرامل مع صغار بحواصل زغب، وشاء المولى- عزَّ وجل- أن يحدث هذا فى سودان الخلاوى والقرآن والتكايا والكرم والمروة، فتقاسمت القرى المأوى واللقمةَ مع القرى التى بطش بها القتلة الخنازير، واحتضنت المدنُ الآمنةُ نازحي العاصمة والولايات التي دُنِّست باقدام التمرد. وتكفل المغتربون بأسرهم واقربائِهم الذين غادروا البلادَ هاربين ولاجئين فى كل دول العالم، وكان- والحمد والمنة لله- إبراهيم بنُ ادهم حاضرًا داخل السودان وخارجه.
فى فبراير الماضي كرم الاخ الفريق أول امير عبدالمنعم فضل مدير عام قوات الشرطة الرجل العفيف الشريف لطف الله عفيفي، الذى ترك القصرَ العاجيَ بروضته الغناء في هولندا، ليبحثَ فى شأن العفيفات من أرامل الضباط ويوفر لهم سبلًا للعيش عبر صندوق شخصي يُودع فيه من جيبه الكثير، وهو مشروعٌ بدأه قبل الحرب ووجد الكثيرَ من العناية والمباركة من المدراء العامين ورؤساء الهيئات والإدارات الخدميه. وبعد نشوب الحرب- و مع الواقع المرير الذى افرزته- توسعت جمعيةُ الرجل وأضحت لها مجموعات أثيرية وإدارة مالية من النساء الأرامل، واضحى لطف الله ملاذًا للعفيفات اللاتي يكفي الإبلاغ عنهنَّ ليجدن انفسهنَّ عضوات فى جمعية الرجل. ورغم هذا، لم تخطؤه السهامُ التي لم ولن تثنيه عن القيام بعمله المحتسب، وهو- عندنا- مجاهدٌ بالمال والقلم يمشي بين الناسِ وفى جيبه صيدليه لمداواة جملة من أسقامه المستديمة.
تكريم قيادة الدولة والداخلية والشرطة والناس أجمعين، سيشمل- بإذن الله- كلَّ من جاهدَ وآوى ونصرَ وكتبَ ونشرَ وعادَ من الموت، ليُساهمَ فى إصلاحِ ما افسدته الحربُ والأخذ بيد المتعففين المعدمين الذين لا يسألون الناسَ الحافا، وكما قال عنهم الاخ الدكتور الشاذلي عبداللطيف فى مقالته: المتعففون كرامةٌ لاتطلب وحق لا ينسى (إنهم لا يمدون أيدَيهم لأن حاجتهم أقل، بل لأن كرامتَهم وكبرياءَهم أعلى، فيختارون الصمتَ على الشكوى والسترَ على البوح). وقد رأينا فى هذه المحنة وهذا الامتحان عددًا من أخوان البنات فى شرطتنا هذه، لن يتسع المقالُ لذكرهم جميعًا، ومن حقهم علينا- كمدونين شرطيين- احصاءُ ما قاموا به وسيحدث هذا اذا شاء الله. ومن امثلة هؤلاء الأصيل النبيل اللواء محمد محمود رمضان الحضري الضابط الشهم الذى هاجر إلى مصرَ من أجل المراغم والسعة بعد تقاعده، فاضحى ملاذًا ورفيقًا ودليلًا ومؤسسًا مع نخبةٍ من الشرفاءِ الأنقياء، الفريق محمد الحسن إدريس، واللواء برعى وهبى والآخرين، كنانةً تراصت فيها السهامُ لإدارة شئون الضباط وأسراهم، كل الضباط عاملين ومتقاعدين، وحتى من مضى منهم قبل الحرب وبسببها، بل إمتد عطاؤهم لكل القبيلةِ بصفها وجنودها. ومن هؤلاء الحبيب اللواء عادل سماوي، الذى وهب وقتَه وجهده وخبرته لإعادة الحقوق المغتصبة، وصنع له مع الكوكبة التى ضمتها لجانُه تاريخًا يُحكى للأجيال، كان ثمنه المرض والفاقة والتوكؤ عل عكازة الأصابع المبتورة. ومن امثلة هولاء الأدهميين قيادات الشرطة السابقين بلا استثناء والقيادة السابقة والحالية للشرطة بشؤنها الإدارية والمالية وجوازاتها وسجلها المدني ومرورها ومباحثها وادلتها ومنشآتها وتدريبها. ومكونات الداخلية كلها جماركها وسجونها ودفاعها المدنىي وحياتها البرية ومعتمدية اللاجئين وجامعة الرباط الوطنى. وحريٌّ بى ألا اغادرَ قبل أن أذكرَ بالخيرِ الإدارة العامة للإعلام وخطابها الرسمى المتزن القوى وإدارة شئون المتقاعدين، التي كرمت الشرطةَ كلها. مديرها السابق الفريق عبدالفتاح عثمان، ومدراء شرطة الولايات ومن ناب عنهم فى أيامٍ وليالي وسنوات العسرة وقد شهدتُ بنفسي ما قام به دفع الله طه فى الخرطوم ومحمد الأمين والكودابى فى الشمالية وسفيان عبدالوهاب فى كسلا. لهم منَّا كل التقدير التثمين، هم وكل المدراء الآخرين الذين آوَوْا و داوَوْا و أطعموا، وبهم من الخصاصةِ كثير.
ونلتقي،،
فريق شرطة د
هاشم على عبدالرحيم.


