أعمدة الرأي

العمل الجنائي والفريضة الغائبة بقلم : عميد شرطة (م)  عمر محمد عثمان

بسم الله الرحمن الرحيم

 

القانون الجنائي في السودان قديم، يعود إلى عام 1899، أي أن عمره الآن يزيد عن 127 سنة. وهذا العمر الطويل يعطي العمل الجنائي عراقة لا يضاهيه شيء، فالتاريخ هنا ليس مجرد أرقام، بل أساس وموروث عملي متجذر.

 

الشرطة السودانية لم تكتف بالقوانين فقط، بل أنشأت منظومة متكاملة من الدفاتر والأورنيك الجنائي. أشهرها دفتر البلاغات، دفتر القبض،… الخ أورنيك 6 و أورنيك 8…. الخ، إضافة إلى التقارير اليومية مثل يومية الحوادث، والتقارير الشهرية والسنوية. هذه الأدوات كانت دائمًا أكثر من مجرد سجلات، بل كانت وسيلة لضبط العمل الجنائي، ومتابعة كل خطوة بدقة، وهي تمثل ما يعرف في العلوم الإدارية باسم Record-Keeping System.

 

لكن، ومن خلال سنوات عملي في الشرطة، لاحظت وجود فراغ مهم جدًا، يتعلق بما أطلق عليه “التسديد في دفاتر البلاغات (Case Closure / Follow-up)”. في كل دفتر بلاغات هناك خانة لنتيجة البلاغ أو الحكم، يفترض أن توفرها شرطة المحكمة إلى مكتب البلاغات. ومع ذلك، كثيرًا ما يُغفل هذا التسديد، وأحيانًا يصل الغياب إلى حد العدم. النتيجة أن آلاف البلاغات تبقى بلا متابعة واضحة، والمعلومة تصبح موزعة بين طرفين: طرف يعرف تفاصيل البلاغ، وآخر يعرف نتيجته، دون أن يُربط بينهما.

 

حتى عندما تطالع التقرير الجنائي السنوي الذي تعده الإدارة العامة للمباحث المركزية لرصد الإحصاءات الجنائية على مستوى السودان، وهو عمل ضخم ومهم، ستجده زاخرًا بالمعلومات: عدد البلاغات وتبويبها ضد النفس، ضد المال، وتصنيف المتهمين رجالًا، نساء، أحداثًا، وجملة المال المسروق والمسترد، وغيرها من المعلومات القيمة. لكن، ومع كل هذه التفاصيل، لا توجد إحصائية دقيقة توضح نتيجة هذه البلاغات.

 

صحيح أن التقرير يرصد وقائع سنة محددة، وقد تستغرق محاكمة العديد من البلاغات أكثر من سنة، لكن لا مانع أن تظهر الإحصاءات بهذا الشكل: على سبيل المثال، من أصل 10 آلاف بلاغ، 2 ألف تحت التحري، 2 ألف تحت المحاكمة، ألف شطب أمام النيابة، ألف حوكم بالبراءة، و4 آلاف حوكم بالإدانة. هذا الأسلوب يعطي صورة واضحة عن مصير البلاغات ويتيح تقييمًا حقيقيًا للأداء الجنائي، وهو ما يعرف في الدراسات الحديثة باسم Crime Analysis.

 

التسديد: قلب العمل الجنائي النابض، التسديد ليس مجرد إجراء روتيني، بل قلب العمل الجنائي النابض. من خلاله يمكن تقييم الأداء الفعلي للأقسام والمباحث والمتحرين (Staff Performance Evaluation). على سبيل المثال، قد يظهر أن 40٪ من البلاغات المتعلقة بمكافحة المخدرات انتهت ببراءة المتهمين. وهنا يثور سؤال: هل السبب نقص الأدلة، أم بطلان إجراءات التفتيش، أم أن الاعترافات أُخذت بطرق غير قانونية؟

 

هذه المعلومات لا تُقدّر بثمن، لأنها تكشف نقاط القوة والضعف، وتساعد في تحسين الأداء، وتوجيه التدريب والموارد بشكل صحيح.

 

الأباء المؤسسون للعمل الجنائي لم يضعوا هذه الدفاتر والأورنيك عبثًا. كل خانة فيها كانت مدروسة بدقة، وكل حقل معلومات له أهميته. التجاهل الحالي للتسديد يعني أننا نفقد عنصرًا أساسيًا من منظومة العمل الجنائي، وهو عنصر يمكن أن يغيّر فهمنا لنجاحاتنا وإخفاقاتنا.

 

إعادة الاعتبار للتسديد في دفاتر البلاغات ليست رفاهية، بل ضرورة. هي خطوة لتحسين جودة العمل الجنائي، ورفع كفاءة العاملين، وتحقيق العدالة بشكل أفضل. فالغاية ليست مجرد تسجيل البلاغ أو القبض على المتهم، بل معرفة كيف انتهت هذه الجهود، وما هو أثرها الحقيقي.

 

غياب التسديد ليس مجرد خانة فارغة، بل فريضة غائبة، إذا أعيدت إلى مكانها الصحيح، ستجعل العمل الجنائي أكثر وضوحًا، وأكثر عدلًا، وأكثر قدرة على خدمة المجتمع بصدق ومهنية.

 

12 مارس 2026م

زر الذهاب إلى الأعلى