أعمدة الرأي

حسد إبليس أشد من فتنة داوود بقلم : كابتن محمد حسن الطاهر

 

التاريخ : مارس. 24. 2026

 

الحسد من أخطر أمراض القلوب التي تفتك بالإنسان وتفسد علاقاته وتجرّه إلى المعاصي والذنوب.

وهو شعور داخلي بالضيق من نعمة أنعم الله بها على غيره، مقرون بتمنّي زوالها.

وقد حذّر القرآن الكريم من الحسد، وبيّن أنه أصل كثير من الشرور، إذ كان سببًا في أول معصية وقعت في الوجود حين حسد إبليس آدم على تكريم الله له.

فهو تمني زوال النعمة عن الغير، سواء رافقه سعي لإزالتها أو اكتفى صاحبه بالضيق النفسي

وهو يختلف عن الغبطة التي هي تمني مثل النعمة دون زوالها عن صاحبها.

الحسد يفسد القلب ويعمي البصيرة، ويجعل صاحبه في حرب دائمة مع قضاء الله وقدره وهنا يمكن التمييز بين :

 

حسد إبليس المطلق:

حسد إبليس آدم عليه السلام حين أمره الله بالسجود له، فاستكبر وقال:

– “أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين”.

هذا الحسد لم يكن لحظة عابرة، بل استمر إلى يوم القيامة، إذ أقسم إبليس أن يغوي بني آدم جميعًا.

فهو حسد مطلق ممتد عبر الزمان، يترتب عليه إضلال أجيال متعاقبة.

 

اما حسد إخوة يوسف النسبي: حين رأوا محبة أبيهم يعقوب ليوسف، اشتعلت قلوبهم حسدًا، فخططوا لإبعاده.

استمر هذا الحسد أكثر من أربعين عامًا حتى انكشف الحق وعفا يوسف عنهم.

ورغم طول مدته، إلا أنه انتهى بالتوبة والصفح، فهو حسد نسبي محدود بزمن معين.

 

بالمقابل تاتى فتنة داوود :

وهي فتنة عابرة تتعلق بالحكم بين الخصمين حين قال له أحدهما:

– “إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزّني في الخطاب”.

فظن داوود أنما فُتن في حكمه، فاستشعر خطورة الموقف، فخرّ راكعًا وأناب إلى الله.

هذه الفتنة لم تتجاوز لحظة مراجعة وتوبة، ولم تكن ممتدة أو متجذّرة كالتي في الحسد.

 

من خلال النظر في هذه النماذج، يتضح أن الحسد أشد خطورة من فتنة داوود:

– فتنة داوود كانت موقفًا عابرًا تطلّب مراجعة وتوبة، فانتهت سريعًا.

– أما الحسد، فهو داء مستمر، قد يمتد لعقود كما في قصة يوسف، أو إلى يوم القيامة كما في حسد إبليس.

– الحسد يفسد القلوب ويزرع العداوة ويؤدي إلى الجرائم،

– بينما الفتنة العارضة قد تكون بابًا للتوبة والرجوع إلى الله.

 

الخلاصة

الحسد إذن أخطر من الفتنة العابرة، لأنه مرض مزمن يلازم صاحبه ويُنتج آثارًا مدمّرة على الفرد والمجتمع.

إبليس بحسده صار عدوًا للبشرية إلى يوم القيامة،

بينما داوود عليه السلام بفتنته العارضة ازداد قربًا من الله بعد أن تاب وأناب.

لذلك، فالحسد أشد من فتنة داوود، وهو أصل البلاء الذي يجب على المؤمن أن يحذر منه، ويطهّر قلبه بالرضا بقضاء الله، وبالدعاء أن يبارك الله في نعم الآخرين كما يبارك له في نعمته.

زر الذهاب إلى الأعلى