مقالات الرأي

اسامة محمد عبدالرحيم يكتب عن العميد طبيب طارق الهادي كجاب أحدثكم

 

أحدثكم رغم تقاصر مقامي عن مقامه، ورغم تقزم جهدي عن جهاده وثباته،

 

ولكن،

طارق تجاوز، بدرجات متفاوتة، مقتضيات الضبط والربط العسكري المعروفة.

 

لكنه دون شك، كان يقدم خدمة كبيرة للعسكريين قبل المدنيين، وفي أحلك وقت وأقسى الظروف والأوضاع (عندما زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر)، يومها كان آلاف السودانيين ينتظرون طلته على الفيس بوك. حينها كان طارق جيشًا لوحده، لا ينكر ذلك إلا مكابر.

بمرور الأيام، ومع اتساع التفاعل الجماهيري، بدا أن وتيرة الظهور الإعلامي أخذت تتزايد، بما حمل معه تحديات جديدة، يبدو أن طارق استهوته الإطلالة عبر الوسائط وحصد أعداد المتابعة ولايكات المتابعين، وربما إيمانًا منه بدوره المقدس، فاستمر يحدث الناس في شأن الجيش والمعركة وفي كل شأن، ومن هنا بدأت الأخطاء وكثر الزلل. وأعطى طارق لخصومه فرصة لتصويب سهامهم نحوه ومن خلفه أهداف أخرى.

ويبدو كذلك أن الزمان كان قد تغير وتغيرت أحداثه، فتغيرت معه الحسابات، حسابات الجيش وحسابات البلاد، فما كان مفيدًا بالأمس وقبل عام لم يعد مفيدًا الآن. وما كان يعجب القيادة العسكرية أو السياسية ويطربها حينها، أصبح يزعجها الآن ويحرجها.

كذلك فإن مؤسسة الرئاسة في بلادنا، والتي يصعب فصلها عن مؤسسة الجيش وقيادته، وبفعل الضغوط المحلية والإقليمية والدولية، الإعلامية والسياسية، وقعت في فخ الاستدراج والاستفزاز، واستجابت لمقصود الحملات الإعلامية المحلية والإقليمية، التي سهلها لهم طارق، فاختارت وفق تقديراتها – المُقدّرة – أيسر وأسرع المعالجات.

من المؤكد أن طارق لم يمنعه أحد من قادته العسكريين وعبر التراتبية العسكرية من الظهور الإعلامي (عبر السوشيال ميديا)، كما لم ينصحه أحد أو ينبهه لتوجيه طاقته المحتشدة بكثير من الخير الذي يفيد الجيش والبلاد في هذه المرحلة.

كان يمكن استخلاص الإيجابي الذي يمتلكه طارق؛ أو الذي اكتسبه وتنامى عنده من إمكانات أو قدرات أو ميزات لصالح المعركة والبلاد، وليس أقلّه هذا القبول الشعبي الكبير والتداعي معه وحوله.

التحول الأهم لم يكن في طارق وحده، بل في حاجة المؤسسة نفسها؛ فالرجل الذي كان يمثل إضافة في مرحلة، أصبح وجوده الإعلامي مكلفًا في مرحلة أخرى، ويبدو أن القيادة التي كانت تحتاج إطلالة طارق بالأمس، أصبح خروجه اليوم للناس بالحديث عبئًا ثقيلًا عليها ويكلفها داخليًا وخارجيًا، فرجعت للوائحها وقوانينها التي تعتبر ما يفعله طارق جرمًا يستحق المحاسبة، ولو كان العقاب الإحالة للتقاعد.

المشكلة لم تكن في الصوت الجاهر بالحق وحده، ولا في قوة الكلمة ووضوحها، بل في غياب إدارة هذا الصوت، وتوجيه هذه الكلمة في التوقيت والسياق المناسبين.

أخطأ طارق رغم جهده وكسبه المقدر، وقدرت المؤسسة في شأن محاسبته.

ذهب طارق وقد احدث الفعل، وترك للناس الصدى، ومقامه معلوم عند الله الذي فضل المجاهدين على القاعدين درجة، فما ضره ما يقوله الناس.

ترجل طارق، ولن يقف رزقه عند أبواب الجيش، ولن يعدم ما يفعله ويفرغ فيه طاقته وقدراته، ولم يخسر دون شك.

يخرج طارق الآن من ضيق الحياة العسكرية – بفعل القوانين واللوائح – إلى سعة الحياة المدنية العامة، متعددة الفرص، لينشر فيها ما يفيد.

تقاعد طارق، ولن تتوقف المسيرة، فالجيش مزدحم برجاله في كل الصفوف ومختلف الصنوف، ومواكب الجيش تمضي بطارق وأمثاله وبدونهم، يسدون عين الشمس ويملأون ساحات التضحية والعطاء بذلًا للأنفس والدماء والعرق وكل غالٍ ورخيص.

قوموا إلى معركتكم، ينصركم الله

اسامة محمد عبدالرحيم

زر الذهاب إلى الأعلى