أعمدة الرأي

بقايا حروف  د. أبوالقاسم محمد نور  كراسي.. وجاهة.. ضياع..!! 

 

 

■ تظل الجالية السودانية في المملكة العربية السعودية الرقم الأصعب في معادلة الوجود الخارجي، فهي الرئة الاقتصادية التي يتنفس بها الوطن، غير أن هذا الكيان يواجه اليوم تحديات بنيوية جعلته رهيناً لجدل عقيم، حيث اختلطت مفاهيم العمل التطوعي بمرارات التسييس الضيق، مما أدى لتآكل الثقة وانصراف الملايين عن المشاركة في بناء مؤسسة خدمية تليق بإنسان السودان المغترب.

■ إن الواقع الراهن يفرض وقفة جادة لإدراك الأنظمة والقوانين التي تحكم العمل العام، والوعي بضرورة اختيار العناصر الكفؤة بعيداً عن صراعات “الكراسي” والوجاهة الاجتماعية الزائفة، فالمكتب التنفيذي ليس صالوناً للمناسبات أو منصة لإثبات الذات، بل هو مكتب خدمي بالدرجة الأولى، وُجد ليلبي احتياجات القاعدة العريضة ويوفر الحلول لمشكلات المغتربين بمهنية وتجرد كامل بعيداً عن الاستعراض.

■ من المحزن حقاً أن يُحصر مفهوم الجالية في مئات الأشخاص الذين يظهرون في المناسبات أو عبر المجموعات الافتراضية، بينما تضم جالية المنطقة الغربية وحدها مئات الآلاف من السودانيين المغيبين عن المشهد، ديل “كتلة بشرية” وطاقة اقتصادية هائلة يمكن أن تغير حال الوطن، لكنهم ضائعون في زحمة “الجوطة” وغياب الرؤية المؤسسية القادرة على استيعاب هذا الثقل وتوظيفه لمصلحة الجميع.

■ الجالية الحقيقية ليست مجرد كشوفات قديمة ومستهلكة فقدت صلتها بالواقع، بل هي استمارة عضوية محدثة ونادٍ سوداني وروابط مهنية وصناديق تكافل تسند المحتاجين، وهي كل سوداني مقيم نظامياً ومسجل في السجلات القنصلية، مما يوجب علينا تصميم خدمات رقمية حديثة تنهي عهد “العشوائية” في إدارة ملفات شائكة تتطلب الفكر والعلم، لا مجرد الصراخ في المنابر والمجموعات المغلقة.

■ لو طرحنا الأسئلة الجوهرية حول غياب الإنجازات، لوجدنا أن غياب الاستقرار هو العائق الأكبر، فما الجدوى من تكرار لجان التسيير في عمل طوعي لا يدر أجراً؟ وما هي الضمانات التي قُدمت للعضو ليطمئن على ماله؟ إن العمل العام يتطلب استقراراً إدارياً وهيكلة واضحة تفصل تماماً بين “الحزبية والشللية” وبين رسالة الجالية السامية التي يجب أن تظل مظلة آمنة لكل سوداني.

■ الحسابات الرقمية البسيطة تظهر حجم الفرص الضائعة، فلو ساهم كل فرد باشتراك رمزي يسير، لتوفرت ميزانيات ضخمة قادرة على إحداث ثورة في الخدمات التعليمية والصحية ودعم المتعففين، لكن إدارة هذه الموارد تتطلب منصات إلكترونية شفافة تضمن وصول كل ريال لمستحقه، فالعبرة بالنتائج الملموسة التي تلمس حياة المغترب وأسرته، وليس بالخطب الرنانة التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

■ لقد حان الوقت لفتح الأبواب واسعاً أمام طاقات الشباب، فهم الأقدر على مواكبة لغة العصر والتطور الرقمي، وتوحيد الجهود عبر لجان متخصصة تعنى بالصندوق الخيري والتعليم والتوظيف، لضمان استمرار العطاء بأسس علمية حديثة، فإعادة إعمار كيان الجالية يبدأ من صدق النوايا وتغليب المصلحة العامة، لتبقى الجالية السودانية في المملكة نموذجاً مشرفاً للتكافل والبناء المؤسسي الرصين والنافع

زر الذهاب إلى الأعلى