مشروع السوكي الزراعي عمق الجرح.. بقلم : عبدالله الطيب… تكتوك المؤتمر الزراعي الاقتصادي واهميته (2)

في خضم التحديات التي تواجه القطاع الزراعي في السودان، يبرز مشروع السوكي الزراعي كواحد من اهم المشاريع الاستراتيجية التي يمكن ان تعيد التوازن للاقتصاد الوطني، اذا ما احسن التخطيط له وادارته برؤية شاملة ومسؤولة. ومن هنا تاتي اهمية المؤتمر الزراعي الاقتصادي، ليس كفعالية بروتوكولية عابرة، بل كمنصة حقيقية للحوار الجاد وصناعة القرار، يجتمع فيها كل الفاعلين من مزارعين وخبراء وكفاءات وطنية ومنظمات ومؤسسات دولة ومانحين ومستثمرين.
المؤتمر في جوهره يجب ان يكون نقطة تحول، وليس مجرد توصيات تكتب على الورق ثم توضع في الادراج. المطلوب هو الانتقال من مرحلة التشخيص الى مرحلة التنفيذ، ومن الحديث عن الازمات الى وضع حلول عملية قابلة للتطبيق. وهذا لن يتحقق الا اذا كانت هناك ارادة حقيقية لتغيير الواقع، بعيدا عن المجاملات والوعود غير الملزمة.
من اهم القضايا التي يجب ان تتصدر اجندة المؤتمر هي البنية التحتية، لانها تمثل العمود الفقري لاي نهضة زراعية. لا يمكن الحديث عن زيادة الانتاج او جذب استثمارات في ظل طرق متهالكة تعيق حركة المحاصيل، او ضعف في شبكات الاتصالات يعزل المزارع عن الاسواق والمعلومات، او غياب الخدمات الاساسية التي تحفظ كرامة انسان المنطقة.
تعبيد الطرق ليس ترفا، بل ضرورة اقتصادية تساهم في تقليل تكلفة النقل وزيادة كفاءة التسويق. والاتصالات لم تعد رفاهية، بل اداة اساسية لربط المزارعين بالتقنيات الحديثة والاسواق العالمية. كذلك فتح المصارف وتفعيل دورها في التمويل الزراعي يمثل خطوة محورية، اذ لا يمكن للمزارع ان ينتج دون تمويل عادل وشفاف يراعي ظروفه.
اما مراكز البحوث والتقانة الزراعية، فهي القلب النابض لاي تطوير حقيقي. الزراعة لم تعد تعتمد فقط على الخبرة التقليدية، بل اصبحت علما قائما على الابتكار والتكنولوجيا. ومن هنا يجب دعم هذه المراكز وتوفير الامكانيات لها، حتى تقدم حلولا علمية لمشاكل التربة والري والانتاج، وتساهم في نقل المعرفة الى المزارعين بشكل مباشر.
المؤتمر كذلك يمثل فرصة لاعادة بناء الثقة بين الدولة والمزارعين، وهي ثقة تضررت كثيرا خلال السنوات الماضية بسبب غياب الشفافية وضعف المتابعة والمحاسبة. المطلوب اليوم هو خطاب صادق، وقرارات واضحة، والتزام حقيقي بتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.
كما يجب ان لا يغيب صوت المزارع البسيط عن هذا المؤتمر، فهو صاحب المصلحة الحقيقية، وهو الاقدر على تشخيص مشاكله اليومية. اشراكه في الحوار وصناعة القرار يعزز من فرص النجاح، ويجعل السياسات اكثر واقعية وقابلية للتطبيق.
الاستثمار في مشروع السوكي لا يجب ان ينظر اليه كاستثمار محلي فقط، بل كفرصة استراتيجية يمكن ان تجذب رؤوس اموال اقليمية ودولية، اذا ما توفرت البيئة المناسبة من استقرار وبنية تحتية وتشريعات واضحة. وهذا يتطلب تنسيقا عاليا بين كل الجهات ذات الصلة، والعمل بروح الفريق الواحد.
في النهاية، يبقى السؤال الاهم: هل سيكون هذا المؤتمر بداية حقيقية لانقاذ مشروع السوكي، ام مجرد محطة اخرى في طريق طويل من الوعود؟ الاجابة تعتمد على ما سيتبعه من افعال، لا ما سيقال فيه من كلمات.
عمق الجرح لا يكمن في قلة الموارد، بل في سوء ادارتها. والامل ما زال قائما، اذا ما توفرت الارادة، وتوحدت الجهود، وتم وضع مصلحة الوطن والمزارع فوق كل اعتبار.
نواصل،،،،


