ريحة البلد من قناديل القتال إلى ميادين الخلود سيرة الشهيدين مهند ومزمل يرويها الفدائي هيثم عباس بقلم د. سارة عبدالعزيز

المقال الثاني
زيرو 19…. بداية الحكاية
في الأمس توقفنا عند مشهد لا يغادر الذاكرة مشهد الوجوه التي تعلمت أن تبتسم رغم الفقد وأن تخفي ارتجافها خلف هتاف عال كأن الصوت وحده قادر على صد الخوف واليوم نكمل الحكاية
لا لنعيد الألم
انما لنفهمه ونعيد صياغته في معنى يليق بالوطن والإنسان معا
الوطن في لحظات الاضطراب
لا يكون مجرد أرض تحمى
انما يصبح فكرة تختبر فكرة العيش الكريم
فكرة العدالة وفكرة أن الإنسان أغلى من كل الشعارات. وبين هذه المعاني يقف الشباب في المنتصف
حائرين بين الحلم والواجب بين الحماسة والعقل بين الاندفاع والبصيرة
لقد حمل كثيرون قلوبهم على أكفهم وساروا وهم يظنون أن الطريق الأقصر إلى المجد هو الأكثر خطورة رأوا في التضحية قمة المعنى وفي الفداء غاية الغايات
لكن السؤال الذي يظل معلقا هل الوطن يحتاج فقط إلى من يموتون لأجله أم إلى من يعيشون ليبنوه؟
إن البطولة، في جوهرها، ليست دائمًا في لحظة المواجهة، بل في القدرة على الاستمرار.
في أن تبقى رغم كل شيء، متمسكًا بالحياة، ساعيًا لإعمار ما تهدّم، ومداواة ما انكسر. فالوطن لا يبنى بالدم وحده
انما بالعقل بالعلم وبالإرادة التي ترفض أن تستسلم للفوضى.
لقد علمتنا التجارب أن الحماسة إن لم يهذبها الوعي قد تتحول إلى نارٍ تأكل أصحابها قبل أن تصيب غيرهم. وأن الكلمات التي تشعل القلوب يجب أن توازنها كلماتٌ تُنير العقول. فليس كل اندفاع شجاعة، وليس كل تراجع ضعف.
وفي خضمّ هذا كله، تبقى الذكريات حاضرة؛ وجوه الأصدقاء، ضحكاتهم، أحلامهم التي لم تكتمل. هذه الذكريات ليست دعوةً لتكرار المأساة، بل نداءٌ صامتٌ كي نحمي ما تبقى، ونُعيد تعريف الطريق.
الوطن اليوم لا يحتاج إلى مزيدٍ من الخسارات انما إلى وقفة تأمل
إلى مراجعة صادقة تعيد ترتيب الأولويات وتضع الإنسان في قلب المعادلة فحين نحمي الإنسان نحمي الوطن وحين نعلي من قيمة الحياة
نمهد لمستقبلٍ أكثر استقرارا وعدلا
وفي هذه السلسلة لن يكون الهدف سرد الحكايات فقط انما البحث عن المعنى الكامن خلفها عن الطريق الذي ينقذ ما يمكن إنقاذه ويمنح الأمل لمن ظنّ أن الأمل قد انتهى.
وللحديث بقية…


