أُسَيْدياتُ الثُلاثاء عثمان الشيخ الأُسيد يكتب علقها على رقبة عالم واخرج منها سالما
وسوس ابليسُ لأبينا آدم حتى أخرجه من الجنة، فمن وسوس لإبليسَ كي يُوسوسَ لأبينا آدم؟ لا يكاد ينجو أحدٌ من ذريةِ آدم من وسوسة إبليس. وسوس لي، فتبعتُه ولكنه لم ينفعني، فتركتُه وعاديتُه ولعنتُه فلم يضرني. من هو ابليس؟ (تبعته فلم ينفعني عاديته ولم يضرني) إنَّ كيدَ الشيطانِ- مهما عَظُمَ- فهو ضعيف، قال اللهُ تعالى: ﴿ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ﴾ [النساء: 76]
إدعى إبليسُ أنه مظلومٌ واخذ يمثل دورَ الضحية، فقال إنَّ له سبعةَ حججٍ على الله تعالى. قلتُ في نفسي: عشنا وشفنا .. إبليس يطلب الانتصاف ويشكو من عدم الإنصاف (الانتصاف طلب العدل والانصاف العدل) ثمَّ قلتُ له: هات ما عندك. قال:
*الحجة الأول:*
إذا كان الله قد علم قبل خلقي كل شيءٍ سيصدر عني ويحصل مني، فلماذا خلقني وما الحكمة من خلقه إياي؟
*الحجة الثانية:*
خلقني اللهُ على مقتضى إرادته ومشيئته، فلماذا كلفني بمعرفته وطاعته؟ وما الحكمة في هذا التكليف، مع العلم أنَّ الله لا ينتفع بطاعة أحد ولا يتضرر بمعصيته؟
*الحجة الثالثة:*
حين خلقني هو، وكلفني فالتزمت تكليفَه بالمعرفة والطاعة، فلماذا كلفني بطاعةِ آدم والسجود له؟ وما الحكمة في هذا التكليف على الخصوص؟
*الحجة الرابعة:*
إني لم أرتكب قبيحًا إلا قولي (لا أسجد إلا لك وحدك) فلماذا لعنني وأخرجني من الجنة وما الحكمة في ذلك؟
*الحجة الخامسة:*
بعدما لعنني وطردني، فتح لي طريقًا إلى آدمَ حتى دخلتُ الجنةَ ووسوستُ له فأكل من الشجرة المنهي عنها. وهو لو كان منعني من دخول الجنة لاستراح آدمُ وبقيَ خالدًا فيها، فما الحكمة في ذلك؟
*الحجة السادسة:*
بعد أن فتح هو لي طريقًا إلى آدمَ، جعل الخصومةَ بيني وبينه، لماذا سلطني على أولادِه حتى صرتُ أراهم من حيث لا يَرَوْنني وتؤثر فيهم وسوستي، وهو لو خلقهم على الفطرة دون أن يحولهم عنها فعاشوا طاهرين سامعين مطيعين لكان ذلك أحرى بهم وأليق بالحكمة؟
*الحجة السابعة:*
وهو بعد ذلك أمهلني وأخَّر أجلي إلى يوم القيامة. فلو أنه أهلكني في الحال لاستراح آدمُ وأولاده مني، ولما بقيَ عند ذلك شرٌ في العالم. أليس بقاءُ العالم على نظام الخير خيرًا من امتزاجه بالشر؟
قد يوسوس لك الشيطانُ محاولًا إقناعك بانَّ هذه الحجج منطقية، (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) فكن من الذين استثناهم ابليس﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾: استثناءٌ للذين أخلصوا العبادةَ لك، فلا سلطان لي عليهم..
هناك خيطٌ رفيعٌ بين الجرأةِ والوقاحة. ما أن تبينه، يتضح لك الفارقُ الكبير، حججُ إبليس هذه منتهى الوقاحة. أما الجرأةُ فهي ان يسألني احدكم: هل انت مؤهلٌ لأن تكتبَ مثل هذا الكلام؟ وهل تعرف ما حكم مثل هذا القول؟ أقول بصراحة: أنا لا املكُ خيالًا بهذه الخصوبة، وليس لدي علمٌ شرعي يؤهلني لمعرفةِ حكمِ مثل هذه الأسئلة، فأنا افكرُ في نطاقٍ حدودي العقلية التي منحني إيَّاها اللهُ تعالى، ولن اتعدى حدودَ استطاعة تفكيري.
تلك الحجج المفترضة هي من خيال عالمٍ مؤهل، فهو مؤرخٌ مسلم بارز، يُعدّ في فقهه شافعي المذهب، وفي عقيدته أشعرياً، بل من كبار متكلمي الأشاعرة الذي يُعد موسوعةً في الفِرَق والمذاهب، وكان يُلقبُ بشيخِ أهلِ الكلامِ والحكمة. إشتهر بكتابه “الملل والنحل” هذا الكتاب الذي وجدتُ فيه هذا الحوار ونقلتُه لكم، وليس لي فيه من الافتخار اكثر من الاختيار( علقها على رقبة عالم واخرج منها سالما)
نسمع قولَ صاحب كتاب الملل والنحل في الحوار الذي افترضه هو مع ابليس، وماذا قال الله تعالى.
(لو كنتَ- يا أبليسُ- صادقًا مخلصًا في الاعتقاد بأني إلهك وإله الخلق، ما احتكمتَ عليٍَ بكلمة لماذا؟ فأنا الله لا إله إلا أنا، غيرُ مسؤولٍ عما أفعل، والخلق كلهم مسؤولون) ويقول العالم: إن كلَّ شبهةٍ وقعت على بني آدم، منذ بدء الخليقة إلى يومنا، هذا نشأت من جراءِ هذه الكلمة الرعناء: “لماذا؟” وبحسب تفسيره فإنها تعني: “إنكار الأمر بعد الإعتراف بالحق.
ومن المعروف أن إبليسَ كان من الجنِّ الذي له حريةُ الإختيار في العبادة، ورفعه اللهُ مع الملائكةِ، لأنه لا يعصي اللهَ ما أمره ويفعل ما يؤمر، فصار مثلهم. ولكن عند منعطف اختبارٍ آخر، أو معرفة أنَّ هناك مخلوقًا آخرَ يمكن أن يكون أفضلَ منه، أحرقته نارُ الغيرةِ، فأنزوى إلى زُخرفِ الغرور. وهنا أعودُ للسؤال الذي طرحته في مقدمة هذا المقال: ومن وسوس لإبليسَ أن يعصي الله؟ الملائكةُ سألوا نفس السؤال ولكن بطريقة أخرى: “أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟” والله تعالى أجاب: (إني أعلم ما لا تعلمون) فإبليسُ رفض وواصل وتكبر وأبى السجودَ وطاعةَ أمر خالقه، بينما الملائكةُ سكتوا ثم سجدوا طاعةً لأمر خالقهم. يقول العالم: إبليسُ- أيها القارئ والقارئة – لم يوسوس له أحدٌ، وفعل ذلك من نفسه. نعم “نفس” إبليس هي من وسوست له. فبعد أن وسوست له نفسُه وضللته، إحترف مهنةَ الوسوسة ليوسوسَ في صدورِ الناس.زونعوذ بالله من الشيطان الرجيم. انتهى كلام العالم أبو الفتح الشهرستاني (المتوفى 548هـ) وأكون بذلك (علقتها على رقبة هذا العالم وخرجتُ منها سالما)
والله أعلى وأعلم..
28 أبريل 2026م


