فلق الصباح علي بتيك يكتب العدالة الاجتماعية

إن موضوع العدالة الاجتماعية قديم جداً ارتبط بالبدايات الأولى لنشوء المجموعات البشرية وتزامن مع تطور المجتمعات التي تحولت إلى الحضر وتغير أدوات وعلاقات الإنتاج. ومفهوم العدالة الاجتماعية اليوم يعد مدخلاً لا غنى عنه في استقرار الدولة والسلم الاجتماعي ولاغرو أن أفردت الأمم المتحدة يوماً لبعث قيم ومبادئ العدالة الاجتماعية.
وهو مفهوم مرن تحوم معانيه حول العدالة والمساواة انطلاقاً من مبادئ الإنصاف والوصول والمشاركة والحقوق..والعدالة الاجتماعية مهمة كونها تهدف لإرساء دعائم الاستقرار وتعزز العيش المشترك انطلاقاً من قيم المساواة وتكافؤ الفرص وتوزيع الثروة والسلطة لتحقيق التنمية المتوازنة المستدامة التي تضمن المشاركة السياسية والاندماج الاجتماعي.
لذلك اتخذت كل الثورات والحركات الإصلاحية وحتى المتمردة شعار العدالة الاجتماعية عنواناً لها وفق رؤيتها الخاصة. ففي الغرب مثلاً نجد التركز على البعد القانوني والحقوق الفردية والديمقراطية،بينما في الفكر الإسلامي العدالة قيمة أخلاقية مطلقة لاتبرر الظلم وإنفاذها واجب في كل الأحوال . أما عند الشيوعيين فهي تهدف لإلغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وملكية الدولة أو المجتمع للموارد وهي مفاهيم تتفاوت عند الماركسين والاشتراكيين والأخيرين أكثر واقعية وهم القائلون بمبدأ من كل حسب طاقته ولكل حسب جهده.
والدول حديثة العهد والتكوين مثل السودان أحوج ماتكون لتحقيق مبادئ العدالة الاجتماعية كمدخل ضروري لبناء واستقرار الدولة وبسط الأمن والسلم من خلال سياساتها الداعمة للعدالة الاجتماعية الملبية لاحتياجات المواطنيين الفعلية.
ومعلوم أن الحروب تفاقم الأوضاع كما في الحالة السودانية حيث اندلع التمرد قبيل الاستقلال ولايزال الوطن يعاني من ويلات التمرد وحركاته جراء صراعات المركز والهامش والاحتراب القبلي.. وما تفرزه من مشكلات النزوح والخراب والإفقار الممنهج وهو مايصعب مهمة الدولة ويجعلها عاجزة عن تحقيق العدالة الاجتماعية التي تتطلب حكماً راشدا يقوم على مبادئ الشفافية واللامركزية في الإدارة وبعمل على إرساء البنيات التحتية وترقية الخدمات ومراجعة السياسات الضريبية والمسؤولية الاجتماعية وبرامج الضمان الاجتماعي وجودة التعليم والإصلاح السياسي.
وفي مثل هذه الأيام المباركات أرسى خاتم المرسلين مبادئ الحقوق والعدالة والمساواة في خطبة الوداع وهو نفسه صلوات ربي وسلامه عليه الذي شهد حلف الفضول المناهض للظلم في الجاهلية.نحتاح في السودان وفي المشرق عموماً لإعادة إنتاج صيغة مجددة للعقد الاجتماعي محصنة مؤصلة بقيمنا منفتحة على فلسفات ومذاهب وتجارب الآخرين من لدن أفلاطون وسقراط إلى توماس ولوك وروسو وأوغست كونت وغيرهم من المنظرين الذين أرسوا مبادئ العدالة الاجتماعية الخمسة المتمثلة في الوصول والتنوع والمساواة والمشاركة وحقوق الإنسان.


