مقالات الرأي

فريق شرطة حقوقي د. الطيب عبدالجليل حسين يكتب السودان: الدولة المعطاة والمصطنعة والمفروضة من الخارج: جدلية التوصيف والتشخيص وإعادة التعريف (20)

 

الانقلابات الهجينة المدنية– العسكرية وأثرها على الشرعية الدستورية (10)

————————————

الإنتقال ثورة 18 ديسمبر 2018م – 11 أبريل 2019م (2)

————————————

تتناول هذه المقالة، في إطار سلسلة مقالات مترابطة، مسار الانتقال السياسي في السودان عقب ثورة 18 ديسمبر 2018م وسقوط نظام 30 يونيو 1989م بتاريخ 11 أبريل 2019م، لا بوصفه مجرد مرحلة انتقالية عابرة ذات طبيعة إجرائية أو ظرفية، بل باعتباره امتدادًا تاريخيًا لأزمة الدولة السودانية الحديثة. لا سيما أنّ سلسلة المقالات تنطلق من فرضية تأسيسية مؤداها أنّ أزمة السودان ليست وليدة تبدّل الأنظمة أو تعاقب النُخب، وإنما ترتبط على نحوٍ جوهري بطبيعة نشأة الدولة الوطنية نفسها منذ الاستقلال عام 1956م. فالسودان، وفق هذه الفرضية، لم يتشكّل بعد بوصفه دولة معطاة وعضوية نابعة من تطور اجتماعي–تاريخي داخلي، بل ظلّ أقرب إلى دولة مصطنعة ومفروضة من الخارج، نشأت في إطار ترتيبات استعمارية– إمبريالية، ولم تستطع أن تُعيد تأسيس نفسها على قاعدة عقد وطني–دستوري جامع ومستقر.

ومن هنا، فإن الأزمة السودانية تتجاوز حدود الصراع السياسي الراهن، لتكشف عن مأزق تأسيسي مُمتد يتمثل في غياب الدولة الوطنية بالمعنى العضوي، واستمرارها ككيان هشّ تتنازعه الشرعيات العسكرية والمدنية والثورية والدستورية الانتقالية، إلى جانب اختراق أمني– استخباراتي عميق وشبكات مصالح خارجية عابرة للحدود. وهذه الشبكات لا تقتصر على الدول الإقليمية والدولية الفاعلة في المجتمع الدولي، بل تشمل أيضًا أفرادًا من مواطني الدولة السودانية الذين ارتبطت مصالحهم بمراكز نفوذ خارجية، مما جعل بنية الدولة عرضة لتداخلات معقدة ومركبة.

وبذلك، فإن الأزمة السودانية لا تُختزل في ضعف الشرعية الداخلية فحسب، بل تتجلى في تداخل مصالح محلية–إقليمية–دولية، تجعل من مسار الانتقال السياسي ساحةً مفتوحة لتجاذبات استخباراتية واقتصادية وسياسية، وتُعيق إمكانية بناء شرعية سياسية مستدامة على قاعدة عقد وطني–دستوري جامع. فقد ظلّت الدولة السودانية تتحرك داخل بنية سياسية–دستورية هشة، تتقاطع فيها الشرعيات العسكرية والمدنية والثورية والدستورية الانتقالية، وتتخللها شبكات مصالح أمنية واستخباراتية عابرة للحدود، دون أن يكتمل تكوين عقد وطني–دستوري مستقر قادر على إعادة إنتاج الشرعية السياسية بصورة مستدامة. وبذلك، الأزمة السودانية ليست مجرد أزمة شرعية داخلية، بل وضع مركّب، يتشابك فيه الداخل والخارج، وتلعب فيه شبكات المصالح الأمنية والاستخباراتية دورًا جوهريًا في إعاقة بناء الدولة الوطنية

وفي السياق، لا يمكن فهم ثورة 18 ديسمبر 2018م – 11 أبريل 2019م في السودان بمعزل عن السياق الإقليمي لموجة ثورات ما يسمى في الأدبيات السياسة (الربيع العربي)، التي شكّلت واحدة من أكبر التحولات السياسية والاجتماعية في العالم العربي المعاصر، باعتبارها تعبيرًا عن أزمة الشرعية في الدولة العربية الحديثة، وفشل العديد من النظم السياسية في تحقيق التوازن بين السلطة والمشاركة السياسية والعدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية.

فقد انطلقت الثورة التونسية في يوم 17 ديسمبر 2010م إثر حادثة إحراق محمد البوعزيزي لنفسه، وانتهت بسقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي بتاريخ 14 يناير 2011م، لتصبح الحادثة الشرارة الأولى للثورة التونسية والموجة الأولي لثورة الربيع العربي. ثم أعقبتها الثورة المصرية بتاريخ 25 يناير 2011م، والتي انتهت بتنحي الرئيس حسني مبارك بتاريخ 11 فبراير 2011م، مؤكدة الثورتين التونسية والمصرية، أن الحراك الشعبي قادر على إسقاط أنظمة سياسية راسخة حكمت لعقود طويلة. وقد مثّلت هاتان التجربتان لحظة مفصلية في التاريخ السياسي العربي، إذ أعادتا طرح أسئلة الشرعية والدستور والعلاقة بين الدولة والمجتمع، وحدود السلطة السياسية في مواجهة الإرادة الشعبية.

وفي السياق السوداني الملازم لموجة ثورات الربيع العربي، شهد السودان احتجاجات واسعة منذ 23 سبتمبر 2013م، انطلقت من مدينة ود مدني بولاية الجزيرة، ثم امتدت إلى عطبرة وسنار، قبل أن تتسع بشكل سريع لتشمل الخرطوم وأم درمان وبورتسودان والأبيض والقضارف وكوستي ونيالا، وذلك عقب إعلان الحكومة رفع أسعار الوقود والخبز في ظل تدهور حاد في الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، الأمر الذي فجّر موجة غضب شعبي واسعة طالت عدداً كبيراً من المدن الكبرى.

ورغم اتساع رقعة الاحتجاجات وتعدد مراكزها الجغرافية، فإنها لم تصل إلى مستوى إسقاط نظام 30 يونيو 1989م، وذلك بفعل الطبيعة الأمنية–العسكرية للنظام الحاكم آنذاك، واعتماده على بنية استخباراتية وتنظيمية محكمة مكّنته من احتواء الحراك الشعبي والتعامل معه عبر أدوات القمع العنيف. وقد استمرت الاحتجاجات لعدة أيام، وقوبلت باستخدام مفرط للقوة من الأجهزة الأمنية Intelligence and Security Service – NISS)، ما أسفر عن سقوط مئات القتلى والجرحى، في واحدة من أكثر محطات القمع السياسي دلالة في تاريخ السودان المعاصر.

ومع ذلك، فقد شكّلت احتجاجات سبتمبر 2013م لحظة سياسية واجتماعية مفصلية في المسار التراكمي للحراك السوداني، إذ كشفت بوضوح عن هشاشة نظام 30 يونيو 1989م وتآكل شرعيته السياسية والأخلاقية، كما أسهمت في تعميق وتراكم الوعي الاحتجاجي وتوسيع قاعدة السخط الشعبي. وبذلك، أصبحت هذه الاحتجاجات مقدمة بنيوية مهمة، مهّدت لاحقًا لانفجار ثورة ديسمبر 2018م، بوصفها الامتداد التاريخي والسياسي لذلك المسار التراكمي من الاحتجاجات والمقاومة الشعبية.

ومن ثم، جاءت الثورة السودانية 2018م التي انطلقت في 19 ديسمبر 2018م بمدينة عطبرة، وانتهت بسقوط نظام الرئيس عمر البشير في 11 أبريل 2019م، بوصفها امتدادًا متأخرًا لموجة الربيع العربي، أو ما يمكن توصيفه (بالربيع العربي المؤجل أو الموجة الثانية للربيع العربي). إلا أن خصوصية الحالة السودانية تمثلت في أن الثورة لم تُحسم خلال أسابيع كما حدث في تونس ومصر، بل امتدت لأشهر عدة نتيجة تعقيد بنية السلطة، وتغلغل المؤسسات العسكرية والأمنية داخل الدولة، وتشابك المصالح الإقليمية والدولية المؤثرة في مسار الانتقال السياسي.

وفي هذا الإطار، تكشف التجربة السودانية 2023م – 2019م، أن موجة الربيع العربي لم تكن مجرد احتجاجات مطلبية عابرة، وإنما مثّلت أزمة بنيوية عميقة في الدولة العربية الحديثة، تتعلق بإشكاليات الشرعية، والهوية الوطنية، وطبيعة العقد الدستوري، وحدود العلاقة بين المؤسسة العسكرية والمجتمع المدني. كما أظهرت أن إسقاط رأس النظام لا يعني بالضرورة تفكيك بنية السلطة أو بناء نظام دستوري مستقر، وهو ما برز بوضوح في السودان خلال المرحلة الانتقالية التي أعقبت سقوط نظام 1989م.

وإذا ما قورنت التجربة السودانية بالنماذج الانتقالية الإقليمية، مثل مصر بعد ثورة 21 يناير 2011م أو تونس عقب ثورة 2011م، يتضح أن السودان يواجه مأزقًا أكثر تعقيدًا من حيث تداخل الشرعيات وتنازعها. ففي مصر، حُسم الانتقال سريعًا عبر إعادة إنتاج سلطة مركزية ذات طابع عسكري–مدني، بينما في تونس أتاح التوافق الدستوري بين القوى السياسية صياغة دستور 2014م الذي مثّل إطارًا مؤسسيًا أكثر استقرارًا. أما في السودان، فقد ظلّ غياب العقد الوطني–الدستوري الجامع يعرقل إمكانية بناء شرعية سياسية مستدامة، ويجعل الانتقال عرضة للتجاذبات بين المكوّنات العسكرية والمدنية والثورية.

وإذا توسّعنا في المقارنة خارج الإقليم، فإن تجربة جنوب أفريقيا عقب نهاية نظام الفصل العنصري، تُبرز الكيفية التي يمكن بها للتوافق الدستوري الشامل أن يعيد تأسيس الدولة على أسس شرعية جديدة، إذ مثّل دستور 1996م عقدًا اجتماعيًا–دستوريًا جامعًا أسهم في إنهاء أزمة الشرعية التاريخية التي كرّسها نظام الأبارتيد، وأعاد بناء الدولة على قاعدة المواطنة والمساواة وسيادة القانون.

وكذلك الحال في إسبانيا بعد مرحلة الانتقال الديمقراطي في سبعينيات القرن العشرين، حيث وفّر دستور 1978م إطارًا دستوريًا توافقيًا مكّن من إعادة دمج المجتمع والقوى السياسية المختلفة داخل مشروع وطني–دستوري مستقر، وأنهى إلى حدٍّ كبير إرث الانقسامات والصراعات المرتبطة بمرحلة الحكم السلطوي.

في المقابل، تكشف الحالة السودانية عن خصوصية مأزقها البنيوي، إذ لم تنجح الدولة السودانية، منذ الاستقلال وبداية الحكم الوطني 1956م، في إنجاز توافق دستوري شامل يؤسس لشرعية وطنية مستقرة على نحوٍ مماثل. وظلّ سؤال الشرعية الدستورية، وطبيعة الدولة، وحدود العلاقة بين السلطة والمجتمع، سؤالًا مفتوحًا ومؤجلًا عبر مختلف المراحل السياسية، سواء خلال الفترات الديمقراطية ذات الطابع النخبوي–الصفوي، أو خلال المراحل الانتقالية الهجينة التي تداخلت فيها الاعتبارات العسكرية والمدنية والثورية. وقد أسهم هذا المسار في استمرار أزمات الهوية والسيادة والاستقرار السياسي، وأعاق تشكّل مشروع وطني جامع ومستدام قادر على إعادة تأسيس الدولة على قاعدة التوافق الدستوري والشرعية الشعبية المستقرة.

ومن منظور تحليلي، تتضح أسباب عدم استفادة السودان من هذه التجارب المماثلة في عدة مستويات:

(1) غياب التوافق الوطني الجامع: بخلاف تونس أو جنوب أفريقيا، لم تنجح القوى السودانية في بناء إجماع دستوري يدمج المكوّنات العسكرية والمدنية والثورية في عقد واحد.

(2) الانقسامات البنيوية للنخبة السياسية: حيث ظلّت النخبة السودانية أسيرة إرث الانقسام التاريخي بين تيارات الوحدة والانفصال، وبين الولاءات الإقليمية والدولية، مما أعاق إنتاج توافق داخلي.

(3) ضعف المؤسسات الدستورية: فشل السودان في تأسيس مؤسسات دستورية مستقرة (مثل المحكمة الدستورية أو المجلس التشريعي الانتقالي، والمفوضيات المستقلة) مما جعل عملية الانتقال للحكم الديمقراطي والحكومة المدنية بلا أدوات مؤسسية فاعلة.

(4) التدخلات الإقليمية والدولية: بخلاف إسبانيا أو جنوب أفريقيا التي حسمت انتقالها داخليًا، ظلّ السودان عرضة لتجاذبات خارجية أثّرت على مسار الانتقال وأضعفت فرص التوافق الوطني.

(5) الطابع التراكمي للأزمة السودانية: إذ أن أزمة الشرعية في السودان ليست أزمة نظام بعينه، بل أزمة تأسيسية ممتدة منذ الاستقلال 1956م، مما يجعل الاستفادة من تجارب الآخرين محدودة، وهو ما يستدعي معالجة أصل المعضلة.

ومن هنا، ومن ما تقدم، الأزمة السودانية تتجاوز حدود الصراع السياسي الراهن، لتكشف عن مأزق تأسيسي ممتد، يتمثل في غياب الدولة الوطنية بالمعنى العضوي، واستمرار الدولة السودانية ككيان هشّ تتنازعه الشرعيات العسكرية والمدنية والثورية والدستورية الانتقالية، إلى جانب اختراق أمني–استخباراتي عميق وشبكات مصالح خارجية عابرة للحدود. وهذه الشبكات لا تقتصر على الدول الإقليمية والدولية الفاعلة في المجتمع الدولي، بل تشمل أيضًا أفرادًا من مواطني الدولة السودانية الذين ارتبطت مصالحهم بمراكز نفوذ خارجية، مما جعل بنية الدولة عرضة لتداخلات معقدة ومركبة. وبذلك، فإن الأزمة السودانية لا تُختزل في ضعف الشرعية الداخلية فحسب، بل تتجلى في تداخل مصالح محلية– إقليمية–دولية، تجعل من مسار الانتقال السياسي ساحةً مفتوحة لتجاذبات استخباراتية واقتصادية وسياسية، وتُعيق إمكانية بناء شرعية سياسية مستدامة على قاعدة عقد وطني–دستوري جامع.

وفي هذا السياق، يمكن توصيف ما يُسمّى بالأزمة التأسيسية في السودان، أن أزمة الشرعية لم تكن يومًا أزمة نظام بعينه أو مرحلة انتقالية محدودة، وإنما هي أزمة ممتدة منذ استقلال البلاد وبدايات الحكم الوطني 1956م. فالدولة السودانية لم تُنشأ بوصفها دولة وطنية عضوية نابعة من تطور اجتماعي–تاريخي داخلي، بل جاءت في إطار ترتيبات استعمارية–إمبريالية مصطنعة ومفروضة من الخارج، دون أن تُبنى على قاعدة عقد اجتماعي– دستوري جامع. ومن ثمّ، فإن أصل معضلة الأزمة السودانية – أزمة الشرعية – يكمن في غياب التأسيس الوطني للدولة، حيث ظلّت بنية الدولة هشّة، تتنازعها الشرعيات المتعددة وتخترقها شبكات مصالح أمنية واستخباراتية عابرة للحدود، مما جعلها عاجزة عن إعادة إنتاج شرعية سياسية مستدامة.

وبهذا المنظور، الانتقال بعد ثورة ديسمبر 2018م هو حلقة جديدة في سلسلة تاريخية ممتدة، تكشف عن مأزق تأسيسي يتجاوز اللحظة السياسية الراهنة، ويعيد طرح سؤال الشرعية الدستورية في السودان بوصفه سؤالًا بنيويًا لم يُحسم، ويضع التجربة السودانية في موقع مغاير للتجارب الإقليمية والدولية التي استطاعت تجاوز أزماتها التأسيسية عبر عقد دستوري جامع ومستقر.

وفي هذا الإطار، تميّز سلسلة المقالات لهذه المقالة بين مفهوم (الدستورية الانتقالية) ومفهوم (الدستورية التوافقية). فالدستورية الانتقالية تُعبّر عن مرحلة مؤقتة قصيرة جداً تُدار فيها السلطة عبر ترتيبات استثنائية مرتبطة بإدارة الأزمات والتحولات السياسية عقب الثورات أو النزاعات أو انهيار الأنظمة، حيث تُستخدم النصوص الدستورية بوصفها أدوات لإعادة توزيع السلطة وضبط موازين القوة خلال الفترة الانتقالية. أما الدستورية التوافقية، فهي مرحلة أكثر رسوخًا واستقرارًا، تستند إلى الإرادة الشعبية والسلوك الدستوري والعرف السياسي المستقر، بما يفضي إلى بناء شرعية وطنية مستدامة قائمة على التوافق المجتمعي والمؤسسية الدستورية، لا على التوازنات المؤقتة بين القوى السياسية والعسكرية.

ومن هذا المنظور، تناولت سلسلة هذه المقالات الكيفية التي تشكّلت بها السلطة الانتقالية بموجب الوثيقة الدستورية لسنة 2019م، في إطار شراكة هجينة بين المكوّن العسكري والقوى المدنية، قبل أن تتوسع لاحقًا بإدماج الحركات المسلحة عقب اتفاق جوبا للسلام لسنة 2020م. وترى سلسلة هذه المقالة، أن الوثيقة الدستورية الانتقالية 2019م بتعديلاتها 2025م لم تؤسس لقطيعة حقيقية مع بنية الدولة الأمنية– العسكرية– المدنية ذات الطابع النخبوي–الصفوي، والتي تشكّلت تاريخيًا منذ الاستقلال 1956م وتكرّست بصورة أعمق خلال حقبة ما بعد 1989م، وإنما الوثيقة الدستورية 2019م أعادت دمج هذه البنية – بنية الدولة الأمنية–العسكرية–المدنية ذات الطابع النخبوي–الصفوي – داخل ترتيبات دستورية وسياسية جديدة، بما أبقى أزمة الشرعية والسيادة وتوزيع القوة داخل الدولة قائمة ومفتوحة طوال المرحلة الانتقالية.

وفي هذا السياق، تكشف سلسلة هذه المقالات، أن التجربة السودانية خلال الفترة الممتدة من دستور 1998م وحتى الوثيقة الدستورية لسنة 2019م، قد انتهجت نمطًا يقوم على توظيف التشريع والدستور بوصفهما أدوات لإدارة الانتقالات السياسية وإعادة إنتاج السلطة والشرعية، أكثر من كونهما تعبيرًا عن عقد وطني جامع ومستقر. فقد شكّل دستور 1998م محاولة لإضفاء شرعية دستورية على مشروع سياسي ذي طبيعة أيديولوجية مركزية، بينما جاءت ترتيبات دستور 2005م في إطار تسوية سياسية مرتبطة باتفاقية السلام الشامل 2004م، أعادت توزيع السلطة والثروة وفق معادلات سياسية وإقليمية ودولية معقدة. ثم جاءت الوثيقة الدستورية 2019م بوصفها إطارًا انتقاليًا لإدارة توازنات القوة بين الفاعلين العسكريين والمدنيين والحركات المسلحة، في ظل حضور وتأثير متزايد للفاعلين الإقليميين والدوليين في مسار العملية السياسية.

ومن ثم، فإن التشريع في السياق السوداني، لم يعُد مجرد أداة لتنظيم السلطة وضبط العلاقات القانونية، وإنما تحوّل تدريجيًا إلى وسيلة لإعادة هندسة المجال السياسي وإنتاج الشرعية وإعادة تعريف من يملك الدولة؟ ومن يتحدث باسمها؟ وتكمن خطورة هذا المسار في أن الشرعية في السودان، باتت تُبنى عبر الترتيبات الدستورية الانتقالية المؤقتة، والتسويات السياسية العابرة، والدساتير ذات الطابع النخبوي–الصفوي، أكثر من كونها تستند إلى الإرادة الشعبية المستقرة والمؤسسات الوطنية الراسخة. وهو ما أسهم في تعميق أزمة الثقة بين الدولة والمجتمع، وأضعف فرص بناء مشروع وطني جامع ومستدام.

وفي هذا الإطار، لم يكن الجدل خلال المرحلة الانتقالية 2019م متعلقًا فقط بطبيعة العلاقة بين المكوّن العسكري والقوى المدنية، وإنما امتد إلى سؤال الدولة ذاته: من يملك حق التحدث باسم الدولة؟ ومن يملك تعريف المصلحة الوطنية؟ وما حدود السيادة الوطنية في ظل التداخلات الإقليمية والدولية؟ إذ تكشف التجربة الانتقالية السودانية 2019م عن حالة من السيادة المقيّدة، بفعل التشابك بين الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين، عبر الوساطات السياسية، وشبكات التمويل والدعم الاقتصادي والأمني، وآليات النفوذ الدبلوماسي والاستخباراتي العابر للحدود، بما جعل مسار الانتقال السوداني جزءًا من توازنات إقليمية ودولية معقدة تتجاوز الإرادة الوطنية الداخلية.

وفي هذا السياق، المقصود (بشبكات التمويل والدعم الاقتصادي)، باعتباره أحد أبرز أدوات التأثير الخارجي في بيئات الانتقال السياسي، حيث تشمل هذه الشبكات تدفقات المساعدات المالية المباشرة وغير المباشرة، سواء عبر المنظمات الدولية أو المؤسسات المالية الإقليمية أو برامج الدعم الثنائي من بعض الدول الفاعلة. وغالبًا ما يرتبط هذا التمويل بشروط سياسية واقتصادية وإصلاحية محددة، بما يؤدي إلى إعادة توجيه السياسات العامة للدولة الانتقالية وفق أولويات لا تنبع بالكامل من الداخل الوطني صاحب ملكية القرار، وإنما من توازنات ومعايير خارجية مرتبطة بمانحي الدعم.

ومن جهة أخرى، في ذات السياق، يُقصد (بالدعم الأمني والعسكري) أشكال التعاون المتعددة غير المباشرة أو شبه المعلنة، بما في ذلك برامج التدريب، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والتنسيق في قضايا الحدود ومكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية، إضافة إلى ترتيبات لوجستية وأمنية قد تنشأ أحيانًا بين أطراف داخلية وجهات إقليمية مؤثرة، بما في ذلك بعض الحالات المرتبطة بتشكّل علاقات خارجية مع فاعلين أمنيين داخليين، مثل وضعية قوات الدعم السريع وعلاقاتها الإقليمية والدولية. ويؤدي هذا النمط من التداخل إلى إعادة تشكيل موازين القوة داخل الدولة، لا سيما في الفترات الانتقالية الهشة، حيث تتداخل البنى الأمنية الداخلية مع دوائر دعم خارجية، بما ينعكس في النهاية على استقلالية القرار السيادي وتماسكه.

وعلاوة على ذلك، يُقصد (بالنفوذ الدبلوماسي والسياسي العابر للحدود) الدور المتزايد للفاعلين الإقليميين والدوليين في إدارة مسارات الانتقال السياسي، من خلال الوساطات في التفاوض بين الأطراف الداخلية، ورعاية الاتفاقات السياسية، والتأثير في تشكيل الهياكل الانتقالية وأولوياتها. كما يتجسد هذا النفوذ في أدوات الضغط الدبلوماسي، سواء عبر الحوافز الاقتصادية والسياسية أو من خلال العقوبات والقيود الدولية والاقليمية، بما يجعل العملية السياسية جزءًا من شبكة مصالح إقليمية ودولية أوسع.

ومن ثم، فإن هذه المستويات الثلاثة لا تعمل بصورة منفصلة، وإنما تتداخل وتتشابك بشكل بنيوي، لتنتج حالة مركبة من (السيادة المقيّدة)، حيث تصبح قرارات الدولة الانتقالية محكومة بتوازن معقد بين الفاعلين الداخليين والخارجيين، الأمر الذي يحدّ من استقلالية الإرادة الوطنية، ويجعل مسار الانتقال السياسي أكثر عرضة للتجاذبات الإقليمية والدولية.

ومن هنا، تبرز ظاهرة النُخب العابرة للحدود وازدواجية أو تعددية الجنسية داخل مؤسسات الحكم الانتقالي، باعتبارها أحد التحولات البنيوية المؤثرة في طبيعة الشرعية السياسية والدستورية خلال مرحلة الانتقال. إذ لم تعُد الدولة الوطنية الحديثة تُدار حصريًا بواسطة نُخب مندمجة بالكامل داخل المجال الوطني، بل برزت فئات سياسية وقانونية وإدارية ذات امتدادات دولية وإقليمية، تستمد جزءًا من مشروعيتها وقوتها من ارتباطها بالشبكات الدولية ومؤسسات التمويل والمنظمات العابرة للحدود، بما يعيد طرح سؤال الانتماء الوطني وحدود الولاء السياسي في الدولة السودانية المعاصرة.

وفي هذا السياق، تُعد الجنسية الوطنية في الفقه الدستوري الحديث، رابطة قانونية وسيادية أصيلة، تمثل أحد الأركان الشخصية للدولة، إذ لأول مرة بعد قانون الجنسية 1957م، 1972م، 1994م، يقرر النص الدستوري في دستور 1998م، 2005م، 2019م، أن لكل مولود من أب أو أم سوداني حقًا أصيلًا في التمتع بالجنسية الوطنية، وما يترتب عليها من حقوق والتزامات. ويُعد هذا الحق من الحقوق اللصيقة بالشخصية القانونية للفرد، فلا يجوز نزعه أو إسقاطه تعسفًا، لارتباطه المباشر بالانتماء السياسي والقانوني داخل الجماعة الوطنية.

كما يمتد الحق في الجنسية، وفق ما ينظمه القانون، إلى كل ناشئ في السودان أو مقيم فيه لسنوات طويلة، وهو ما يعكس فلسفة الدولة الوطنية الحديثة القائمة على الربط بين المواطنة والاستقرار الاجتماعي والإقامة الفعلية والاندماج داخل الجماعة الوطنية. ومن ثم، فإن الجنسية لا تُفهم بوصفها رابطة قانونية مجردة فحسب، وإنما باعتبارها أداة لإعادة إنتاج الهوية الوطنية وبناء وحدة الجماعة السياسية للدولة.

وعند إسقاط هذه المبادئ على حالة مزدوجي ومتعددي الجنسية، يتضح أن النظام الدستوري السوداني، يكرّس مبدأً مؤداه، أن الجنسية السودانية لا تُفقد بمجرد اكتساب جنسية دولة أجنبية أخرى، بحيث يظل المولود من أب أو أم سوداني سودانيًا بحكم الدستور والقانون، حتى وإن حمل جنسية إضافية لدولة أجنبية. إلا أن هذا الوضع يثير إشكاليات دستورية وسياسية عميقة تتعلق بطبيعة الولاء السياسي والسيادة الوطنية، خاصة عند شغل المناصب السيادية والدستورية والسياسية العليا في الدولة.

ومن ثم، تطرح هذه المقالة اتجاهًا فقهيًا–سياسيًا، يرى ضرورة التفرقة بين الحق الأصيل في الاحتفاظ بالجنسية السودانية بوصفها حقًا دستوريًا لا يجوز مصادرته، وبين شروط تولي السلطة السياسية والدستورية داخل الدولة. فحق المواطنة لا يستلزم بالضرورة الحق المطلق في تقلد جميع المناصب السيادية والدستورية دون قيود مرتبطة بحماية الأمن الدستوري والسيادة الوطنية.

وبناءً على ذلك، تذهب هذه المقالة إلى أن شاغلي المناصب السياسية والدستورية والسيادية العليا للدولة، من مزدوجي أو متعددي الجنسية، ينبغي ألا يتولوا تلك المناصب، ما لم يعلنوا صراحةً تنازلهم عن الجنسية الأجنبية بموجب صك قانوني ورسمي صريح صادر من الدولة الأجنبية التي يحملون جنسيتها، بما يحقق وضوح الانتماء السياسي والدستوري، ويحول دون تعارض الالتزامات القانونية والسيادية، ويعزز الثقة العامة في استقلال القرار الوطني.

ولا يستند هذا الطرح إلى إنكار الحقوق الدستورية لمزدوجي الجنسية أو التشكيك في وطنيتهم، وإنما يقوم على فلسفة دستورية تتعلق بحماية مبدأ السيادة الوطنية وضمان وحدة الولاء السياسي في المناصب المرتبطة مباشرة بإدارة السلطة ومصالح الدولة العليا. فالدولة، خصوصًا في مراحل الانتقال والهشاشة البنيوية، تكون أكثر عرضة لاختراقات النفوذ الخارجي وتضارب المصالح العابرة للحدود، الأمر الذي يجعل مسألة الولاء السياسي ذات طبيعة تتجاوز البُعد الشخصي إلى البُعد الدستوري والسيادي.

وفي أدبيات العلوم السياسية، تُصنّف هذه الفئات – مزدوجي ومتعددي الجنسية – ضمن ما يُعرف بالنخب العابرة للحدود (Transnational Elites)، وهي نُخب تجمع بين الانتماء الوطني والامتداد الدولي، بما يمنحها قدرة على الحركة داخل المجالين المحلي والعالمي في آنٍ واحد. ورغم ما توفره هذه النُخب من فرص للانفتاح الدولي واستقطاب الدعم والخبرات، إلا أنها قد تُنتج، في المقابل، أزمة ثقة داخل المجال الوطني، خاصة في المجتمعات التي تعاني أصلًا من هشاشة الهوية الوطنية وضُعف التماسك السياسي والاجتماعي.

ومن ثم، فإن إشكالية ازدواجية الجنسية في السودان، تتجاوز كونها مسألة قانونية تتعلق بتنظيم الجنسية وشروط اكتسابها أو فقدها، لتصبح جزءًا من أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة الوطنية السودانية نفسها، وحدود السيادة، ومفهوم الولاء السياسي، وإشكالية بناء مشروع وطني جامع. فالدولة السودانية 1956م، منذ الاستقلال 1956وبداية الحكم الوطني، لم تنجح بصورة كاملة في بناء هوية وطنية جامعة تتجاوز الانقسامات الإثنية والجهوية والأيديولوجية، كما لم تتمكن من تأسيس شرعية دستورية مستقرة قائمة على التوافق الوطني والمؤسسية الديمقراطية المستدامة.

وفي ظل هذا الفراغ البنيوي، أصبحت مسألة الهوية والانتماء والولاء السياسي في السودان أكثر تعقيدًا .

زر الذهاب إلى الأعلى