سقطت هيبة المجلس الأعلى للحج والعمرة، يوم أن سقطت تأشيراته كتب/ عبد اللطيف السيدح

لك أن تتخيل وأنت أمام بوابة صالة القدوم بمطار الملك عبد العزيز الدولي تنتظر أحد أقربائك، ويطل، عليك فجأة دون مقدمات رجل بدرجة معالي في نظام البروتوكولات، يدف عربة الأمتعة وحده دون مرافق مدير مكتبه ، أو سكرتيره، أو أي فرد من حرس تأمين كبار الشخصيات، وهذا ما حدث لمعالي وزير الشؤون الدينية والأوقاف السوداني الذي وصل المملكة بصفته أميرا لحجاج السودان لموسم حج عام 1447 هجرية، ثم بدعوة من مقام وزارة الحج والعمرة السعودية للمشاركة في ندوة الحج الكبرى رقم (50) وإذا سألت عن الحال الذي وصل فيه معاليه بهذه الطريقة، أقول لك باختصار شديد إن السبب هو إسقاط أو تعذر الحصول على تأشيرة لمدير مكتبه حامل الأختام، وكاتم الأسرار، ومنظم اللقاءات، ومبرمج رحلة حج أمير حجاج السودان، أو أي من مسؤولي مكتبه، ولا تسألني عن سبب الحرمان، لكن وفي مواسم الحج المرتبكة لا تسقط التأشيرات وحدها، بل تسقط معها الهيبة، وتعرى المؤسسات أمام الناس، ويظهر عجز الإدارة، بعد أن تتحول الخدمة إلى ساحة صراع نفوذ وتصفية حسابات.
وما حدث كان نتيجة طبيعية لما جري الأشهر الماضية داخل دهاليز وزارة الشؤون الدينية و إحدى هيئاتها المسماة بالمجلس الأعلى للحج والعمرة، إن الذي حدث لم يكن خلافا إداريا عاديا يمكن ستره بورقة اجتماع أو بيان مرتبك، لكنه يعتبر انهيارا قد دب في جسد هذه المنظومة التي كان يفترض أن تكون الأكثر انضباطا، وحساسية، لأنها تتعلق بضيوف الرحمن وسمعة دولة بأكملها.
لقد فعلت وزارة الحج والعمرة السعودية ما لم تفعله مع كثير من الدول، وفتحت للسودان المسار الاستثنائي ومدت يدها لتجاوز التعقيدات والظروف المعروفة، لكن أهل الشأن عندنا كانوا مشغولين بمعاركهم الصغيرة، يتنازعون النفوذ والتوقيعات والتأشيرات، حتى تحول الموسم إلى مشهد فوضوي يبعث على الخجل، أي عبث هذا الذي يجعل وزير الشؤون الدينية، وهو أمير الحجاج بحكم منصبه، يصل منفردا بعد مماحكات وانتظار طويل، بلا مدير مكتب، بلا سكرتير، بلا فريق إداري، وكأنه موظف طوارئ لا معالي وزير يمثل دولة عضو في الأمم المتحدة، ومنظمة التعاون الإسلامي؟، وأي رسالة أراد إيصالها قياديو المجلس الأعلى للحج والعمرة عدا إسقاط هيبة المنصب والدولة معا؟
والأخطر من ذلك أن الإدارة المالية نفسها، المدير المالي والمحاسبون، وهم صمام الأمان لأي بعثة، تم تعطيل وصولهم إلى مكتب حجاج السودان بسبب سقوط التأشيرات، وعندما يمنع المسؤولون عن مراقبة المال من الوصول، فالسؤال الذي يفرض نفسه، من يدير الأموال والمنصرفات في ظل غيابهم؟ ومن يراجع؟ ومن يراقب؟ أسئلة تبقى شاخصة ببصرها في فضاء اللامبالاة.
ولقد امتدت الفوضى إلى الولايات، حيث حرم عدد من موظفي أمانات الحج والعمرة من مرافقة حجاجهم ومتابعة أوضاعهم، لا لسبب مهني أو تقصير إداري، وإنما بسبب لعبة التأشيرات التي تحولت إلى سلاح للإقصاء والترضيات، لقد تم هذا الموسم وبأعجوبة حيرت حتى الثعالب تطبيق سياسة الخيار والفقوس بأبشع صورها. تأشيرات تنزل لأشخاص بعينهم، وأخرى تعطّل لمن هم الأكثر أهمية وحاجة للموسم، حتى وصل الأمر إلى سقوط تأشيرة مدير مكتب الوزير نفسه.
فإذا كان المقربون من مركز القرار لم يسلموا من الفوضى، فكيف كان حال بقية أعضاء البعثة؟
إن ما جرى لا يمكن وصفه بالخطأ التقني أو العثرة الإدارية العابرة. هذه نتيجة طبيعية لصراع مراكز القوى داخل المجلس الأعلى للحج والعمرة، ونتيجة مباشرة لعجز القيادة التنفيذية عن إدارة ملف بهذا الحجم والحساسية.
والمسؤولية ليست غامضة كما يحاول البعض تصويرها، لكنها تذهب مباشرة إلى الأمين العام، ثم إلى المسؤولين التنفيذيين المباشرين لإدارة المسار، ثم على أمناء الحج والعمرة المعنيين بمتابعة التأشيرات وترتيب أولويات البعثة وفق الأهمية والمهام، لا وفق الولاءات والحسابات الضيقة.
ويقفز كل مرة السؤال الأكبر، أين قيادة الدولة من كل هذا العبث؟، إلى متى ستظل تتعامل مع هذا الملف بنظرية أضان الحامل طرشا بينما تتصاعد الفضائح وتغطي رائحتها القرى والحضر.
لقد وصل هذا المجلس إلى مرحلة خطيرة من فقدان الثقة، ليس بهجوم خصومه، إنما بسبب ما ارتكبه في نفسه، والمؤسسات لا تنهار بضربة لازب، لكن منسأتها تتآكل كعصا سليمان وتموت واقفة.
وأقم مأتما وعويلا إذا رأيت الخدمة العامة قد تحولت إلى غنيمة، والوظيفة إلى أداة انتقام، والموسم التعبدي الأعظم إلى حلبة صراع شخصي، لقد سقطت هيبة المجلس لحظة سقوط تأشيرات منسوبيه.



