إيداع شكوى قانونية دولية رسمية وإحالة واقعية لدى الأمين العام للأمم المتحدة بشأن التدخلات الخارجية وتمويل اقتصاد الحرب في السودان.

نيويورك، الخرطوم: الخليل الاخباري
في خطوة قانونية ودبلوماسية بارزة تهدف إلى كسر حلقة الإفلات من العقاب وتجفيف منابع تغذية الحرب والعدوان في وضد السودان، أعلن المستشاران في القانون الدولي، الدكتور محمد الزين محمد والدكتور الطيب عبد الجليل حسين محمود، المقيدان لدى اتحاد المحامين السودانيين واتحاد المحامين العرب، عن إيداع شكوى قانونية دولية رسمية وإحالة واقعية صباح اليوم الاثنين، 08 يونيو 2026م، بمقر الأمانة العامة للأمم المتحدة في نيويورك، موجهة إلى سعادة الأمين العام للأمم المتحدة، السيد أنطونيو غوتيريش.
تأتي هذه الشكوى بصفة مقدميها وكلاء قانونيين وممثلين عن ضحايا ومتضرري الحرب والعدوان المندلع في جمهورية السودان منذ 15 أبريل 2023م، والذين حالت الظروف الأمنية القهرية، والانتهاكات الجسيمة الممنهجة، والوضع الإنساني الكارثي، دون تمكنهم من الوصول المباشر إلى الآليات القضائية وشبه القضائية الدولية للدفاع عن حقوقهم الأساسية المكفولة بموجب المواثيق الأممية.
تأسيس المسؤولية الدولية وتحديد أطراف الشكوى:
————————————————-
تستند الشكوى المودعة إلى منظومة متكاملة متقاطعة المصادر من الوقائع، البيانات الإحصائية، الأدلة الرقمية، والتقارير الفنية الموثوقة الصادرة حتى عام 2026م. وتُظهر هذه الأدلة بشكل لا لبس فيه تورط أطراف دولية (دول أعضاء) وكيانات مسلحة غير حكومية وشبكات عابرة للحدود، في أنشطة غير مشروعة دولياً تشمل: التمويل، التسليح، الدعم اللوجستي، التدريب، الإيواء، وتسهيل مرور المرتزقة والمعدات العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية للدولة السودانية، مما أدى مباشرة إلى إطالة أمد النزاع وتوليد أزمة إنسانية وبيئية غير مسبوقة تقع في قلب اختصاصات الأمم المتحدة وصلاحيات الأمين العام لصون السلم والأمن الدوليين.
وقد حددت الشكوى بوضوح الأطراف المشكو في حقهم لإخضاع أدوارهم المزعومة للفحص والتحقيق الدولي:
دولة الإمارات العربية المتحدة:
—————————————-
بصفتها الفاعل الإقليمي الرئيسي المتهم بتقديم الدعم المالي، العسكري، واللوجستي المباشر وغير المباشر لطرف مسلح غير حكومي.
جمهورية تشاد:
——————–
كدولة جوار وعبور لوجستي وعسكري عبر منافذها الجوية والبرية وحدودها المفتوحة.
جمهورية كينيا: كمركز لإدارة الشبكات المالية، وتسييل واحتضان استثمارات وعائدات الموارد المنهوبة، وتوفير الغطاء السياسي والشرعية الافتراضية للكيان المسلح.
جمهورية إثيوبيا الفيدرالية الديمقراطية:
————————————————
كدولة جوار تتقاطع أراضيها ومجالاتها الجوية مع خطوط إمداد وحركات مشبوهة للجماعات المسلحة.
جمهورية إفريقيا الوسطى:
———————————-
كمنطقة عمق خلفي وممر لوجستي لتهريب الأسلحة والمقاتلين الأجانب عبر الحدود المشتركة.
قوات الدعم السريع (RSF):
————————————
بوصفها الجماعة المسلحة غير الحكومية المتمردة على الدولة، والمتهمة بارتكاب انتهاكات منهجية واسعة النطاق ترقى إلى الجرائم الدولية، بالإضافة إلى سلطة الامر الواقع غير المعترف بها دولياً في بنغازي- ليبيا، وكذلك سلطة الامر الواقع في إقليم بونتلاند -شمال شرق الصومال، والشركات الوسيطة والمؤسسات المالية المنخرطة في تدوير الأموال وتجارة الذهب المنهوب.
ممرات الدعم العسكري واقتصاد الحرب
الأدلة الاستدلالية الدامغة:
———————————
وفقاً للحيثيات الوقائية الواردة في الشكوى، فإن الأدلة الرقمية مفتوحة المصدر (OSINT)، وصور الأقمار الصناعية، وبيانات تتبع الرحلات الجوية وسجلات الطيران (ADS-B)، تكشف عن نمط متسق ومنهجي من التدفقات العسكرية العابرة للحدود. وتستشهد الشكوى بتقرير منظمة “هيومن رايتس ووتش” الصادر في مايو 2026م بعنوان “From Bogotá to El Fasher”، والذي رصد حركة نقل جوي عسكري مكثفة لطائرات شحن حطت في مطاري “أم جرس” و”أنجمينا” داخل الأراضي التشادية، حيث جرى نقل شحنات عسكرية متقدمة شملت طائرات مسيرة مسلحة وذخائر حديثة تحت غطاء المساعدات الإنسانية والخدمات الطبية، ليتم نقلها برياً لدعم العمليات العسكرية لقوات الدعم السريع في إقليم دارفور، ولا سيما في معارك الفاشر والجنينة.
وعلى الصعيد المالي، تكشف الشكوى عن استغلال القطاع المصرفي والتجاري في الإقليم لتسييل الموارد المنهوبة وتأسيس “اقتصاد الحرب” (War Economy). واستناداً إلى دراسة إحصائية تحليلية صادرة عن “مركز فكرة للدراسات والتنمية” لعام 2026م بعنوان “من نيروبي إلى دبي: كيف أصبحت كينيا ممراً لتمويل الإبادة الجماعية في السودان”، اعتمدت الشكوى على قواعد بيانات التجارة الدولية والأمم المتحدة لإحصاءات المرآة التجارية (UN Comtrade Mirror Statistics)، والتي أثبتت وجود قفزات هائلة وارتفاع غير اعتيادي في صادرات الذهب من جمهورية كينيا إلى دولة الإمارات عقب أبريل 2023م، وهي كميات لا تتناسب مطلقاً مع معدلات الإنتاج المحلي الفعلي لكينيا، مما يؤكد قطعاً تبييض وإعادة تصدير الذهب المستخرج والمنهوب من مناجم السودان الواقعة تحت سيطرة قوات الدعم السريع لدفع رواتب المقاتلين وشراء الولاءات السياسية.
الآثار الإنسانية والانتهاكات البيئية والثقافية:
—————————————————
أشارت الشكوى بمرارة إلى الكلفة الإنسانية الباهظة الناتجة عن هذه التدخلات الخارجية الممنهجة، والتي وثقتها بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان، والمفوضية السامية لحقوق الإنسان. وتشمل هذه الجرائم: تنفيذ هجمات موجهة مباشرة ضد المدنيين، أعمال القتل الجماعي والتطهير العرقي (خاصة في دارفور)، العنف الجنسي المنهج كأداة حرب، وخلق أكبر أزمة نزوح ولجوء في العالم حالياً.
ولم تقتصر الانتهاكات على الجانب البشري؛ بل امتدت لتشمل تدمير البنية التحتية، واستهداف التراث الثقافي والطبيعي والبيئي للسودان. حيث تعرضت المتاحف والمؤسسات البحثية (مثل متحف التاريخ الطبيعي السوداني) للنهب والتدمير، وتعرضت المحميات الطبيعية الحيوية (وفي مقدمتها حظيرة الدندر بولاية سنار) لانتهاكات مباشرة من الجماعات المسلحة وممارسة الصيد الجائر والاتجار غير المشروع بالموارد الطبيعية، في خرق صارخ لاتفاقيات لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية لعام 1954م، واتفاقية التنوع البيولوجي لعام 1992م.
التكييف القانوني والطلبات الملتمسة:
———————————————-
تتأسس الشكوى قانونياً على خرق مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، لاسيما المادة (2/4) المتعلقة بحظر التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية والاستقلال السياسي للدول، والمادة (2/7) بشأن مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية. كما تفعّل الشكوى مبدأ المسؤولية الدولية للدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً وفقاً للمادة 16 من مشروع لجنة القانون الدولي (ILC) لعام 2001م، ومستندة إلى السوابق القضائية الراسخة لمحكمة العدل الدولية كقضية نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة (1986)، وقضية الأنشطة المسلحة على أراضي الكونغو (2005)، مؤكدة أن تقديم التسهيلات والممرات والمساعدات المالية والعسكرية يقع في قلب التواطؤ والمساهمة المادية في الانتهاكات التي ترقى إلى “جرائم الحرب” والـ “جرائم ضد الإنسانية” و”الإبادة الجماعية” بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
وتأسيساً على هذه المعطيات الدامغة، وضمن إطار الصلاحيات الممنوحة للأمين العام بموجب المادة 99 من ميثاق الأمم المتحدة، التمس مقدمو الشكوى اتخاذ الإجراءات العاجلة والفعالة الآتية:
(1) فتح تحقيق دولي مستقل ومحايد: تشكيل لجنة تحقيق فنية أو بعثة تقصي حقائق متخصصة تحت رعاية الأمانة العامة للأمم المتحدة للتحقيق في شبكات الإمداد العسكري والمالي واللوجستي العابرة للحدود وتحديد مسؤوليات الدول والكيانات المشكو في حقها.
(2) إحالة الملف إلى مجلس الأمن الدولي: حث المجلس على إدانة دولة الامارات و دول العدوان لانتهاكها لقرار المجلس في حظر توريد الأسلحة والجزاءات المفروضة بموجب القرار 1591 ،وتقديمها الدعم والعون العسكري لمليشيا الدعم السريع ، بالإضافة الى إدانة الشبكات الإقليمية التي تخرق الحظر.
(3) تفعيل مسارات المساءلة الجنائية الدولية:
التنسيق والتعاون مع مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية (ICC) لتقديم الأدلة الرقمية والإحصائية الخاصة بشبكات التمويل والتجنيد العابر للحدود، وملاحقة المتورطين في “تمويل الإبادة الجماعية”.
إنشاء آلية رصد ومراقبة دولية للحدود وسلاسل التوريد: وضع آلية أممية صارمة لمراقبة المطارات والمنافذ الحدودية الإقليمية المذكورة (مثل مطار أم جرس ومنطقة أم دافوق) لضمان عدم استغلال غطاء المساعدات الإنسانية لتمرير شحنات عسكرية.
(4) حظر وحظر استغلال اقتصاد الحرب وتجارة الذهب:
إلزام الدول الأعضاء بالتحقق من مصادر تدفقات المعادن الثمينة عبر “إحصاءات المراقبة التجارية”، وتجميد الأصول والتحويلات المالية المرتبطة بقوات الدعم السريع وشبكاتها الواجهة في نيروبي ودبي وغيرهما.
(5) حماية الأعيان المدنية والتراث الثقافي والطبيعي:
اتخاذ تدابير عاجلة بالتنسيق مع منظمة اليونسكو لحماية وتوثيق الأضرار التي لحقت بالتراث ومحاسبة الأطراف المسؤولة عن تدمير الإرث البيئي والثقافي.
إن إيداع هذه الشكوى يمثل تحولاً استراتيجياً في مسار الملاحقة القانونية الدولية، ونداءً حاسماً إلى ضمير المجتمع الدولي ممثلاً في الأمم المتحدة، للنهوض بمسؤولياته الأخلاقية والقانونية تجاه الشعب السوداني، ووضع حد للتدخلات الخارجية التي تحرق السودان وتعصف بالسلم والأمن الإقليميين.
ينتهي البيان
للاستفسارات الإعلامية والتواصل:
الدكتور / محمد الزين محمد
الهاتف: 004748666811 البريد الإلكتروني zainlaw03@gmail.com
الدكتور / الطيب عبد الجليل حسين محمود الهاتف: 00249123003103
البريد الإلكتروني eltayeb2hussein@gmail.com
تاريخ الإصدار: 08 يونيو 2026م
المرجع : UNSG/SUDAN-2026-011


