مقالات الرأي

محيي الدين قمر الدين يكتب: تصريحات الاعيسر اصابت المنظومة الاعلامية في مقتل

 

أثارت التصريحات التي أطلقها وزير الثقافة والاعلام الاستاذ خالد الإعيسر، خلال حواره الأخير مع الجزيرة مباشر قبيل عيد الاضحي، عاصفة واسعة من الجدل داخل الأوساط الإعلامية والصحفية السودانية، بعد حديثه الصريح عن وجود صحفيين وإعلاميين يتلقون أموالاً مقابل الدفاع عن الجيش والزود عن الحكومة، ومهاجمة جهات رسمية وعسكرية عند توقف المصالح والمكاسب. وهي تصريحات خطيرة لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد “حديث إعلامي عابر”، لأنها تمس جوهر المهنة الصحفية وأخلاقياتها، وتضع الرأي العام أمام تساؤلات صادمة حول حجم الاختراق والانحدار الذي أصاب بعض المنصات والأقلام. لقد ظللنا نحذر منذ فترة من تمدد هذه الظاهرة الخطيرة داخل الوسط الصحفي، حيث تحولت بعض المنابر إلى أدوات للابتزاز السياسي والمالي، وأصبحت بعض الأقلام تُؤجَّر لمن يدفع أكثر، بلا ضمير مهني ولا التزام أخلاقي. فبدلاً من أن يكون الصحفي شاهداً على الحقيقة، ومدافعاً عن قضايا الوطن والمواطن، أصبح بعض المنتسبين للمهنة مجرد سماسرة مواقف، يبدلون آراءهم وفق حجم “التحويلات” و”الامتيازات” و”العطايا”.إن أخطر ما في تصريحات وزير الإعلام ليس الاتهام نفسه، بل حديثه عن امتلاكه – أو امتلاك بعض المسؤولين – تسجيلات ووثائق تؤكد هذه الوقائع. فإذا كانت هذه الأدلة موجودة بالفعل، فإن الواجب الوطني والأخلاقي والقانوني يفرض كشف الحقائق للرأي العام دون تردد أو مواربة. لأن الصمت على هذه الممارسات يمثل تستراً على فساد خطير يضرب مصداقية الإعلام السوداني في مقتل، ويجعل المواطن فاقداً للثقة في كل ما يُنشر أو يُبث.ولعل ما تعانيه الصحافة السودانية اليوم من انهيار في الثقة، وفوضى في الخطاب، وتراجع في المهنية، ليس بعيداً عن هذه السلوكيات المشينة التي أفسدت المجال الإعلامي، وفتحت الأبواب أمام الانتهازيين والمتسلقين وأصحاب الأجندات الخاصة. فقد أصبح بعض من يُقدَّمون للرأي العام بوصفهم “محللين” أو “إعلاميين” مجرد أدوات للتحريض أو التلميع أو الابتزاز، يعملون وفق مصالح ضيقة لا علاقة لها بالمهنة ولا بالوطن.إن تطهير الوسط الصحفي لم يعد ترفاً، بل ضرورة وطنية عاجلة. ولا يمكن بناء إعلام محترم في ظل وجود شبكات تعمل في الظلام، تستغل ظروف الحرب والانقسام لتحقيق المكاسب الشخصية. لذلك فإن الكرة الآن في ملعب وزارة الإعلام والجهات العدلية والنقابات المهنية، لاتخاذ خطوات حاسمة تبدأ بكشف الأسماء، وفتح تحقيقات شفافة، ومحاسبة كل من تثبت إدانته، حتى يكون عبرة لكل من يحاول تحويل الصحافة إلى سوق للمزايدات والارتزاق.فالصحافة رسالة قبل أن تكون مهنة، ومسؤولية قبل أن تكون وسيلة للشهرة أو النفوذ. وأي إعلامي يبيع قلمه مقابل المال أو الولاء السياسي لا يسيء إلى نفسه فقط، بل يطعن الوطن في ظهره، ويشارك في اغتيال الحقيقة وتشويه وعي المجتمع.ان المرحلة الراهنة التي يمر بها السودان تتطلب إعلاماً وطنياً حراً ومسؤولاً، لا إعلاماً مأجوراً يتغذى على الدماء والأزمات. فالأوطان لا تُبنى بالأكاذيب، ولا تُحمى بالأقلام المدفوعة، ولا تنهض بمن باعوا ضمائرهم في أسواق المصالح الرخيصة.

زر الذهاب إلى الأعلى