مشاهدات كوستي… مدينة تتنفس المعاناة وتنتظر الفرج بقلم: خليل فتحي خليل

ما أصعب أن يستيقظ الإنسان كل صباح وهو يحمل هموم يومه قبل أن يفتح عينيه، وما أقسى أن تتحول تفاصيل الحياة اليومية إلى معركة مستمرة من أجل الحصول على أبسط مقومات العيش الكريم. هكذا أصبحت الحال في مدينة كوستي، تلك المدينة العريقة التي كانت يوماً منارة للحركة التجارية والثقافية والاجتماعية، وأصبحت اليوم ترزح تحت أعباء متراكمة أنهكت المواطنين وأثقلت كاهل الأسر.
في شوارع المدينة وأسواقها وأحيائها، لا يكاد المواطن يتحدث إلا عن الغلاء وارتفاع الأسعار وتدهور الخدمات. فأسعار السلع الأساسية تواصل الصعود بصورة تكاد تكون يومية، بينما تظل دخول المواطنين ثابتة أو تتراجع أمام هذا الواقع الاقتصادي القاسي. وأصبحت رحلة البحث عن احتياجات الأسرة تمثل تحدياً حقيقياً لكثير من الناس الذين يواجهون ظروفاً معيشية بالغة التعقيد.
ولم يتوقف الأمر عند حدود الغلاء، بل امتد ليشمل الخدمات الأساسية التي لا يمكن للحياة أن تستقيم دونها. فالكثير من أحياء كوستي تعاني من انقطاع المياه أو ضعف الإمداد المائي لفترات طويلة، الأمر الذي يجبر المواطنين على البحث عن مصادر بديلة للمياه أو الانتظار لساعات طويلة أملاً في وصولها. والماء ليس رفاهية، بل هو أساس الحياة، وعندما يصبح الحصول عليه معاناة يومية فإن ذلك ينعكس على كل تفاصيل حياة الناس.
أما الكهرباء فقد أصبحت قصة أخرى من قصص المعاناة المستمرة. الانقطاعات المتكررة والبرمجة غير المستقرة والأعطال المفاجئة جعلت المواطنين يعيشون في حالة من القلق الدائم. فالطالب لا يستطيع المذاكرة بصورة منتظمة، والمريض يعاني من الحر الشديد، وأصحاب الأعمال الصغيرة تتضرر مصالحهم بشكل مباشر بسبب غياب التيار الكهربائي.
وتزداد المعاناة قسوة مع الارتفاع الكبير في درجات الحرارة التي تشهدها المدينة خلال هذه الفترة. فحين تجتمع حرارة الطقس مع انقطاع الكهرباء وشح المياه، تصبح الحياة أكثر صعوبة، خاصة على كبار السن والأطفال والمرضى. ويقضي كثير من المواطنين ساعات طويلة في محاولة التكيف مع هذه الظروف التي تفوق قدرة الإنسان العادي على الاحتمال.
المؤلم في الأمر أن المواطن أصبح يشعر بأن المعاناة تحاصره من كل اتجاه. فمنذ ساعات الصباح الأولى يبدأ التفكير في كيفية توفير المياه وتأمين احتياجات الأسرة ومواجهة ارتفاع الأسعار والتعامل مع انقطاع الكهرباء. ومع حلول المساء لا تنتهي المشكلات، بل تتجدد بصورة مختلفة، ليجد الإنسان نفسه في دائرة مغلقة من الأعباء اليومية.
ومع ذلك فإن أهل كوستي ظلوا معروفين بالصبر وقوة التحمل والتكاتف الاجتماعي. فقد اعتادوا الوقوف إلى جانب بعضهم البعض في الأزمات، وتقاسموا الأفراح والأتراح عبر عقود طويلة. لكن لكل صبر حدود، والمواطن اليوم لا يطلب المستحيل، بل يطالب بحقوق أساسية تتمثل في خدمات مستقرة ومياه متوفرة وكهرباء منتظمة وأسعار معقولة تمكنه من العيش بكرامة.
إن ما تحتاجه كوستي اليوم ليس المسكنات المؤقتة، بل المعالجات الجذرية والخطط الواضحة التي تستجيب لحجم التحديات القائمة. فالمياه تحتاج إلى حلول مستدامة، والكهرباء تحتاج إلى معالجة حقيقية للأعطال والقصور، والأسواق تحتاج إلى رقابة فعالة تحد من الانفلات السعري وتحمي المواطن من الاستغلال.
كوستي مدينة كبيرة بتاريخها وإنسانها وموقعها الاستراتيجي، وهي تستحق أن تكون في مقدمة المدن المستقرة والخادمة لمواطنيها. ومن حق أهلها أن يحلموا بيوم يستيقظون فيه دون أن يقلقوا بشأن الماء أو الكهرباء أو أسعار السلع الأساسية. ومن حقهم أن يعيشوا حياة كريمة تحفظ لهم إنسانيتهم وتمنحهم الأمل في مستقبل أفضل.
ويبقى الأمل قائماً رغم كل الصعوبات، فالأزمات مهما طالت لا بد أن تنتهي، والمعاناة مهما اشتدت لا بد أن تجد طريقها إلى الحل. ويبقى الرهان دائماً على الإرادة الصادقة والعمل الجاد والتخطيط السليم الذي يضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار. فكوستي لا تستحق أن تكون مدينة للمعاناة، بل تستحق أن تعود مدينة للحياة والجمال والعطاء، كما عرفها أهل السودان عبر تاريخها الطويل.


