دكتور التجاني الطيب عبدالماجد الطيب يكتب مناوي بين ضرورات الحرب ومتطلبات السلام.. قراءة في ملامح مشروع سياسي للسودان

جاءت تصريحات مني أركو مناوي الأخيرة بالدمازين لتعكس رؤية سياسية تحمل العديد من الرسائل المهمة في مرحلة تعد من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخ السودان الحديث. فالرجل لم يكتفِ بإعلان موقفه من الحرب الدائرة، بل طرح جملة من المبادئ السياسية التي يمكن أن تشكل أساساً لأي مشروع وطني للخروج من الأزمة الراهنة.
أولى هذه الرسائل تمثلت في تأكيده مبدأ عدم الإقصاء لأي مجموعة من فصائل الشعب السوداني عند صناعة مستقبل البلاد. ويعد هذا المبدأ من أهم الأسس التي يمكن البناء عليها لتحقيق الاستقرار السياسي، خاصة وأن التجربة السودانية منذ الاستقلال ظلت تعاني من دوائر متكررة من الإقصاء السياسي والجهوي والفكري، الأمر الذي أسهم في إنتاج النزاعات والحروب والانقسامات.
إن الدعوة إلى عدم الإقصاء لا تعني التسامح مع الجرائم أو تجاوز المحاسبة، وإنما تعني فتح المجال أمام القوى السياسية والمدنية والمجتمعية للمشاركة في رسم مستقبل الدولة وفق أسس ديمقراطية وقانونية تضمن العدالة والمواطنة المتساوية. فالدول لا تبنى بالغلبة وحدها، وإنما بالتوافق الوطني الواسع.
وفي المقابل، كان موقف مناوي واضحاً وحاسماً تجاه قوات الدعم السريع، حيث حملها مسؤولية ما وصفه بأعمال النهب والقتل والاستعانة بالمرتزقة والعناصر الإرهابية. ويعكس هذا الموقف قناعة سياسية بأن أي عملية سلام حقيقية لا يمكن أن تتجاهل الآثار الكارثية التي خلفتها الحرب على المواطنين والبنية التحتية ومؤسسات الدولة.
وهنا يبرز تمييز مهم بين رفض الإقصاء السياسي ورفض شرعنة العمل العسكري الذي يهدد وجود الدولة. فالتصريحات توحي بأن المشاركة السياسية المستقبلية ينبغي أن تكون عبر الوسائل المدنية والقانونية، لا عبر فرض الأمر الواقع بقوة السلاح.
أما فيما يتعلق بالمبادرات الدولية، فقد أبدى مناوي ترحيباً بأي جهد إقليمي أو دولي يسهم في إحلال السلام، شريطة ألا يفرض حلولاً لا يقبلها السودانيون. وهذا الموقف يستند إلى مبدأ سيادة الإرادة الوطنية، وهو مبدأ يجد قبولاً واسعاً داخل الأوساط السياسية السودانية التي تنظر بحذر إلى أي تسويات تُصاغ خارج الإرادة الوطنية.
وفي هذا السياق، جاء رفضه لمشاركة دولة الإمارات العربية المتحدة ضمن آليات الوساطة، انطلاقاً من اتهامه لها بدعم وتسليح قوات الدعم السريع. وبغض النظر عن الجدل السياسي المحيط بهذه القضية، فإن مناوي يطرح معياراً سياسياً مهماً يتمثل في ضرورة حياد الوسيط. فالوسيط الناجح يجب أن يحظى بثقة جميع الأطراف وألا يكون طرفاً في النزاع أو متهماً بدعم أحد أطرافه.
ومن خلال مجمل هذه التصريحات يمكن استخلاص أربعة معايير سياسية رئيسية قد تشكل أرضية لأي مشروع وطني سوداني خلال المرحلة المقبلة:
أولاً: الحفاظ على وحدة الدولة السودانية ومؤسساتها باعتبارها الإطار الجامع لكل السودانيين.
ثانياً: عدم الإقصاء السياسي للقوى الوطنية التي تؤمن بالعمل السلمي والديمقراطي.
ثالثاً: رفض استخدام القوة العسكرية وسيلة للوصول إلى السلطة أو فرض الإرادة السياسية.
رابعاً: التمسك بالسيادة الوطنية مع الانفتاح على المبادرات الإقليمية والدولية التي تحترم إرادة السودانيين.
إن السودان بعد الحرب سيكون بحاجة إلى مشروع سياسي جديد يتجاوز أخطاء الماضي، ويؤسس لعقد اجتماعي يقوم على العدالة والمشاركة واللامركزية والتنمية المتوازنة. ومن هذه الزاوية، فإن تصريحات مناوي لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد مواقف سياسية آنية، بل باعتبارها محاولة لطرح معايير يمكن أن تسهم في تشكيل ملامح مرحلة ما بعد الحرب.
ويبقى التحدي الحقيقي ليس في إعلان المبادئ، وإنما في قدرة القوى السياسية السودانية كافة على تحويل هذه المبادئ إلى برنامج وطني جامع يضع مصلحة السودان فوق الحسابات الحزبية والجهوية الضيقة، ويفتح الطريق أمام سلام مستدام واستقرار سياسي طال انتظاره.
هذا المقال يتناول التصريحات من زاوية تحليلية سياسية، ويركز على المعايير التي يمكن البناء عليها في مرحلة ما بعد الحرب دون الانحياز لأي طرف سياسي، مع قراءة دلالات المواقف التي طرحها مناوي بشأن الإقصاء، والسلام، والوساطة الدولية، ومستقبل الدولة السودانية.

