مقالات الرأي

بين الجالد والمجلود. كيف يخسر الجيش السوداني معركة الصورة ويكسبها خصومه؟ بقلم : الاستاذ / ملوك ميوت ايواك

 

في عالم السياسة لا تكفي قوة السلاح لصناعة الانتصار فهناك معركة أخرى أكثر تعقيدا تدور خلف الكواليس وعلى طاولات التفاوض وأمام عدسات الإعلام. إنها معركة الصورة والرواية السياسية حيث لا ينتصر بالضرورة من يحقق المكاسب العسكرية بل من ينجح في إقناع العالم بأنه الطرف الأكثر حرصا على السلام.

 

ومنذ اندلاع الحرب في السودان برز مشهد يكاد يتكرر في كل الجولة التفاوضية إذ تظهر القيادات العسكرية والسياسية المرتبطة بالجيش في صورة الطرف المتشدد الرافض للتنازلات بينما تبدو قيادات الدعم السريع وكأنها الطرف الأكثر مرونة واستعدادا لقبول المبادرات السياسية. والسؤال الذي يفرض نفسه هو هل يعكس هذا المشهد حقيقة المواقف أم أنه نتاج معركة سياسية وإعلامية محكمة؟

 

الحقيقة أن المؤسسة العسكرية تجد نفسها في موقع مختلف عن أي طرف آخر. فهي تنظر إلى الصراع من زاوية الدولة وسيادتها ووحدة مؤسساتها ولذلك تتعامل بحساسية عالية مع أي مقترحات قد تمنح خصومها مكاسب سياسية أو شرعية جديدة. هذا الحرص مهما كانت مبرراته يضعها غالبا في خانة الطرف المتحفظ أو الرافض خصوصا عندما تقاس المواقف بمعيار السرعة في قبول المبادرات لا بمعيار نتائجها ومآلاتها.

 

أما الدعم السريع فقد أدرك مبكرا أن كسب المعركة السياسية لا يقل أهمية عن كسب المعركة الميدانية. لذلك يحرص على تقديم نفسه أمام الوسطاء والعواصم المؤثرة باعتباره منفتحا على الحوار ومستعدا للتفاوض وهو خطاب يمنحه مساحة أوسع للتحرك في الساحة الدولية ويخفف من الضغوط الموجهة إليه.

كما أن المجتمع الدولي بطبيعته يميل إلى مطالبة الطرف الذي يمثل الدولة بتقديم التنازلات الأكبر باعتباره الجهة التي تتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية عن استقرار البلاد. ومن هنا تتكثف الضغوط على الجيش بينما يجد الطرف الآخر فرصة للظهور بمظهر الباحث عن السلام حتى عندما تكون الوقائع على الأرض أكثر تعقيدا من الصورة المتداولة.

لكن المعضلة الحقيقية تكمن في أن الحرب السودانية تحولت إلى صراع روايات بقدر ما هي صراع بنادق فكل طرف يسعى إلى تسويق نفسه كضحية وإلصاق مسؤولية استمرار الحرب بالطرف الآخر. وبين هذه الروايات المتضاربة تضيع الحقيقة أحيانًا ويصبح الرأي العام أسيرا للصورة أكثر من كونه متابعا للوقائع.

وفي نهاية المطاف لا ينبغي أن ينشغل السودانيون كثيرا بمن يبدو جالدا أو مجلودا على المسرح السياسي بل بمن يمتلك الإرادة الحقيقية لإيقاف نزيف الدم وإعادة البلاد إلى طريق الاستقرار. فالتاريخ لا يحكم على الأطراف من خلال بيانات التفاوض ولا عبر المؤتمرات الصحفية بل من خلال ما قدمته للوطن من سلام وأمن ومستقبل أفضل.

 

وفي حلبة السياسة قد يربح البعض معركة الصورة لبعض الوقت لكن الشعوب لا تمنح شرعيتها الدائمة إلا لمن ينجح في تحويل السلام من شعار إلى واقع ملموس.

زر الذهاب إلى الأعلى