عبد اللطيف السيدح: يكتب الغموض يكتنف مصير الأمين العام للمجلس الأعلى للحج والعمرة المقال

ضمانات للوزير من مجلس الوزراء بعدم التدخل في قراراته.
الأمين العام السابق يرفض التسليم إلى خلفه الجديد بحجة عدم وجود صلاحية للوزير فيما يتعلق بإقالته .
ما زالت أزمة المجلس الأعلى للحج والعمرة يكتنفها الغموض وتلقي بظلالها على المشهد الإداري، رغم مباشرة الأمين العام الجديد الدكتور حيدر محمد زين مهامه رسميا، في وقت يتمسك فيه الأمين العام السابق عمر مصطفى بموقفه الرافض للتسليم والتسلم، مستندا إلى قناعته بأن تعيينه تم بقرار من مجلس الوزراء، وليس من وزير الشؤون الدينية والأوقاف بشير هارون عبد الكريم، وأن إنهاء تكليفه لا يكون إلا عبر الجهة ذاتها، غير أن عدداً من المختصين أفادوا بأن هذه الحجة تصطدم بواقع قانوني وإداري تحكمه نصوص قانون المجلس الأعلى للحج والعمرة لسنة 2020، الذي منح وزير الشؤون الدينية والأوقاف، بصفته رئيس مجلس الأمناء وأمير الحج والمشرف العام على شؤون الحجاج السودانيين، سلطات واضحة في إدارة المنظومة والإشراف عليها.
ويجيز القانون لمجلس الأمناء اعتماد الخطة والميزانية السنوية، وفي حال تعذر انعقاد المجلس تنتقل هذه الصلاحية إلى رئيسه، أي الوزير. ومن هنا تبرز واحدة من أبرز الإشكالات التي صاحبت موسم حج 1447هـ، إذ لم تجز الميزانية وفق الإجراءات المطلوبة، كما لم تعتمد كشوفات البعثة رغم المكاتبات المتكررة، الأمر الذي وضع المجلس أمام وضع إداري ومالي معقد، خاصة أن قانون المراجع العام يجرم الصرف على ميزانية غير مجازة ويعرض المسؤول للمساءلة القانونية، ورغم هذه التعقيدات مضى الموسم بنجاح نسبي، بعد أن تصدى الوزير لمسؤولياته في الإشراف على الحجاج، وحضر إلى المملكة العربية السعودية على نفقته الخاصة ذهابا وإيابا، في سابقة لم تشهدها الوزارة من قبل،كما لعب أمين عام الأوقاف بالمملكة المهندس عصام محمد أحمد دورا محوريا في سد الفراغ الإداري والتنسيق بين الوزارة والمجلس خلال الموسم، بما أسهم في تجنب ظهور الخلافات إلى العلن حتى اكتمال عودة الحجاج إلى أرض الوطن.
ومن خلال الوقائع المتراكمة، يتضح أن ما أُشيع عن وجود غطاء من داخل مجلس الوزراء لاستمرار الأمين العام السابق لم يجد ما يسنده على أرض الواقع، بل إن تجاهل مجلس الوزراء لمحاولات الزج باسمه في هذا النزاع الإداري يمثل رسالة واضحة مفادها احترام مؤسسية الوزارات وعدم التدخل في شؤونها التنفيذية.
كما أن استمرار الأمين العام المجمد نشاطه في رفض التسليم للأمين العام المكلف يضعه في مواجهة استحقاقات قانونية وإدارية معروفة في لوائح الخدمة العامة، لأن انتقال المسؤولية ليس خيارا شخصيا وإنما واجب تنظمه القوانين واللوائح.
ويحسب لرئيس مجلس الوزراء ومدير مكتبه التزامهما بعدم التدخل في القرارات الداخلية للوزارة، وترك المجال للوزير لممارسة سلطاته القانونية في معالجة ملفات الفساد المالي والإداري وتفكيك مراكز النفوذ التي ظلت تتحكم في قطاع الحج والعمرة.
لكن القضية الأهم اليوم لا تتعلق بالأشخاص بقدر ما تتعلق بمستقبل موسم حج 1448هـ. فالمصفوفة الزمنية الصادرة من وزارة الحج والعمرة السعودية تتطلب انسجاما كاملا بين صانع القرار والمنفذين، وأي حالة شد وجذب أو ازدواجية في مراكز النفوذ ستقود حتما إلى تكرار ذات الأخطاء الكارثية التي دفع الحجاج ثمنها في الموسم السابق.
لقد آن الأوان لحسم حالة الضبابية التي تكتنف مصير بعض المسؤولين داخل المجلس الأعلى للحج والعمرة، فالإصلاح الحقيقي لا ينجح في بيئة تتنازعها الولاءات والمراكز المتعددة للقرار، كما أن الوزير والأمين العام الجديد مطالبان بتكوين فريق عمل متجانس يؤمن ببرنامج الإصلاح ويعمل على تنفيذه دون تردد، لاسيما فيما يتعلق بالملف الغامض للملحقية الإدارية للبعثة، أما إذا تركت الأوضاع على ما هى عليه معلقة هكذا بين قرارات تصدر وأخرى لا تنفذ، فلن يؤدي ذلك إلا إلى مزيد من التعقيد وإهدار الوقت، وعندها سيجد الجميع أنفسهم أمام المشهد ذاته الذي يتكرر كل موسم، وكأنك يا أبا زيد ما غزيت، ولم تر ميدان المعركة.

