د. غالب محمد طه يكتب بيوتنا تعيش بـ«البركة»

لفت انتباهي في الأيام الماضية شعار الحملة الوطنية للتوعية بالسلامة الكهروتقنية التي أطلقتها الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس: «سلامتك تبدأ بمواصفة». وبصراحة، في المرة الأولى مررت عليه سريعاً، ثم عدت إليه لاحقاً. ربما لأن الظروف التي يعيشها السودان جعلتنا ننظر إلى كثير من الأشياء بعينين مختلفتين، خاصة عندما يصدر الفعل من مؤسسة حكومية؛ فحالة التشكيك التي فرضتها السنوات الأخيرة أصبحت رد فعل تلقائياً عند كثيرين. غير أن هذا الشعار، على غير المعتاد، أعاد انتباهي إلى تفاصيل صغيرة اعتدنا المرور عليها من دون أن نتوقف عندها.
إذا نظرنا إلى غالبية البيوت السودانية بعد الحرب، سنجد سلكاً قديماً ما زال يؤدي وظيفته بـ«البركة» منذ سنوات، أو توصيلة أضيف إليها جهاز جديد لأن المقابس لم تعد تكفي، أو شاحناً اشتراه صاحبه لأنه الأرخص أو لأنه كان الخيار الوحيد المتاح في تلك اللحظة. تفاصيل تبدو عادية، لكنها تثير سؤالاً لا نطرحه كثيراً: كم شيئاً نستخدمه كل يوم من دون أن نعرف أن كان آمناً بالفعل؟
الحرب لم تغيّر شكل المدن وحده، بل غيّرت أيضاً طريقة عيش الناس. وعندما تصبح الخدمات شحيحة، ينصرف الاهتمام إلى إيجاد البديل بأسرع وقت ممكن، فيما تتراجع الأسئلة المتعلقة بالجودة والسلامة إلى الخلف. هذا مفهوم في ظروف استثنائية، لكنه لا يغيّر حقيقة أن المخاطر تبقى قائمة.
وخلال الفترة الماضية اتجهت أسر كثيرة إلى استخدام الطاقة الشمسية لتعويض انقطاع الكهرباء، وهو خيار فرضته الحاجة ولبّى جانباً مهماً من متطلبات الحياة اليومية. في المقابل، دخلت إلى بعض المنازل معدات متفاوتة الجودة، ونُفذت بعض التركيبات بعيداً عن الأسس الفنية السليمة. ومع مرور الوقت، قد تتحول هذه التفاصيل الصغيرة إلى مصدر خطر حقيقي إذا غابت الصيانة أو أُهملت وسائل الوقاية.
وأثناء حديث عائلي قبل أيام، أخبرني شقيقي عن موقف تعرض له ابنه الصغير بسبب إحدى التوصيلات الكهربائية داخل المنزل. لم يكن حادثاً كبيراً، ولله الحمد انتهى الأمر بسلام، لكن ما استوقفني أن الجميع تعامل معه باعتباره شيئاً وارداً يمكن أن يحدث في أي بيت، بينما كان الطفل هو من تلقى «علقة ساخنة» بسبب خطأ لم يكن مسؤولاً عنه.
هنا تكمن المشكلة. بعض المخاطر أصبحت مألوفة إلى درجة أننا لم نعد نراها كما هي، وأصبحنا نتعامل معها باعتبارها جزءاً من الحياة اليومية.
كثير من الناس لا يربطون بين المواصفة وسلامتهم الشخصية. عند شراء شاحن أو قاطع كهربائي، يتجه التفكير أولاً إلى السعر أو إلى ما هو متاح، أما مطابقة المنتج للمواصفات أو مستوى اختباره وجودته فتظل أسئلة مؤجلة، وربما لا تُطرح أصلاً. مع أن هذه التفاصيل هي التي تحدد مستوى الأمان عند الاستخدام، وقد تصنع الفارق بين حادث يمكن تجنبه وآخر يترك أثراً لا يُمحى.
لهذا جاءت حملة الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس في وقتها. فهي تعيد توجيه الانتباه إلى أمور فقدت قدرتها على إثارة القلق رغم ما تنطوي عليه من مخاطر، وتذكّر الناس بأن السلامة لا تبدأ بعد وقوع الحادث، وإنما قبل ذلك عند اختيار المنتج، وعند طريقة تركيبه، وعند التعامل معه داخل المنزل.
ربما تكون القيمة الأهم لهذه الحملة أنها أعادت طرح سؤال بسيط كنا نتجاوزه كل يوم: هل ما نستخدمه في بيوتنا آمن بالفعل؟ قد يضطر الإنسان، في الظروف التي يعيشها السودان اليوم، إلى شراء ما يجده أمامه أو إلى تشغيل معدات تجاوزت عمرها الافتراضي، وهذا واقع لا يحتاج إلى شرح. لكن الواقع نفسه لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للتساهل مع أسباب الخطر أو التعايش معها.
وتستحق الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس الإشادة لأنها اختارت أن تخاطب الناس من زاوية تمس حياتهم اليومية مباشرة. فالمواصفة لا تقتصر على كونها متطلباً فنياً أو إجراءً رقابياً، وإنما تمثل أحد وسائل حماية الإنسان داخل منزله، وكل وعي تزرعه هذه الحملة قد يمنع حادثاً، أو يحول دون خسارة كان يمكن تفاديها بقليل من الانتباه.
بيوتنا لا تحتاج إلى كثير من الشرح بقدر ما تحتاج إلى قليل من الانتباه. فالأسلاك التي نؤجل تغييرها، والشواحن التي نشتريها لأنها الأرخص، والتوصيلات التي نطمئن إليها لأنها «ما زالت شغالة»، كلها تفاصيل نعيش معها كل يوم. وربما آن الأوان أن تتوقف بيوتنا عن الاعتماد على «البركة» وحدها، وأن تجد المواصفة مكانها الطبيعي في تفاصيل حياتنا.
وبالله التوفيق.
د. غالب محمد طه

