(الضؤ الشارد) النصيحة جلابية شوك… لكن مالك عقار فضّل ارتداء الوهم بقلم/ ملوك ميوت ايواك

يقول المثل السوداني النصيحة جلابية شوك لا يرتديها إلا من يملك شجاعة مواجهة الحقيقة مهما كانت مؤلمة. لكن يبدو أن مالك عقار فضل خلع تلك الجلابية واستبدلها برداء المراوغة السياسية حتى وجد نفسه في نهاية المطاف محاصرا بنتائج خياراته قبل خصومه. سنوات طويلة رفع فيها عقار شعارات الهامش والعدالة غير أن منتقديه يرون أن مسيرته انتهت إلى الارتهان لحسابات السلطة أكثر من الانحياز للمشروع الذي بدأه. وبين البدايات الصاخبة والنهايات المرتبكة تبدو المسافة واسعة بين الخطاب والواقع.
الثعبان الذي عاد حول العنق
للراحل الدكتور جون قرنق رواية سياسية شهيرة نقلها مقربون منه شبه فيها عقار بالرجل الذي يرسل لقتل ثعبان لكنه يعود والثعبان ملتف حول عنقه. صورة ساخرة تختزل في نظر كثيرين حالة التردد التي لازمته فلا هو حسم معاركه لصالح مشروع واضح ولا حافظ على ثقة جميع حلفائه حتى أصبحت مواقفه أقرب إلى الدوران في الحلقة نفسها
وخلال تجربته في النيل الأزرق يرى منتقدوه أن عقار لم ينجح في صناعة نموذج للاستقرار أو بناء توافق اجتماعي متين بل خرجت الولاية من تلك المرحلة وهي أكثر انقساما وتعقيدا. ومع كل محطة سياسية كانت الأسئلة تتزايد بينما كانت الإجابات تتراجع. فالسياسة لا تقاس بضخامة الحضور الإعلامي وإنما بوزن الإنجاز. أما الضجيج وحده فلا يصنع قائدا كما أن كثرة التنقل بين المواقع لا تعني بالضرورة وضوح الاتجاه.
اليوم يجد عقار نفسه في مواجهة لحظة سياسية بالغة الحساسية. فبينما استنزفت الحرب القوى والرجال يرى مراقبون أن الثمن الأكبر دفعه أولئك الذين قاتلوا دفاعا عن ترتيبات السلطة في وقت عادت فيه المخاطر لتقترب من مناطق نفوذه التقليدية. وهنا تستحضر الذاكرة الشعبية حكاية السلطان (كسوفورو )الذي تخلص من رجاله خوفا من انقلابهم عليه فلما داهمه الخطر الحقيقي لم يجد من يقف معه. فقالت له الحكامة عبارتها التي بقيت مثلاً لقد أدفأت الجدول… والآن جاء البرد حقا
إنها حكاية تبدو في نظر كثيري، أقرب إلى المجاز السياسي منها إلى التاريخ لكنها تذكر بأن من يستهلك رصيده البشري في معارك السلطة قد يجد نفسه وحيدا عندما تصل النار إلى عتبة داره.
في السياسة لا يكفي أن تجلس على الكرسي فالأهم أن تجد من يبقى واقفا إلى جوارك عندما تهتز الأرض من تحت اقدامك .
أما إذا كانت كل الرحلة من أجل المقعد فقد يكتشف صاحبه متأخرا أن الكرسي لا يحمل أحدا عندما تبدأ الجدران في السقوط… وأن جلابية الشوك كانت رغم وخزها أرحم كثيرا من عباءة الخيبة والخزلان..


