فريق شرطة حقوقي دكتور الطيب عبدالجليل حسين يكتب إعادة قراءة في فقه الإثبات الحديث وبناء الملف القانوني في العدالة الانتقالية

أثار أحد التعليقات التي وردت من أخٍ عزيز وزميل دراسة من الدفعة (46) بكلية الشرطة السودانية (ببري)، تعليقًا على ما كتبته بشأن قضية فض الاعتصام القيادة العامة ولجنة نبيل أديب (المحامي)، نقاشًا يستحق الوقوف عنده. وليس ذلك لأن صاحبه خالف الرأي الذي انتهيت إليه، فالاختلاف في المسائل القانونية والفقهية يظل أحد أهم روافد تطوير الفكر القانوني وإثراء الحوار الأكاديمي، وإنما لأن التعليق طرح إشكالية تتجاوز حدود الواقعة محل النقاش، لتلامس جوهر فلسفة العدالة الجنائية والعدالة الانتقالية، وتمتد إلى طبيعة التقاضي الوطني والدولي في الجرائم الجسيمة والانتهاكات واسعة النطاق.
وقد جاء التعليق بلغة مباشرة وصريحة، مؤداه، أن الحديث عن بناء الحقيقة القانونية، ومنهجية التحقيق، وفقه الإثبات، وعقل المتحري، وعقل القاضي، لا يؤدي إلا إلى تعقيد قضية يراها واضحة في عناصرها الأساسية، وأن الوقائع أصبحت، بحسب رأيه، معلومة للرأي العام، وأن الإشكال الحقيقي لا يكمن في نقص الأدلة، وإنما في غياب الإرادة السياسية اللازمة للمساءلة والمحاسبة. واستند في تدعيم وجهة نظره إلى جملة من الوقائع التي يرى أنها كافية لحسم الملف، من بينها التصريحات العلنية الصادرة في المؤتمر الصحفي المنعقد بتاريخ 11 يونيو 2019م، والمنسوبة إلى عضو المجلس العسكري الانتقالي آنذاك الفريق أول ركن شمس الدين كباشي إبراهيم، والتي أشار فيها إلى اتخاذ قرار بفض الاعتصام، وما نُقل عنه من العبارة المتداولة: (الأمر كان بفض الاعتصام… وحدث ما حدث). كما استند التعليق إلى وجود الجثامين في المشارح، وشهادات الشهود، والمقاطع المصورة، فضلًا عما اعتبره تقاعسًا غير مبرر للجنة التحقيق الوطنية برئاسة نبيل أديب (المحامي) عن إصدار تقريرها النهائي رغم مضي نحو سبعة سنوات على تشكيلها، ليخلص إلى أن القضية لا تعاني من أزمة في الإثبات، بقدر ما تعاني من غياب القرار السياسي اللازم لتحريك المساءلة الجنائية.
ولعل من المهم التنبيه، منذ البداية، إلى أن ما سبق أن كتبته بشأن جمع الأدلة، ورصد الانتهاكات، وبناء ملف تقاضٍ وطني ودولي وفق المعايير القانونية الدولية، لم يكن مقصوده تبرير أي توصيف سياسي للواقعة، أو الانحياز إلى رواية بعينها، وإنما انطلق من منظور قانوني وفقهي خالص، مؤداه أن القضايا التي قد تثير مسئولية جنائية وطنية أو دولية، لا تُحسم بقوة السرد السياسي، ولا بانتشار الوقائع في المجال العام، ولا حتى بقوة الاقتناع المجتمعي، وإنما بقدرة القائمين على الدعوى على تحويل تلك الوقائع إلى ملف قانوني متكامل يستوفي متطلبات الاختصاص، والصفة، والمصلحة، وقواعد المقبولية والإجراءات، إلى جانب بناء منظومة إثبات تستجيب للمعايير الوطنية والدولية في جمع الأدلة، وتوثيقها، وحفظها، والتحقق من سلامة مصادرها، وربطها بعناصر المسئولية الجنائية. ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن رصد الأدلة، وتوثيقها، وحفظها، وربطها وفق قواعد الإثبات الحديثة، لا يمثل ترفًا أكاديميًا، ولا وسيلة لإرجاء العدالة أو تعقيدها، وإنما يشكل أحد أهم مرتكزات البناء القانوني المعياري الذي يسبق أي مساءلة قضائية، سواء أمام القضاء الوطني أو، متى توافرت شروط الاختصاص والمقبولية، أمام الآليات القضائية الدولية.
ولأن التعليق من صاحبة يثير إشكاليات قانونية وفقهية عميقة تتجاوز حدود القضية محل النقاش إلى المبادئ العامة التي تحكم العدالة الجنائية وآليات التقاضي في القضايا الكبرى، فقد رأيت أن أتناوله في مقالة تحليلية تتناول المسألة من عدة محاور مترابطة، في محاولة لتأصيلها من منظور فقهي ودستوري وقانوني، مع الاستفادة من تطورات فقه الإثبات المعاصر والتقاضي الاستراتيجي. وستأتي المقالة تحت عنوان:(إعادة قراءة في فقه الإثبات الحديث وبناء الملف القانوني المتكامل في قضايا العدالة الانتقالية والتقاضي الدولي). ومن ثم، فإن هذه المقالة لا تنصرف إلى إعادة مناقشة الوقائع من زاوية الجدل السياسي، ولا إلى ترجيح رواية على أخرى، وإنما تتناول الإشكالية من منظور فقهي وقانوني معياري، يميز بين التوصيف السياسي للحدث والبناء القانوني لملف الدعوى، ويبين أن نجاح أي مسار للمساءلة لا يتوقف على قوة الخطاب العام، وإنما على سلامة بناء الملف القانوني، بما يشمله من تحديد الاختصاص، والصفة، والمصلحة، واستيفاء الإجراءات، وجمع الأدلة، وحفظها، وتقييمها وفق قواعد الإثبات الحديثة، وهو ما يمثل جوهر موضوع هذه المقالة الموسومة بإعادة قراءة في فقه الإثبات الحديث وبناء الملف القانوني في العدالة الانتقالية.
(أولاً) من الحقيقة السياسية إلى الحقيقة القضائية:
———————————
يذهب التعليق لصاحبه زميل الدراسة والدفعة عيال 46 إلى أن تحويل القضية إلى نقاش أكاديمي حول فلسفة الإثبات، أو الحديث عن الفروق بين الحقيقة الجنائية والحقيقة السياسية، يمثل في ذاته إسهامًا في إبطاء العدالة، بل وربما في تعطيلها، وأن القضية لا تحتاج سوى إلى متهم، ودليل، وقاضٍ مستقل، يصدر حكمه وفقًا للقانون.
ولأن هذه الرؤية – بحسب مرئية صاحبها – تجد صدى واسعًا في المجتمعات الخارجة من النزاعات، فإن من الضروري مناقشتها بمنهج علمي هادئ، بعيدًا عن الانفعال، وبعيدًا كذلك عن التسليم بأي افتراض لا يستند إلى قواعد القانون.
ذلك أن السؤال الحقيقي ليس: هل وقعت أفعال تستوجب التحقيق والمساءلة؟ فهذا سؤال يجيب عنه التحقيق والقضاء. وإنما السؤال الأعمق هو: كيف تتحول الوقائع التي يعرفها المجتمع إلى حقيقة قضائية قادرة على إنتاج حكم نهائي يصمد أمام رقابة القضاء الوطني أو الدولي؟
وهنا تحديدًا يبدأ الفارق بين الخطاب السياسي والخطاب القانوني.
(1) هل الحقيقة مجهولة أم أن طريقة بنائها هي محل الخلاف؟
———————————–
من خلال التعليق بمرئيات صاحبها من عيال 46، يبدو أن محل الخلاف ليس حول وقوع الأحداث، وإنما حول طبيعة العمل القانوني المطلوب بعدها. فصاحب التعليق يرى أن الحقيقة أصبحت معلومة، وأن المطلوب هو اتخاذ قرار سياسي بالمحاسبة، بينما انطلقتُ (شخصي كاتب المقالة) في كتاباتي السابقة من فكرة مختلفة، مؤداها، أن معرفة المجتمع بالوقائع لا تعني بالضرورة اكتمال الحقيقة القضائية، وأن العدالة الجنائية لا تبنى على القناعة العامة، وإنما على البناء القانوني المنهجي للوقائع والأدلة.
ولا يعني ذلك مطلقًا التشكيك في معاناة الضحايا، أو التقليل من أهمية الوقائع المتداولة، أو إنكار ما وثقته الشهادات أو التسجيلات أو التقارير، وإنما يعني التمييز بين مستويين مختلفين من الحقيقة.
(الأول) هو الحقيقة الواقعية أو التاريخية، وهي الصورة التي تتكون في ضمير المجتمع نتيجة تراكم الوقائع والشهادات والمشاهدات والتصريحات. وأما (الثاني) فهو الحقيقة القضائية، وهي الحقيقة التي تثبت أمام المحكمة وفق قواعد الإثبات والإجراءات، بحيث تصبح صالحة لإقامة المسئولية الجنائية الفردية، وإصدار حكم نهائي قابل للتنفيذ.
وبالتالي فإن الخلط بين هذين المستويين هو الذي يؤدي في كثير من الأحيان إلى سوء فهم طبيعة العمل القضائي. فقد يعرف الجميع أن واقعة معينة حدثت، وقد يكون ذلك محل إجماع اجتماعي أو سياسي، ومع ذلك تعجز المحكمة عن الإدانة إذا لم تُبنَ القضية وفق القواعد القانونية التي تحكم الإثبات.
وليس في ذلك انتقاص من الحقيقة الواقعية، وإنما احترام لمبدأ سيادة القانون، وافتراض البراءة، وحق الدفاع، وضمانات المحاكمة العادلة.
(2) الفرق بين الحقيقة السياسية والحقيقة القضائية:
———————————–
من المبادئ المستقرة في الفقه الجنائي الحديث، أن الحقيقة التي يتداولها الرأي العام ليست هي بالضرورة الحقيقة التي يُبنى عليها الحكم القضائي. فالحقيقة السياسية قد تتشكل من الوقائع المتداولة، أو من التصريحات الرسمية، أو من التغطية الإعلامية، أو من القناعة المجتمعية، وقد تكون مقنعة للرأي العام بدرجة كبيرة.
أما الحقيقة القضائية، فلا تُستمد من التداول، وإنما من الأدلة المقبولة قانونًا، ومن سلامة إجراءات جمعها، ومن قدرتها على إثبات جميع عناصر الجريمة، وربطها بأشخاص محددين، وفق معيار الإثبات الذي يفرضه القانون. ولهذا فإن المحكمة لا تحاكم الانطباعات، ولا تبني أحكامها على ما هو شائع أو متداول، وإنما على ما ثبت لديها من خلال إجراءات قانونية تكفل للخصوم جميعًا حق المواجهة والمناقشة والطعن.
ومن هنا فإن القول إن (الحقيقة معروفة)، لا يغني قانونًا عن واجب إعادة بنائها قضائيًا. فالمحكمة لا تسأل فقط: ماذا حدث؟ وإنما تسأل أيضًا: من الذي باشر الفعل؟ ومن أصدر الأمر؟ ومن نفذه؟ ومن اشترك فيه؟ ومن كان يملك سلطة المنع؟ وهل ثبتت علاقة السببية؟ وهل توافر القصد الجنائي؟ وهل تثبت مسئولية القيادة وفق الضوابط القانونية؟
وهذه الأسئلة ليست ترفًا فقهيًا، وإنما هي أركان المسئولية الجنائية التي لا يجوز للقاضي تجاوزها، وإلا تحول القضاء إلى مجرد أداة لإقرار القناعة العامة، لا إلى مؤسسة لإقامة العدل وفق القانون.
(ثانياً) الاعترافات الرسمية والجثامين والشهادات:
———————————
تحت هذ العنوان الفرعي للمقالة، نطرح جدلية الاعترافات الرسمية والجثامين والشهادات بين منطق القناعة العامة وفقه الإثبات الحديث. ففي هذا الاطار، إذا كان التعليق – بمرئيات صاحبه من عيال 46 – قد انطلق من فرضية، مؤداها، أن القضية لا تعاني من نقص في الأدلة، وإنما من غياب الإرادة السياسية، فإنه – صاحبها – استند في ذلك إلى عناصر يرى أنها تحسم الجدل، وفي مقدمتها التصريحات الرسمية العلنية الصادرة في المؤتمر الصحفي المنعقد بتاريخ 11 يونيو 2019م، والمنسوبة إلى عضو المجلس العسكري الانتقالي آنذاك الفريق أول ركن شمس الدين كباشي إبراهيم، والتي أشار فيها إلى اتخاذ قرار بفض الاعتصام، وما نُقل عنه من العبارة المتداولة: (الأمر كان بفض الاعتصام … وحدث ما حدث)، ومرئية صاحب التعليق من عيال 46 وجود الجثامين في المشارح، وتوافر مقاطع الفيديو، وشهادات الشهود، ثم خلص إلى أن إعادة الحديث عن بناء الحقيقة القانونية أو فلسفة الإثبات، لا يعدو أن يكون تعقيدًا غير مبرر لقضية واضحة.
وهذه الحجة لصاحبها، تبدو لأول وهلة منطقية، إلا أن الفقه الجنائي الحديث يميز تمييزًا دقيقًا بين وجود الدليل والقيمة القانونية للدليل، وبين العلم بالواقعة وإثبات المسئولية الجنائية عنها. فالواقعة قد تكون معلومة، والدليل قد يكون موجودًا، لكن ذلك لا يعني تلقائيًا أن الدعوى أصبحت صالحة للإحالة إلى القضاء أو أن المحكمة ستصل بالضرورة إلى الإدانة. فالمسافة بين وجود الوقائع وبين بناء ملف جنائي متكامل هي المسافة ذاتها بين الحقيقة الواقعية والحقيقة القضائية.
ولهذا لم يعد السؤال في الفكر القانوني الحديث: هل توجد أدلة؟ وإنما أصبح السؤال: هل تكفي هذه الأدلة، في صورتها القانونية، لإثبات كل عنصر من عناصر المسئولية الجنائية وفق معيار الإثبات الذي يفرضه القانون؟
وهذا هو الفارق الذي يغيب في كثير من النقاشات العامة.
(1) الاعترافات الرسمية بين الخطاب السياسي والإقرار القضائي:
———————————-
استند التعليق لصاحبة من عيال 46 إلى تصريحات منسوبة إلى الفريق أول شمس الدين كباشي باعتبارها اعترافًا صريحًا بأن قرار فض الاعتصام قد اتُّخذ، ومن ثم رأى أن هذا وحده يغني عن إعادة بناء الوقائع. ومن حيث الأصل لهذه الجزئية من التعليق لصاحبها من عيال 46، لا خلاف على أن التصريحات الصادرة عن مسئولين رسميين قد تكتسب أهمية قانونية كبيرة، وقد تشكل عنصرًا مهمًا من عناصر الإثبات إذا استوفت شروطها القانونية، إلا أن الفقه الجنائي يميز بين الاعتراف القضائي والتصريح السياسي أو الإعلامي.
فالاعتراف الذي يقيم المسئولية الجنائية، ليس مجرد تصريح يُدلى به في مؤتمر صحفي أو مقابلة إعلامية، وإنما هو إقرار قانوني يتعلق بوقائع محددة، ويخضع لتقييم المحكمة في ضوء سائر الأدلة والظروف المحيطة به. وكما أن الإقرار باتخاذ قرار بفض تجمع أو اعتصام، من حيث المبدأ، لا يساوي قانونًا الإقرار بكل الأفعال التي قد تكون صاحبت التنفيذ، ولا يثبت تلقائيًا المسئولية الجنائية عن جميع النتائج التي ترتبت على ذلك التنفيذ، ما لم يثبت، وفقًا للقواعد القانونية، الرابط بين القرار والأفعال المادية محل الاتهام، وسلسلة القيادة والتعليمات، وطبيعة الأوامر الصادرة، وكيفية تنفيذها، وعلاقة السببية، والقصد الجنائي، وصور الاشتراك أو المساهمة أو الامتناع.
ولذلك فإن المحكمة لا تقف عند حدود التصريح الإعلامي الصحفي المرئي والمقروء، وإنما تضعه ضمن منظومة أدلة أوسع، وتختبر مدى اتساقه مع بقية عناصر الإثبات.
(2) الجثامين والشهادات ومقاطع الفيديو… هل تكفي وحدها؟
———————————-
لا يمكن التقليل من القيمة القانونية للجثامين، وتقارير الطب الشرعي، وشهادات الشهود، ومقاطع الفيديو، والأدلة الرقمية، فهي تمثل في كثير من القضايا أعمدة رئيسية للإثبات.
إلا أن السؤال الذي يطرحه القضاء لا يقف عند وجود هذه الأدلة، وإنما يمتد إلى كيفية جمعها، والمحافظة عليها، والتحقق من سلامتها، وربطها قانونيًا بالواقعة وبالأشخاص محل الاتهام.
فالجثمان يثبت الوفاة، لكنه لا يحدد وحده المسئول الجنائي عنها. وتقرير التشريح يبين سبب الوفاة، لكنه لا يكشف بذاته عن مرتكب الفعل أو الآمر به. والشاهد يروي ما أدركه بحواسه، لكنه لا يغني عن اختبار مصداقيته، واتساق روايته، وإمكان مناقشته أمام المحكمة.
أما التسجيلات المصورة، فقد أصبحت في العصر الحديث من أهم وسائل الإثبات، لكنها تخضع كذلك لعمليات فنية وقانونية دقيقة تتعلق بأصالتها، وعدم العبث بها، وسلامة مصدرها، وتاريخها، ومكانها، وإمكان نسبتها إلى الواقعة محل التحقيق.
ولهذا فإن القضاء لا يتعامل مع أي دليل منفردًا، وإنما يقيم قيمته في إطار شبكة مترابطة من الأدلة.
(3) لماذا لم يعد فقه الإثبات الحديث يكتفي بالدليل المنفرد؟
——————————–
كان الفقه التقليدي ينظر إلى وسائل الإثبات باعتبارها عناصر مستقلة؛ اعتراف، أو شهادة، أو مستند، أو تقرير فني، ثم يبحث في قوة كل منها على حدة. أما الفقه المعاصر للإثبات، وخاصة في الجرائم الدولية والانتهاكات الجسيمة، فقد تجاوز هذا التصور، وأصبح يعتمد على مفهوم الإثبات التراكمي والمتكامل Integrated and Corroborative Evidentiary Framework. فالقيمة القانونية لا تنشأ من الدليل منفردًا، وإنما من تساند الأدلة وتكاملها The modern law of evidence is based on a cumulative assessment of evidence through an integrated and corroborative evidentiary framework. ولهذا أصبح المبدأ السائد هو التحقق المتبادل (Corroboration)، بحيث يدعم كل دليل الأدلة الأخرى، فتتشكل أمام المحكمة صورة قانونية متماسكة يصعب نقضها.
ومن هنا، لم يعد ملف الإثبات عبارة عن مجموعة وثائق محفوظة في ملف، وإنما أصبح بناءً تحليليًا متكاملًا يربط بين الشهادات، والأدلة الرقمية، والتقارير الفنية، والوثائق الرسمية، والخرائط الزمنية، وتحليل الاتصالات، وسلاسل القيادة والتعليمات والأوامر، والسياق العملياتي، بما يسمح بإثبات المسئولية الفردية والقيادية وفق أعلى المعايير القضائية.
(4) من جمع الأدلة إلى بناء نظرية القضية (Case Theory):
———————————-
في هذا الصدد والسياق، فقد أحدثت المحاكم الجنائية الدولية تحولًا عميقًا في فلسفة التحقيق. فلم يعُد الادعاء يبدأ بسؤال: (ما هي الأدلة الموجودة؟)، بل أصبح يبدأ بسؤال أكثر عمقًا: ما هي النظرية القانونية التي ستعرض على المحكمة؟
ومن هنا نشأ ما يعرف في الفقه المقارن بـ نظرية القضية (Case Theory). وتقوم هذه النظرية على أن كل دليل يجب أن يكون جزءًا من بناء منطقي متكامل، يجيب مسبقًا عن جميع الأسئلة التي يمكن أن يثيرها الدفاع أو المحكمة. وبالتالي، فإن نجاح الدعوى لا يقاس بعدد الأدلة، وإنما بقدرة الفريق القانوني على تحويل تلك الأدلة إلى رواية قانونية مترابطة، تستوفي جميع عناصر الجريمة، وتربط بين الوقائع والأشخاص والقواعد القانونية. ولهذا فإن الحديث عن فلسفة الإثبات لا يمثل هروبًا من العدالة، ولا وسيلة لتعقيدها، وإنما يمثل الضمان الحقيقي لعدم انهيارها عند أول اختبار قضائي.
فالملفات التي تنهار أمام القضاء، لا تنهار غالبًا لأن الوقائع غير صحيحة، وإنما لأنها لم تُبنَ وفق المنهج الذي يسمح بتحويل الوقائع إلى مسئولية جنائية قابلة للإدانة.
ومن ثم، فإن العدالة، لا تُختزل في وجود أدلة أو كثرتها، بل في سلامة بنائها القانوني، وفي قدرتها على الصمود أمام مبدأ المواجهة، وحق الدفاع، ومعيار الإثبات الذي يفرضه القانون.
(ثالثا) الإرادة السياسية وفقه الإثبات الحديث:
———————————–
تحت هذا العنوان الفرعي نطرح سؤال، لماذا لا يغني القرار السياسي عن البناء القانوني للدعوى؟ وإجابة على السؤال، بعد أن تناولنا الفارق بين الحقيقة السياسية والحقيقة القضائية، وبين وجود الأدلة وبين قابليتها للإنتاج القضائي، تبرز الإشكالية الثانية التي أثارها التعليق لصاحبة من عيال 46، وهي القول، بأن القضية ليست قضية إثبات، وإنما قضية إرادة سياسية، وأن كل ما يثار حول فلسفة الإثبات ومنهجية التحقيق، ليس إلا وسيلة لإبطاء العدالة وإفراغها من مضمونها.
وهذه الفكرة بمرئيات صاحبها من عيال 46 تستحق مناقشة دقيقة؛ لأنها تمثل أحد أكثر المفاهيم التباسًا في أدبيات العدالة الانتقالية.
فلا خلاف على أن الإرادة السياسية عنصر جوهري في إنفاذ العدالة، إذ لا يمكن لأي نظام قضائي أن يؤدي رسالته إذا كانت السلطة السياسية تمنع تحريك الدعوى، أو تعطل التحقيق، أو تتدخل في عمل الشرطة والنيابة أو القضاء، أو تحول دون تنفيذ الأحكام. وقد أثبتت التجارب المقارنة في الأرجنتين، وتشيلي، وجنوب أفريقيا، ورواندا، وسيراليون، ويوغوسلافيا السابقة، أن غياب الإرادة السياسية كان، في كثير من الأحيان، سببًا رئيسيًا في تأخر العدالة أو تعطيلها.
إلا أن التسليم بأهمية الإرادة السياسية، لا يعني أنها تغني عن البناء القانوني للدعوى، ولا يجيز استبدال قواعد الإثبات بمنطق القناعة العامة أو الضغوط المجتمعية. فالإرادة السياسية قد تفتح أبواب المحكمة، لكنها لا تستطيع أن تُصدر حكمًا بالإدانة، لأن الحكم يبقى عملًا قضائيًا تحكمه الأدلة والقانون، لا الرغبات السياسية.
ومن ثم، فإن العلاقة بين الإرادة السياسية والإثبات، ليست علاقة بديل ببديل، وإنما علاقة تكامل؛ فالأولى تهيئ البيئة المؤسسية للعدالة، والثاني يمنحها مشروعيتها القانونية.
(1) العدالة الانتقالية ليست بديلًا عن العدالة الجنائية:
———————————
من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن العدالة الانتقالية، تقوم على الاعتراف السياسي أو التوافق المجتمعي وحدهما. والحقيقة أن العدالة الانتقالية، في صورتها المعاصرة، لا تنفصل عن قواعد العدالة الجنائية، وإنما تتكامل معها. فالعدالة الانتقالية تسعى إلى كشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، وجبر الضرر، والإصلاح المؤسسي، وضمان عدم التكرار، لكنها لا تعفي، في القضايا التي تستوجب المساءلة الجنائية والحق الخاص، من الالتزام بقواعد الإثبات وضمانات المحاكمة العادلة.
ولهذا، فإن لجان الحقيقة تختلف عن المحاكم الجنائية؛ فالأولى (لجان الحقيقة) قد تبني استنتاجاتها على معيار (الترجيح) أو معيار (الاحتمال الراجح)، أما الثانية (المحاكم الجنائية) فلا يجوز لها أن تقضي بالإدانة، إلا إذا بلغ الإثبات المستوى الذي يفرضه القانون.
وهذا الفرق هو الذي يفسر لماذا قد تقتنع المجتمعات بوقوع انتهاكات جسيمة، بينما تحتاج المحاكم إلى سنوات لبناء ملفاتها القانونية.
(2) لجنة التحقيق بين النقد المشروع والتقييم القانوني:
———————————
أثار التعليق لصاحبه من عيال الدفعة (46) مسألة تأخر لجنة التحقيق الوطنية برئاسة الأستاذ نبيل أديب عبد الله في إصدار تقريرها النهائي، واعتبر أن هذا التأخير، في حد ذاته، قرينة على وجود إرادة لتعطيل القضية. ولا ريب أن امتداد أعمال اللجنة لما يقارب نحو سبع سنوات يثير تساؤلات قانونية ومؤسسية مشروعة، ذلك أن العدالة الناجزة تمثل أحد المكونات الأساسية للحق في المحاكمة العادلة، كما أن طول أمد التحقيق يؤثر في ثقة المجتمع بمؤسسات العدالة، وينعكس على سلامة الأدلة، وإمكانية الوصول إلى الشهود، وكفاءة إدارة ملف التحقيق، فضلًا عن احتمالات ضياع بعض وسائل الإثبات أو تراجع قيمتها بمرور الزمن.
إلا أن تقييم أداء لجنة تحقيق فض إعتصام القيادة العامة لا ينبغي أن يقتصر على عامل الزمن وحده، وإنما يمتد إلى فحص بنيتها القانونية والمؤسسية. فمن الناحية الدستورية والإدارية، أُنشئت اللجنة بقرار صادر عن رئيس مجلس الوزراء الانتقالي، وأسند إليها رفع نتائج أعمالها وتوصياتها إلى الجهة التي أصدرت قرار تشكيلها. وهذه البنية المؤسسية تثير، من زاوية الفقه الدستوري وقانون الإجراءات الجنائية، نقاشًا مشروعًا حول مدى استقلال اللجنة المؤسسي، ومدى اتساق نموذج تشكيلها مع متطلبات التحقيق المستقل في القضايا ذات الطبيعة الوطنية البالغة الحساسية، لاسيما عندما يتعلق الأمر بوقائع يُثار بشأنها احتمال مسئولية جهات أو مؤسسات عامة في السلطة التنفيذية.
ويزداد هذا النقاش أهمية، إذا أُخذ في الاعتبار أن اللجنة مُنحت سلطات واسعة تقارب في مداها سلطات النيابة العامة في مجال الاستدعاء، وسماع الشهود، وطلب المستندات، واتخاذ عدد من إجراءات التحقيق، في حين لم تكن أعمالها، بوصفها لجنة تحقيق خاصة، خاضعة لذات منظومة الرقابة القضائية والإجرائية التي تخضع لها إجراءات التحقيق الجنائي الاعتيادية التي تباشرها الشرطة والنيابة العامة تحت مظلة قانون الإجراءات الجنائية. ومن ثم، يثور تساؤل فقهي وقانوني حول مدى كفاية الضمانات المؤسسية التي تكفل الموازنة بين اتساع سلطات التحقيق وبين خضوعها لآليات الرقابة القانونية والقضائية المستمرة، وهي مسألة تتعلق ببنية النموذج القانوني ذاته أكثر من تعلقها بالأشخاص القائمين عليه.
ومع ذلك، فإن هذا النقد المؤسسي يظل مختلفًا، من الناحية القانونية، عن الجزم بأن التأخير كان نتيجة قصد متعمد لتعطيل القضية، إذ إن نسبة هذا القصد إلى أي جهة تستلزم دليلًا مستقلاً يثبته، ولا يكفي فيها مجرد الاستنتاج المستند إلى طول مدة التحقيق. فالقانون يميز بين تقييم النموذج المؤسسي من جهة، وإثبات المسئولية القانونية أو سوء النية من جهة أخرى.
وفي المقابل، فإن طول أمد التحقيق، وما قد يثار بشأن البنية المؤسسية للجنة، لا ينفيان ضرورة استمرار جمع الأدلة وفق المعايير المهنية الحديثة، بل يجعلان ذلك أكثر إلحاحًا. فمرور الزمن قد يؤدي إلى فقدان بعض الأدلة أو تدهور قيمتها، ما لم تُحفظ وفق قواعد سلسلة حيازة الأدلة (Chain of Custody)، والتوثيق المعياري، والتحقق من المصادر، والإثبات التراكمي والمتكامل، بما يضمن صلاحيتها للاعتماد أمام القضاء الوطني أو، عند الاقتضاء، أمام جهات التقاضي الدولية المختصة.
(3) تجربة السودان أمام محكمة العدل الدولية… درس في فقه التقاضي الحديث:
———————————-
لعل من أبرز الأمثلة المعاصرة التي تكشف الفارق بين الخطاب السياسي ومنهج التقاضي الدولي ما شهدته الدعوى التي أقامتها جمهورية السودان ضد دولة الإمارات العربية المتحدة أمام محكمة العدل الدولية. وبصرف النظر عن المواقف السياسية أو تقييم موضوع النزاع، فإن هذه الدعوى قدمت درسًا قانونيًا بالغ الأهمية في فقه التقاضي الدولي.
فقد أظهرت أن قوة الادعاء السياسي، أو جسامة الوقائع، أو اتساع التأييد الشعبي، لا تكفي وحدها لإنتاج نتيجة قضائية، إذا لم تُستوفَ الشروط التي يفرضها النظام الأساسي للمحكمة وقواعدها الإجرائية. ذلك أن محكمة العدل الدولية لا تبدأ بالنظر في الأدلة الموضوعية، وإنما تبدأ (أولًا) بفحص مسائل الولاية القضائية، والاختصاص، والصفة، والمصلحة، وقبول الدعوى، وسلامة الإجراءات. فإذا لم تتوافر هذه الشروط، فإن المحكمة قد لا تصل أصلًا إلى مرحلة مناقشة الأدلة.

