مقالات الرأي

الجهد الشعبي في بناء الأوطان: دروس من التجارب الدولية بقلم دكتور زكي محمد البشير

 

لا تُبنى الأوطان بالحكومات وحدها، ولا تنهض بالمؤسسات الرسمية فقط، بل تنهض عندما يتحول المواطن إلى شريك حقيقي في البناء والتنمية. فالجهد الشعبي هو الطاقة الكامنة التي تحفظ الدول في أوقات الأزمات، وتدفعها نحو التقدم في مراحل الاستقرار. والتاريخ يؤكد أن أعظم الأمم لم تنهض بالموارد الطبيعية وحدها، وإنما بسواعد أبنائها وإيمانهم بوطنهم.

• الجهد الشعبي هو كل مساهمة يقدمها المواطن لخدمة وطنه، سواء كانت عملاً تطوعياً، أو مبادرة مجتمعية، أو مشاركة في التنمية، أو دعماً للمؤسسات الوطنية، أو التزاماً بالقانون، أو حفاظاً على الممتلكات العامة، أو نشر ثقافة السلام والتعايش. فالوطن ليس مسؤولية الحكومة وحدها، بل مسؤولية الجميع.

• لقد قدمت العديد من الدول نماذج ملهمة في هذا المجال. ففي اليابان، وبعد الدمار الهائل الذي خلفته الحرب العالمية الثانية، لم يعتمد الشعب الياباني على المساعدات الخارجية وحدها، بل جعل من الانضباط والعمل والإنتاج ثقافة عامة، حتى أصبحت اليابان واحدة من أكبر الاقتصادات في العالم.

• وفي سنغافورة، قاد التعاون بين القيادة السياسية والمجتمع إلى بناء دولة حديثة رغم محدودية الموارد الطبيعية. وكان احترام القانون، والمحافظة على النظافة، والعمل الجاد، والمشاركة المجتمعية، من أهم أسباب نجاح التجربة السنغافورية.

• أما رواندا، فقد خرجت من واحدة من أسوأ المآسي الإنسانية في القرن العشرين. لكن الشعب الرواندي اختار المصالحة والعمل المشترك بدلاً من الانتقام، وأطلقت الدولة برنامج العمل المجتمعي الشهري الذي يشارك فيه المواطنون في تنظيف المدن، وصيانة المرافق، وتنفيذ المشروعات الخدمية، فأصبحت رواندا اليوم نموذجاً أفريقياً في التنمية والاستقرار.

• وفي كوريا الجنوبية، ساهمت حركة “القرية الجديدة” في تحويل الريف إلى شريك في التنمية، حيث تعاون المواطنون مع الدولة في بناء الطرق، وتحسين الزراعة، وتطوير الخدمات، مما أسهم في النهضة الاقتصادية التي يشهدها العالم اليوم.

• أما السودان، وهو يمر بمرحلة دقيقة من تاريخه، فإنه أحوج ما يكون إلى إحياء روح الجهد الشعبي. فقد أثبت السودانيون عبر تاريخهم قدرتهم على التكافل والتعاون، وظهرت مبادرات أهلية عديدة خلال الأزمات لتقديم الغذاء والدواء والإيواء، وهي نماذج تؤكد أن المجتمع السوداني يمتلك رصيداً كبيراً من قيم التضامن والعطاء.

• إن إعادة بناء السودان بعد الحرب لن تكون مسؤولية الدولة وحدها، بل تحتاج إلى مشاركة الجميع: العلماء، والشباب، والمرأة، والقطاع الخاص، ومنظمات المجتمع المدني، والقيادات الأهلية والدينية، وكل مواطن يؤمن بأن الوطن يستحق أن يُبذل من أجله الجهد والوقت والخبرة.

• قدم المهندس أبو مآب صلاح الدين مشروع يتجاوز النظرة الضيقة للبناء عبر مشروع السودان أولا مرتكز علي علي البناء القاعدي كركيزة أساسية في البناء لقد اطلعت على محتوي هذا المشروع ورأبت فيه مخارجاً لحالة الاحتقان والاستقطاب الذي يقود للدمار لا للبناء.

• إن بناء الأوطان يبدأ من بناء الإنسان وانسان السودان له تاريخ وحضارة غارسة في عمق التاريخ، وله باع في ترسيخ قيم المسؤولية والانتماء والعمل الجماعي. فكل شجرة تُزرع، وكل مدرسة تُرمم، وكل شارع يُنظف، وكل مبادرة تطوعية تُنفذ، هي لبنة في صرح الوطن.

• ختاما فإن التجارب الدولية تؤكد أن نهضة الأمم ليست معجزة، بل هي ثمرة إرادة شعب يؤمن بوطنه ويعمل من أجله. وإذا توحدت إرادة الشعب مع رؤية الدولة، فإن المستقبل يصبح أكثر إشراقاً، وتتحول التحديات إلى فرص، والأزمات إلى بدايات جديدة. فالأوطان تبنى بسواعد أبنائها، وتحفظ بوحدتهم، وتزدهر عندما يصبح كل مواطن شريكاً في صناعة مستقبلها.

• أبناء قريتي الزراقنة بحجر العسل توارثوا كابرا عن كابر الجهد المجتمعي في بناء المدرسة الأولية المختلطة ثم فصلوا المدرسة الي اثنين وأصبحت للبنات مدرسة كما للبنين وضربوا أروع الامثال في السقيا فأسسوا بالجهد الشعبي محطة المياه وبدل صهريج أصبحت ثلاث صهاريج تغذي القرية ولم يتوقف جهدهم بل امتد للمساجد والنادي واعانة المرضي وصندوق الاصحاح البيئي وانارة القرية ومساعدة المرضي ويضربون في كل يوم وليله المثل في التفاني لبناء قريتهم وهي ركيزة أساسية في بناء الدولة.

• بكل تأكيد قريتي ليست الوحيدة فقد ضرب السودانيين أروع الامثال في الصبر والثبات واغاثة الملهوف، آن الأوان لبناء دولتنا على أسس من الوعي والمعرفة والبصيرة.

زر الذهاب إلى الأعلى