مقالات الرأي

أحمد عبد الكريم عبد الله يكتب الإعلام المسؤول.. درع السلم الاجتماعي

 

حسناً فعلت رابطة الصحافة الإلكترونية -فرعية الولاية الشمالية- وربانها الإعلامي الشاب الأستاذ علي تركمان، وهي تقدم في خاتمة الأسبوع المنصرم، بقاعة هيئة إذاعة وتلفزيون الولاية، ورقة علمية بعنوان: “الإعلام المسؤول ودوره في ترسيخ السلم الاجتماعي ومواجهة خطاب الكراهية”. ورقة جاءت في زمن يمكن أن تشتعل فيه المعارك بالكلمة قبل البندقية، وأصبحت فيه الكلمة أخطر من الرصاصة.

ولم يعد الإعلام مجرد ناقل خبر، بل صار طرفاً أصيلاً في معادلة الأمن القومي، وخط الدفاع الأول عن السلم الاجتماعي. وهذا هو التحدي الماثل أمامنا الآن؛ فإما أن يكون الإعلام مسؤولاً يرسخ الوحدة والتصالح الوطني، وإما أن يكون فوضوياً غير مسؤول، فيكون وقوداً لخطاب يزرع الفرقة، ويبذر الكراهية، ويعمق الشتات.

إن الكراهية لا تبدأ بالسلاح، بل تبدأ بكلمة أو بجملة غير رشيدة. وفي زمن انتشار الوسائط ويسر تداولها واستخداماتها، يمكن أن تُزرع فتنة يصعب تدارك صداها، وتُقسم مجتمعاً كان متعايشاً بسلام واستقرار لقرون من الزمان. وهنا يُطل ويظهر بشدة الدور المنوط بالإعلام المسؤول في التمييز الجاد بين حرية التعبير، وبين التحريض على الفرقة والتشتت، وإثارة الكراهية والبغضاء. فالإعلام الحكيم هو الذي يقدم معالجات مهنية ومدروسة تتناول هموم المواطن، وتفضي إلى إيجابيات، لا أن تتحول إلى مُغذيات لصراعات قبلية أو جهوية تفكك قيم التآزر والتآخي الوطني.

ومن مهام الإعلام المسؤول في ترسيخ السلم أن يقدم النموذج الإيجابي لا النموذج المضاد؛ فبدلاً عن تكرار صور الصراع هنا وهناك وعلى مدار الساعة، لابد من بث ونشر وتضخيم نماذج التعاضد والتآزر والتعايش الآمن، لأن من المعروف جداً أن الناس يتعلمون بالقدوة. كما أن الإعلام المسؤول لا يتحول إلى مجرد بوق يُردد دون دراية ولا إدراك لمردود وصدى ما يخرج عنه، بل لابد للإعلامي الحصيف أن يبحث ويحلل ويتقصى بما تمليه عليه أخلاقيات ومبادئ المهنة من موضوعية وحياد تام، بعيداً عن الانطباعية أو أي ميول ذاتية، حتى يخرج برسالة إعلامية تداوي ولا تجرح.

وتُعد الشائعات من أخطر وأسرع أدوات الإعلام الهدام، لأن خطاب الكراهية يتغذى على الفراغ والغياب، والشائعة تنتشر أسرع ست مرات من معدل انتشار الحقيقة. لذا فإن واجب الإعلام الصادق المسؤول أن يسبق كذب الشائعة بالنشر السريع الموثق للحقيقة، فكل دقيقة تأخر عن ذلك تعني خسارة يصعب معالجتها عبر ساعات وربما أيام.

وهنا نجد أن المسؤولية لا تقع على الإعلامي وحده؛ فهناك شركاء فاعلون سلباً وإيجاباً، وفي مقدمتهم التشريعات والقوانين المقيدة لوسائط الإعلام ومن يُمنحون تراخيص إنشائها وتشغيلها. وكذلك هناك شريك آخر فاعل وأصيل جداً، وهي المصادر التي يتعامل معها الإعلام من مؤسسات ومسؤولين. كما أن للمواطن المتلقي دوراً أصيلاً يتمثل في رفض المشاركة والتعليق على منشورات الفتنة التي تؤدي إلى الكراهية والبغضاء، أو الانسياق خلفها دون وعي أو إدراك.

إن المجتمعات لا تنهار في تماسكها وتضامنها فجأة، بل تنهار حين يتحول الإعلام من مرآة تعكس الواقع إلى مطرقة تكسر الواقع وتهدم ثوابته من عقيدة وقيم ومبادئ. ونحن في السودان قد دفعنا ثمناً غالياً بسبب بعض الإعلام غير المدروس الذي أجج نشر مفاهيم القبلية والمناطقية لا القومية، وأحدث تناقضات ما زلنا نعاني من صدى سلبياتها. والأزمة لم تعد أزمة إعلام فقط، بل أضحت أزمة جمهور أيضاً يبحث عما يغذي ما في دواخله من تناقضات.

واليوم، وحتى نستطيع أن نُلملم الجراح، فلا خيار أمامنا إلا إعلام جديد يُؤمن بأن الكلمة أمانة وأن الرسالة مسؤولية. فكما يؤدي الطبيب قسم أبقراط، يجب أن يكون للإعلامي قسم؛ بحسبان أن الطبيب يداوي علة جسد، بينما الإعلامي يعالج علة مجتمع بأثره. فلا بد له أن يقسم ألا يكون سبباً في تشتت أو فرقة، وأن تكون كلمته جسراً ومعبراً لا سداً يقف منيعاً أمام الحلول وتضميد الجراح.

زر الذهاب إلى الأعلى