كيفما د. غالب محمد طه يكتب المواصفات والمقاييس.. ما الذي يزن الاقتصاد؟

من الأشياء التي تعلمتها من الاقتراب من عالم المواصفات والمقاييس أن التفاصيل التي تبدو صغيرة في ظاهرها قد تحمل معنى أكبر بكثير مما نتوقع. وعندما أمعنت النظر في تقرير النصف الأول من عام 2026 الصادر عن الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس، بدت لي أرقامه مختلفة؛ لم تعد مجرد حصيلة نشاط مؤسسة، بل صورة لواقع يتحرك في اتجاه يحتاج إلى تأمل.
فخلف كل رقم قصة عمل لم تظهر تفاصيلها كاملة، وخلف كل شهادة حركة ونشاط، وخلف كل عملية معايرة جهد يجعل ما يجري في السوق أقرب إلى الدقة والانضباط.
أكثر من 35% نمواً في إجمالي شهادات التفتيش للصادرات والواردات والمنتجات المحلية، و62% زيادة في كميات الذهب والسبائك والمشغولات المفحوصة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، وقفزة بلغت 108% في المشغولات الذهبية وحدها؛ وهي أرقام تكتسب بعدها الاقتصادي مع إعلان المديرة العامة للهيئة، الأستاذة رحبة سعيد عبد الله، استعادة الهيئة لكامل مهامها السيادية والرقابية.
وراء هذه الأرقام مؤسسة تتحرك في مساحة واسعة من الاقتصاد؛ من الموانئ والأسواق إلى مواقع الإنتاج ومحطات الوقود، ومن المختبرات إلى قطاع الذهب، حيث تصبح الدقة الفنية جزءاً من حركة التجارة وحياة الناس اليومية.
وفي قطاع الذهب تحديداً، وهو من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً في السودان، فحصت الهيئة وختمت 21.7 طناً من السبائك عبر النافذة الموحدة في بورتسودان، بزيادة 12% عن عام 2025 و62% عن عام 2024، إلى جانب فحص 1,128 كيلوغراماً من المشغولات الذهبية، بنمو بلغ 108% عن العام الماضي.
وتبقى دلالة هذه الأرقام، في حدود ما يقدمه التقرير، مرتبطة باتساع نطاق الفحص الرسمي وحضور الهيئة بصورة أكثر فاعلية في دورة تداول المعدن النفيس. أما الحديث عن تراجع التهريب أو استعادة السوق كامل عافيتها فيحتاج إلى مؤشرات أخرى. وفي قطاع ظل لسنوات من أصعب القطاعات بالنسبة إلى الرقابة، فإن اتساع هذا الحضور يستحق أن يُسجل للهيئة.
وتصبح الصورة أكثر قرباً من حياة الناس حين نصل إلى أعمال التفتيش والمعايرة. فقد نفذت فرق الهيئة 15,509 زيارات تفتيشية لـ14,863 منشأة خدمية و646 منشأة صناعية، إلى جانب 42 حملة رقابية مشتركة مع أجهزة الضبط. كما عايرت 11,487 آلة وزن، وأجرت 65,459 عملية مطابقة لأوزان السلع، وعملت على معايرة 4,150 مسدساً لطلمبات الوقود.
هذه الأرقام تمس تفاصيل يدفع المواطن ثمنها كل يوم. فالميزان المضبوط وطلمبة الوقود المعايرة يجعلان عملية البيع والشراء أكثر دقة، ويحدان من أن يتحول الفارق الصغير في الوزن أو القياس إلى عبء إضافي على المستهلك.
ويمتد النشاط إلى السوق المحلية؛ فقد تصدرت المنتجات المحلية شهادات التفتيش بنسبة 55%، وجاءت ولاية سنار في المرتبة الأولى بـ28,359 شهادة، تلتها البحر الأحمر ثم حلفا.
وعلى الصعيد الفني، عقدت اللجان الفنية 1,450 اجتماعاً افتراضياً، أسفرت عن إصدار 117 مواصفة قياسية جديدة و6 قواعد فنية و276 استشارة، شملت مجالات حيوية مثل سلامة الطرق والتحول الرقمي وضوابط الدقيق وزيوت الطعام والأسمدة ومواصفات مصافي الذهب. كما أصدرت الهيئة 859 شهادة مطابقة مبدئية و4,344 شهادة نهائية قبل الشحن، إضافة إلى 95,923 شهادة تفتيش مطابقة عبر فروعها المختلفة.
وعندما توضع هذه الأعمال جنباً إلى جنب، يظهر حجم الجهد الذي بذلته الإدارة العليا والعاملون في الهيئة للحفاظ على هذا الإيقاع في ظروف اقتصادية وإدارية بالغة الصعوبة. فالأرقام تقف وراءها فرق ميدانية وفنيون ومفتشون ومعامل ومكاتب ومنافذ واصل العاملون فيها أداء مهامهم خلال ظروف استثنائية. ويستحق هذا الجهد أن يُقدَّر ويُبنى عليه، خصوصاً في مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى تكثيف العمل الرقابي والفني وتوسيع أثره واستدامته.
ويبقى السؤال الأهم متعلقاً بما سيحدث بعد التقرير: كيف يترجم هذا الزخم الرقابي والميداني نفسه في حياة الناس؟ فالاختبار الحقيقي لهذه الجهود يظهر في قدرتها على الحد من الغش، وحماية المستهلك، وتحسين جودة المنتج المحلي وتعزيز قدرته على المنافسة. وتلك هي المسافة التي سيتحدد فيها أثر هذا العمل واستمراره.
وربما تكمن القيمة الأبعد للمواصفات والمقاييس في كلمة واحدة: الثقة. ثقة المستهلك في السلعة التي يشتريها، وثقة المنتج في معيار واضح، وثقة الشريك التجاري في أن المنتج السوداني يستند إلى فحص يمكن الاعتماد عليه.
وفي اليوم نفسه الذي عكست فيه هذه الأرقام حجم العمل الذي أنجزته الهيئة، جاء تأكيد رئيس الوزراء، بروفيسور كامل إدريس، دعم الدولة لخططها وبرامجها ومشروعاتها، وإشادته بالدور الذي تضطلع به في دعم وحماية الاقتصاد القومي. وجاء ذلك خلال لقائه رئيس مجلس إدارة الهيئة، بروفيسور كمال الدين الطيب يس، وعضو مجلس الإدارة د. نصر الدين شلقامي، بحضور المديرة العامة للهيئة الأستاذة رحبة سعيد عبد الله، في أعقاب إعادة تشكيل مجلس الإدارة.
وتكتسب هذه الإشارة أهمية خاصة لأنها جاءت في اليوم نفسه الذي كانت فيه حصيلة الأداء وخطط المرحلة المقبلة موضع بحث؛ بما يضع المواصفات والمقاييس في مساحة تتجاوز العمل الفني اليومي إلى الأولويات التي تحتاجها الدولة في إعادة بناء مؤسساتها وأسواقها. فالأرقام تكتسب قيمتها حين تجد طريقها إلى سياسات مستمرة، وإدارة داعمة، وعاملين قادرين على مواصلة الأداء، وسوق يشعر بنتائج ذلك كله.
فإذا كان الميزان يزن ما في كفته، فإن المواصفات والمقاييس تزن شيئاً أوسع: مقدار الانضباط والثقة في السوق. وربما كان هذا هو المقياس الذي يستحق أن نراقبه، إلى جانب المؤشرات الكبرى، ونحن نبحث عن علامات التعافي في اقتصاد السودان.


