مفاتيح إعادة الإعمار المرن في السودان سد النهضة ومخاطر الفيضانات والزلازل والحوكمة الإقليمية بقلم: م. ناجي العمدة

نسخة علمية ومهنية مطوّرة
تمهيدلم يعد من الدقة النظر إلى سد النهضة باعتباره احتمال انهيار منفرداً، أو إلى إعادة إعمار السودان باعتبارها عملية ترميم للطرق والمباني بعد الحرب. الواقع أن السودان يواجه مخاطر مركبة تتداخل فيها الحرب والنزوح وهشاشة الخدمات مع الفيضانات والجفاف والتقلبات المناخية والنشاط الجيولوجي الإقليمي وضعف تبادل البيانات. وتؤكد الأمم المتحدة أن أكثر من 9 ملايين شخص نازحون داخلياً في السودان، وأن أكثر من 30 مليون شخص احتاجوا إلى مساعدات إنسانية خلال 2025؛ لذلك فإن أي سياسة إعمار لا تضع إدارة المخاطر في صميمها ستعيد إنتاج الهشاشة بدلاً من تخفيفها .
ما الذي تغيّر؟افتُتح سد النهضة رسمياً في سبتمبر 2025، وبذلك انتقل النقاش من مشروع قيد الإنشاء إلى منشأة قائمة تحتاج إلى حوكمة تشغيلية مستمرة. فالسد، الذي تبلغ سعته التخزينية القصوى نحو 74 مليار متر مكعب وفق دراسة محكمة، يمكن أن يحقق فوائد مهمة في الطاقة وتنظيم التدفقات، غير أن مستوى الفائدة والمخاطر يتوقف على قواعد الملء والتصريف، وتبادل البيانات، والتنسيق مع سدود السودان ومصر، ولا سيما أثناء الجفاف الممتد .
وتشير دراسة حديثة إلى أن التشغيل التعاوني يمكن أن يسمح بإنتاج نحو 87% من التوليد المائي الأمثل خلال جفاف طويل من دون إحداث عجز مائي إضافي في اتجاه المصب وفق النموذج المستخدم؛ وهذه نتيجة مهمة لأنها تبيّن أن التعاون ليس شعاراً سياسياً، بل أداة لتقليل الخسائر وتحسين أمن المياه والطاقة .
كما قدّر نموذج اقتصادي إقليمي أن مكاسب السودان التراكمية من التشغيل المستقر للسد خلال 2020–2060 يمكن أن تتراوح بين 27 و29 مليار دولار مقارنة بخط أساس بلا سد، مع اختلاف النتائج بين الأسر والقطاعات وبحسب نمط الزراعة ودرجة التعاون؛ وهي تقديرات مشروطة وليست ضماناً تلقائياً .
الزلازل: إنذار علمي لا نبوءة بالانهيارتؤكد الأدلة الجيولوجية أن الأخدود الإفريقي الشرقي بيئة نشطة تضم التصدع والتداخلات الماجماتية والزلازل والبراكين والانهيارات الأرضية .
وفي دراسة محكمة منشورة عام 2026، جرى توثيق أكثر من 300 زلزال تراوحت شداتها بين 4 و5.9 خلال تداخل ماغماتي في قطاع Fentale–Dofen بين أواخر 2024 ومنتصف 2025، مع تشوهات أرضية وصلت إلى نحو 60 سنتيمتراً وفقا لصور حديثة لاقمار ..
ير أن وجود نشاط زلزالي أو بركاني في الإقليم لا يثبت وحده أن سد النهضة سينهار “في أي لحظة”؛ فالحكم الهندسي يتطلب بيانات خاصة بموقع السد، ومراقبة التسرب والضغط والتشوهات، وتدقيقاً مستقلاً في جسم السد والمنشآت المساعدة، وتحليلاً زلزالياً محدثاً. وتكشف دراسة استشعار عن بعد عن تقديرات لتسرب مائي كبير حول الخزان، لكنها تبقى نتيجة بحث واحد تحتاج إلى المقارنة ببيانات تشغيل ورصد مستقلة قبل تحويلها إلى حكم نهائي.
ماذا تقول نماذج فشل السد؟
قدّرت دراسة هيدروليكية باستخدام نموذج HEC-RAS ثنائي الأبعاد، في سيناريو افتراضي لفشل بسبب تجاوز المياه لجسم السد، أن موجة الغمر قد تصل إلى الخرطوم خلال نحو عشرة أيام، وأن الأعماق قد تتجاوز 11 متراً في بعض المواقع السكنية، مع احتمال تعرض سدود الروصيرص وسنار ومروي لتجاوزات في ذلك السيناريو أخري .
هذه الأرقام لا تمثل احتمالاً إحصائياً للانهيار ولا تنبؤاً زمنياً؛ فهي تتغير بحسب منسوب الخزان، وشكل الكسر، وزمن تكونه، والتدفقات الداخلة، ودقة نموذج الارتفاع، ووجود الجسور والسدود والقنوات في مسار الموجة.
القيمة الحقيقية لهذه الدراسة ليست في صناعة الخوف، بل في إظهار ما ينبغي فعله فوراً:
إعداد خرائط غمر متعددة السيناريوهات، تحديد زمن الإنذار والإخلاء لكل مدينة وقرية، حماية المستشفيات ومحطات المياه والكهرباء والاتصالات، ووضع خطة طوارئ مستقلة لكل سد سوداني على مجرى النيل الأزرق والنيل الرئيسي.
مفاتيح الوقاية وإعادة الإعمار ينبغي أن تبدأ إعادة الإعمار بتقييم موحد للأضرار والخسائر، ثم بخرائط مخاطر متعددة تجمع الفيضانات والسيول والانهيارات الأرضية والزلازل والنزوح وتغير استخدامات الأرض. ويجب منع التوسع العمراني في مسارات الغمر والسهول النهرية عالية الخطورة، مع عدم نقل السكان إلى أراضٍ زراعية خصبة أو مناطق لا تتوافر فيها المياه والصرف الصحي والمدارس والخدمات وفرص العمل. هذا هو جوهر مبدأ البناء على نحو أفضل الذي يدعو إليه إطار سنداي: دمج خفض مخاطر الكوارث في التعافي والتنمية، بدلاً من إعادة بناء الأصول الهشة ذاتها .
هذه الأولويات تتسق مع نهج البنك الدولي الذي يربط إدارة مخاطر الكوارث بالنمو والاستقرار المالي وخفض الفقر، ويضع البنية التحتية المرنة والإنذار المبكر والحلول القائمة على الطبيعة ضمن أدوات حماية مكاسب التنمية .
كما أن واقع السودان الإنساني يفرض ترتيباً واضحاً للأولويات: استعادة المياه والصحة والكهرباء والاتصالات أولاً، ثم إصلاح الطرق والمساكن، ثم التوسع العمراني والإنتاجي على أساس خرائط الخطر والقدرة على التشغيل والصيانة.
المسار السياسي والإقليمي
الوقاية الفنية لن تنجح من دون اتفاق سياسي قابل للتحقق. المطلوب ليس إعلاناً عاماً عن حسن النيات، بل تحديث قواعد التشغيل، وتبادل شفاف للبيانات، وضمانات فنية للملء والتصريف، وآلية مستقلة للتحقق وتسوية الخلافات.
وقد خلص تحليل إقليمي إلى أن غياب اتفاقات حاسمة حول تقاسم المياه وعمليات التشغيل أبقى السد مصدراً للتوتر حتى بعد دخوله الخدمة .
ومن مصلحة السودان أن يتعامل مع الملف باعتباره قضية أمن قومي وتنمية إقليمية في آن واحد، لا ورقة صراع بين طرفين فقط..
الخلاصة
السيناريو الأكثر خطورة على السودان ليس بالضرورة انهيار السد وحده، بل تراكم المخاطر: تشغيل غير منسق، موجة فيضان، بنية تحتية متهالكة، نزوح واسع، وضعف في الإنذار والاستجابة. وفي المقابل، فإن السيناريو الأكثر واقعية وقابلية للبناء هو تحويل إدارة النيل إلى منصة تعاون في المياه والطاقة والبيانات والإنذار المبكر.وعليه، فإن مفتاح إعادة الإعمار ليس تشييد مدن جديدة على عجل، ولا نشر أرقام غير موثقة عن نسب الخطر، بل تأسيس دولة ومجتمعات أكثر قدرة على المعرفة والاستعداد والصيانة. وإذا التزمت السلطات والشركاء الإقليميون والدوليون بخرائط مخاطر موحدة، ورصد مستقل، وتشغيل شفاف، واستثمار مرن، فقد يتحول تحدي سد النهضة من مصدر هشاشة إلى حافز لبناء سودان أكثر أمناً واستدامة وقدرة على مواجهة المناخ والكوارث.


