أوراق نازك الشوش تكتب “الخرطوم.. العاصمة المكسورة “

لنا وطن (آخر) ليس الذي نعرفه،،
وطن هو الأرض التي نمشي عليها .. ووطن يسكن ذاكرتنا..
الأول يتغير .. تهدمه الجرافات، وتبدله الأعوام، وتعيد رسمه الحروب.
والثاني لا يتغير.. لأنه محفوظ في مكان لا تصل إليه يد،
كنت أعتقد أن وطني الذي أمشي فيه هو وطني الذي أسكنه ، إلى أن اكتشفت أن بينهما مسافة.. وأن المسافة تكبر كل يوم.
لم تكن الخرطوم مدينة واحدة.
كانت ثلاث مدن في قلب واحد: الخرطوم، وأم درمان، وبحري
وكان بينهن نيل يجمع ولا يفرق، وذاكرة واحدة نحفظها جميعاً ، كانت أم درمان هي الحوش الواسع، وصوت الإذاعة في الراديو القديم ، “وسوق ام درمان الذي تعرفه كل البيوت هناك ” وكانت بحري هي” لمة العصريات ” في الميادين، ورائحة البحر في فصل الشتاء، والقطار الذي يمر في الخامسة عصراً.
وكانت الخرطوم هي الوزارات والجامعات، وظل شجر النيم على الكباري ، ورائحة المطر الأولى وهي تعانق تراب الأزقة، كنا نتنقل بلا جوازات ، نحفظ اسماء الحارات كما نحفظ اسماء” الموردة، الشعبية، بيت المال …الخ ثم جاءت الحرب وتوالت الاعوام وتغيرت تلك الخرطوم التي كنا نعرفها، جاءت مدينة أخرى، زجاجها باهت، وإيقاعها بطئ ..وملامحها صامتة ، مدينة للقصف فيها صوت نحفظه قبل أن نسمعه، وللدخان لون رمادي يخرج من بيوت كانت بالأمس عامرة ، وللصمت طعم مر في الحلق ، صمت الشوارع التي كانت لا تنام ، هجرت البيوت التي عمرت بالأحبة، وخلت المدارس من خطوات التلاميذ، والمساجد من المصليين والجسور من العابرين، حتى النيل الذي كان يجمعنا اصبح فاصلاً ، اصبح الخروج من أم درمان إلى بحري حكاية ، والدخول إلى الخرطوم مغامرة ، تبدلت الأسماء فأصبحنا نتيه مرتين ، مرة في الطريق ومرة في المعنى كنت أظن أن الغربة في السفر والنزوح، ثم ادركت ان الغربة في أن تبقى في مكانك ولا تعرفه ، أن تعود إلى مقهى قديم فتجده تحول إلى رماد ، أن تسأل عن جارٍ لم فتجده قد رحل .
المشكلة ليست في تغييير المدن المشكلة ان ننسى النسخة الأولى منها ، أن يأتي جيل لا يعرف ” سوق الاحد” ولا ” جاكسون” ، فمن سيحكي للخرطوم الجديدة عن الخرطوم القديمة.
اصبحت الخرطوم الجديدة خراباً معلناً ، والخرطوم القديمة في ذاكرتنا ما زالت ملجأ لا تقصفه الطائرات..ولا ينهبه احد ، ولا يغلقه حظر تجوال ، ملجأ فيه شجرة النيم ما زالت واقفة ، وفيه المطر يهطل في موعده ، وفيه نحن كما كنا .


