دكتور التجاني الطيب عبدالماجد يكتب الأمم المتحدة أمام اختبار جديد حين غادرت الوفود القاعة

لم تكن الدورة الحادية والثمانون للجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد اجتماع دوري لقادة العالم، بل بدت في كثير من مشاهدها مرآة تعكس حجم التصدع الذي أصاب النظام الدولي، والفجوة المتزايدة بين المبادئ التي قامت عليها الأمم المتحدة وبين واقع العلاقات الدولية الذي تحكمه موازين القوة والمصالح.
فقد شهدت الدورة مشاهد لافتة تمثلت في مغادرة وفود للقاعة أثناء خطابات قادة دول أخرى، من بينها مغادرة وفود مرتبطة بالمواقف الأمريكية والإيرانية والكوبيّة، فضلاً عن غياب الوفد الإسرائيلي أثناء كلمة الرئيس الإيراني، ومغادرة ممثل أمريكي للقاعة أثناء كلمته. كما برزت قضية عدم منح رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان تأشيرة دخول أمريكية للمشاركة في أعمال الجمعية العامة، وهي قضية أثارت نقاشاً واسعاً حول العلاقة بين الدولة المضيفة والمنظمة الدولية.
هذه الأحداث، وإن بدت في ظاهرها مواقف احتجاجية، تحمل دلالات أعمق؛ فالانسحاب من قاعة الجمعية العامة ليس مجرد حركة بروتوكولية، بل رسالة سياسية تعكس عمق الخلافات التي أصبحت تطغى على مساحة الحوار الدولي.
عندما تتحول القاعة إلى ساحة للصراع
كان الخلاف الأمريكي ـ الإيراني من أبرز مظاهر الانقسام، إذ شهدت كلمات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان تبادلاً حاداً للمواقف بشأن الحرب والسياسات الإقليمية والدولية، فيما غادر ممثل أمريكي القاعة أثناء كلمة الرئيس الإيراني.
وفي السياق نفسه، غادر الوفد الكوبي القاعة أثناء خطاب ترامب، في مشهد يعكس استمرار الخلاف التاريخي بين واشنطن وهافانا. أما إسرائيل، فقد ظلت حاضرة في خطابات عدد من القادة باعتبارها إحدى أكثر القضايا إثارة للانقسام الدولي، خصوصاً في ظل الحرب في غزة والقضية الفلسطينية.
وهكذا بدت الجمعية العامة، في بعض لحظات الدورة، وكأنها انتقلت من كونها منصة للاستماع المتبادل إلى ساحة لتبادل الرسائل السياسية.
الولايات المتحدة والأمم المتحدة… أين تنتهي صلاحيات الدولة المضيفة؟
تزداد حساسية المشهد عندما يتعلق الأمر بالولايات المتحدة؛ فهي ليست دولة كبرى وعضواً دائماً في مجلس الأمن فحسب، وإنما هي أيضاً الدولة التي تستضيف مقر الأمم المتحدة في نيويورك.
وهنا تبرز مسألة جوهرية: أين تنتهي صلاحيات الدولة المضيفة، وأين تبدأ استقلالية المنظمة الدولية؟
فالولايات المتحدة لها، كغيرها من الدول، حق تبني سياساتها ومواقفها تجاه الأزمات الدولية، كما تملك حق إدارة إجراءات الدخول إلى أراضيها وفق قوانينها. لكن وجود مقر الأمم المتحدة على أراضيها يجعل قضية تأشيرات الوفود أكثر حساسية، لأن المنظمة يفترض أن تظل قادرة على تمكين الدول الأعضاء من المشاركة في أعمالها.
ومن هنا اكتسبت قضية تأشيرة رئيس مجلس السيادة السوداني أهمية خاصة. فقد أثارت الخرطوم مسألة عدم صدور التأشيرة في الوقت المطلوب، بينما أشارت تقارير إلى ارتباط القضية بموقف أمريكي من مقترح لوقف إطلاق النار في السودان، دون أن يكون ذلك قد أُعلن رسمياً باعتباره السبب النهائي لرفض التأشيرة.
وهنا ينبغي التمييز بين ما هو مؤكد وما هو منقول عن مصادر، لكن تبقى المسألة في جوهرها مثيرة لسؤال مشروع حول مدى قدرة الدولة المضيفة على التأثير في مشاركة دولة عضو داخل المنظمة.
ومن الصعب اختزال النفوذ داخل الأمم المتحدة في الولايات المتحدة وحدها؛ فالقوى الكبرى جميعها تسعى إلى حماية مصالحها واستخدام أدواتها الدبلوماسية والسياسية داخل المؤسسات الدولية. غير أن الحالة الأمريكية تكتسب خصوصية بسبب اجتماع ثلاث صفات في دولة واحدة: قوة كبرى، وعضو دائم في مجلس الأمن، ودولة مضيفة لمقر الأمم المتحدة.
وهذا الجمع يمنح واشنطن نفوذاً واسعاً، ولذلك فإن أي خلاف بينها وبين دولة عضو بشأن الوصول إلى مقر المنظمة يصبح أكثر حساسية من خلاف دبلوماسي عادي.
المسألة إذن ليست مجرد اتهام دولة بالتدخل، وإنما تتعلق بالسؤال الأوسع: كيف يمكن حماية استقلال المؤسسات الدولية عندما تتقاطع مصالح الدولة المضيفة مع مصالح دولة عضو؟
الأمم المتحدة… مؤسسة لعالم الأمس؟
تأسست الأمم المتحدة عام 1945 في أعقاب الحرب العالمية الثانية، في عالم كانت موازين القوة فيه مختلفة تماماً عن عالم اليوم. أما اليوم فقد ظهرت قوى اقتصادية وسياسية جديدة، وتغيرت موازين التأثير الدولي، بينما ما زال الهيكل الأساسي لمجلس الأمن يعكس إلى حد كبير ترتيبات مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
ولهذا أصبح إصلاح الأمم المتحدة مطلباً متزايداً، خاصة إصلاح مجلس الأمن، وتوسيع قاعدة التمثيل، وإعادة النظر في استخدام حق النقض، وتعزيز استقلال المنظمة، ووضع قواعد أكثر وضوحاً تحمي حق الدول الأعضاء في المشاركة في أعمالها.
وتقدم قضية السودان مثالاً عملياً على هذه الإشكالية؛ فالسودان دولة عضو في الأمم المتحدة، ومن حقه أن يعرض موقفه أمام الجمعية العامة، بصرف النظر عن الخلافات السياسية القائمة حول الحرب فيه. وفي المقابل، تملك الولايات المتحدة حق طرح مبادراتها والضغط من أجل وقف الحرب والتسوية السياسية.
لكن السؤال الذي تثيره أزمة التأشيرة يتجاوز السودان نفسه: هل يمكن أن تتحول أدوات الدولة المضيفة إلى عامل يؤثر في مشاركة دولة عضو في أعمال المنظمة؟
إذا كانت الأمم المتحدة تريد الحفاظ على استقلالها ومصداقيتها، فإنها تحتاج إلى قواعد أكثر وضوحاً تحمي حق الدول الأعضاء في الوصول إلى مقرها، وتحدد بصورة دقيقة حدود صلاحيات الدولة المضيفة، بحيث لا تصبح الخلافات السياسية الثنائية عائقاً أمام المشاركة في أعمال المنظمة.
ومن هنا فإن إصلاح الأمم المتحدة لا ينبغي أن يقتصر على توسيع عضوية مجلس الأمن أو إعادة النظر في حق النقض، بل ينبغي أن يشمل أيضاً تعزيز استقلال مؤسساتها، وضمان المساواة بين الدول الأعضاء، ووضع آليات أكثر فاعلية لمنع تداخل المصالح الوطنية للدول الكبرى مع عمل المنظمة الدولية.
إن قضية السودان، بهذا المعنى، ليست مجرد خلاف سوداني ـ أمريكي، وإنما اختبار لمبدأ أوسع يتعلق بمستقبل النظام متعدد الأطراف: هل تستطيع الأمم المتحدة أن تظل منصة لجميع أعضائها، أم أن موازين القوة ستظل قادرة على التأثير في من يستطيع الوصول إلى هذه المنصة ومتى؟
أزمة ثقة أم فرصة للإصلاح؟
لا يمكن الجزم بأن أحداث الدورة الحادية والثمانين ستقود إلى أحداث دولية غير متوقعة، لكن تراكمها يكشف بوضوح عن أزمة ثقة في النظام متعدد الأطراف.
فحين تتكرر مشاهد مغادرة الوفود، وتتصاعد لغة المواجهة، وتظهر الخلافات حول حق الدول في الوصول إلى مقر المنظمة، يصبح من المشروع التساؤل عن قدرة النظام الدولي الحالي على إدارة الصراعات المتزايدة.
ومع ذلك، فإن الأزمة قد تتحول إلى فرصة؛ فالمطلوب ليس هدم الأمم المتحدة، وإنما إصلاحها بما يتناسب مع عالم تغيرت موازينه.
إن الأمم المتحدة ليست ملكاً لدولة كبرى، ولا لمعسكر دولي بعينه، وإنما هي إطار أنشأته الدول لتجنب منطق القوة والحرب.
ولذلك فإن إصلاحها يجب أن يكون مشروعاً جماعياً يقوم على توسيع التمثيل، وتعزيز المساواة بين الدول، وحماية استقلال المنظمة، ووضع قواعد واضحة لعلاقة الدولة المضيفة بالأمم المتحدة.
وفي النهاية، فإن المشهد الأهم في هذه الدورة ليس عدد الوفود التي غادرت القاعة، وإنما لماذا غادرت؟
فإذا أصبحت الجمعية العامة مكاناً يتبادل فيه الخصوم الاتهامات ثم يغادر بعضهم قبل أن يسمع بعضهم بعضاً، فإن الأزمة لا تكون في البروتوكول، وإنما في جوهر فكرة الحوار الدولي نفسها.
وهنا يبقى السؤال مفتوحاً أمام المجتمع الدولي:
هل يستطيع إصلاح الأمم المتحدة لتصبح أكثر تمثيلاً لعالم اليوم، أم أن استمرار اختلال موازينها سيدفع العالم تدريجياً إلى البحث عن نظام دولي جديد؟


